الأعمدة

🛑 السودان في طريق التفكك ‼️ من عقلية العسكر إلى انهيار الدولة.. فأين المخرج؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 30 أغسطس 2026
📚في العلوم السياسية والاجتماعية والعسكرية، لا تنهار الدول والمجتمعات فجأة!!
الانهيار يبدأ قبل سقوط الدولة بسنوات.
يبدأ عندما تصبح السلطة أهم من الدولة.
وعندما يصبح السلاح وسيلة لحسم الخلاف السياسي.
وعندما يعجز الحاكم عن مغادرة السلطة إلا بالقوة.
وعندما يفقد القضاء استقلاله، وتضعف مؤسسات الدولة، وينتشر الفساد، وينقسم المجتمع، ويتحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي.
ثم تأتي الحرب.
فتتوقف عجلة الإنتاج.
وتنهار العملة.
وتتآكل دخول الناس.
وينتشر الفقر والبطالة.
ويبدأ المواطن في الهجرة والنزوح.
وتتراجع قدرة الدولة على توفير الأمن والتعليم والصحة والخدمات.
وعندما تتعدد مراكز القوة والسلاح، وتتآكل سلطة الدولة على أجزاء من أراضيها، ويصبح المواطن مضطراً إلى البحث عن مكان آخر يجد فيه الأمن والخدمات…
فهنا لا نتحدث عن أزمة حكومة.
نتحدث عن أزمة دولة!!
🟢 فانظروا إلى السودان اليوم!!
انقلاب عسكري في 25 أكتوبر 2021 أطاح بالحكومة الانتقالية.
ثم حرب مدمرة اندلعت في 15 أبريل 2023 بين طرفين عسكريين كانا شريكين في السلطة.
ثم أكثر من ثلاث سنوات من القتل والدمار والنزوح.
مدن دُمرت.
مصانع ومزارع وأسواق ومؤسسات خرجت من الخدمة.
ملايين نزحوا داخل السودان وخارجه.
العملة انهارت.
الأسعار انفلتت.
الرواتب فقدت قيمتها.
المدخرات تبخرت.
والدولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من احتياجات مواطنيها.
حتى أصبح السوداني يقف أمام التكية بحثاً عن وجبة تسد رمقه!!
أي انهيار أكبر من هذا؟!
والأزمة ليست اقتصادية فقط.
هناك انهيار اجتماعي وإنساني عميق.
أسرة تفرقت بين البلدان.
أطفال انقطعوا عن مدارسهم.
شباب فقدوا وظائفهم ومستقبلهم.
أجيال كاملة تكبر بعيداً عن وطنها.
ومجتمعات كاملة نزحت من مناطقها.
والأخطر…
أن ملايين السودانيين الذين خرجوا من البلاد بحثاً عن الأمن والتعليم والعمل والاستقرار، قد لا يعودون إليها قريباً.
وربما لا يعود بعضهم أبداً.
وهكذا لا تفقد الدولة أرضها ومؤسساتها فقط…
بل تفقد أبناءها أيضاً!!
🟢 عقلية العسكر.. المشكلة التي لا نريد أن نراها!!
من أخطر مشكلات المجتمعات المتخلفة أن العسكري لا يرى نفسه دائماً مجرد موظف في مؤسسة وطنية مهمته حماية الدولة والمجتمع.
بل تنشأ لدى بعض العسكريين عقيدة ذهنية تجعله يرى نفسه أكثر تميزاً من بقية أفراد المجتمع.
ويتصور أن الانضباط العسكري، وحمل السلاح، والتدريب الذي تلقاه، قد منحه من الحكمة والذكاء والقدرة ما يؤهله لاتخاذ القرارات نيابة عن المدنيين!!
ومن هنا تبدأ الكارثة.
يبدأ العسكري في النظر إلى نفسه باعتباره الأجدر بالحكم والسلطة، بدلاً من أن يرى نفسه موظفاً عاماً يؤدي مهمة محددة لخدمة الدولة.
وهذه العقلية، للأسف، متجذرة في السودان منذ عقود.
لكن الحقيقة بسيطة:
التدريب العسكري لا يصنع رجل دولة بالضرورة.
العسكري يُدرَّب على العقيدة العسكرية، والانضباط، والقيادة، واستخدام القوة في حدود القانون والمهام الموكلة إليه.
وهذه مهارات مهمة ومحترمة في مجالها.
لكنها لا تمنحه تلقائياً معرفة الاقتصاد، ولا السياسة، ولا القضاء، ولا التشريع، ولا التعليم، ولا الصحة، ولا إدارة مؤسسات الدولة المدنية.
إدارة الدولة علم آخر.
والسياسة علم آخر.
والاقتصاد علم آخر.
والقضاء علم آخر.
والتشريع علم آخر.
ولهذا فإن مجرد كون الإنسان عسكرياً لا يجعله أقدر من الاقتصادي على إدارة الاقتصاد، ولا من القانوني على إدارة العدالة، ولا من الأكاديمي على إدارة التعليم، ولا من السياسي المنتخب على إدارة الشأن العام.
الدولة الحديثة تقوم على توزيع الاختصاصات.
كل مجال له أهله وخبراؤه.
أما أن تتحول المؤسسة العسكرية من مؤسسة متخصصة في حماية الدولة إلى طبقة حاكمة ترى نفسها وصية على المجتمع…
فهنا تبدأ الدولة في الانحراف عن طبيعتها.
فالجيش ليس فوق الشعب.
والشرطة ليست فوق الشعب.
والأمن ليس فوق الشعب.
كلها مؤسسات من مؤسسات الدولة، أنشأها المجتمع ومولها من ماله، وحدد القانون اختصاصاتها ومهامها.
مهمتها أن تحمي الوطن.
تحفظ الأمن.
تحمي الحدود.
تحفظ الأرواح والأعراض والأموال والممتلكات.
وتنفذ القانون في حدود اختصاصاتها.
هذه هي وظيفة العسكر.
وليست مهمتهم اختيار الحكام.
ولا صناعة الدساتير.
ولا تعيين الحكومات.
ولا الاستيلاء على السلطة.
ولا حكم الناس بالبندقية.
العسكري المحترف يحمي الحكومة التي اختارها الشعب، ولا يختار الحكومة نيابة عن الشعب.
وهذه هي المسافة بين جيش الدولة وعسكر الدولة!!
🟢 السودان.. أكثر من ثلاثة عقود من عقلية البندقية!!
منذ 1989، ظل النظام الحاكم في السودان يتعامل مع الأزمات السياسية وحركات التمرد المسلحة بعقلية واحدة تقريباً:
البندقية أولاً!!
مشكلة جنوب السودان؟
حرب.
ثم استمرت الحرب لعقود، وانتهت باتفاق السلام الشامل، ثم استفتاء تقرير المصير الذي انتهى إلى استقلال جنوب السودان.
فخسر السودان ثلث أرضه تقريباً.
ولم نتعلم الدرس.
استمرت الحرب في دارفور.
ثم جنوب كردفان.
والنيل الأزرق.
وكلما استعصى الحل السياسي، كانت البندقية حاضرة.
وكلما فشل الحسم العسكري، دخلنا في جولة جديدة من الحرب والتفاوض والتسويات المؤقتة.
ثم جاءت الحرب الحالية!!
وها نحن نرى النتيجة.
السودان نفسه أصبح مهدداً بالتفكك.
تتعدد مراكز القوة.
وتتوزع مناطق النفوذ.
ويُهجَّر المواطن من أرضه.
وتتراجع قدرة الدولة على الوصول إلى أجزاء واسعة من البلاد.
وفي بعض المناطق لم يعد السؤال:
متى تصل الدولة؟!
بل:
هل ما زالت الدولة موجودة أصلاً؟!
شيئاً أم أبينا…
السودان يتمزق.
🟢 والمفارقة التي تستحق أن نتوقف أمامها!!
هؤلاء العسكر وشركاؤهم وأنصارهم الذين لا يكفون عن الحديث عن بناء الوطن وكرامة الشعب والدفاع عن السودان…
نسألهم:
أين يعيشون هم وعائلاتهم وأولادهم؟!
أين يدرس أولادهم الآن؟!
وأين يعيش القونات وأبواق الحرب الذين ظلوا يشعلون الحماس للحرب ويمجدون القتال؟!
🧐🫵 إنهم خارج السودان ‼️
ومنذ سنوات!!
لماذا؟!
لأنهم يعرفون الحقيقة التي لا يريدون أن يقولوها للشعب.
يعرفون أن السودان لم يعد صالحاً للحياة الطبيعية.
لا تعليم مستقر.
لا عمل.
لا استثمار.
لا خدمات.
لا أمن.
لا أمل.
فمن استطاع أن يعيش خارج السودان، عاش خارجه.
ومن استطاع أن يرسل أولاده إلى المدارس والجامعات خارج السودان، فعل.
ومن استطاع أن يؤمن أسرته بعيداً عن الحرب، فعل.
ثم يعود ليحدثنا عن الصمود والكرامة والانتصار!!
أي تناقض أكبر من هذا؟!
بل حتى كثير من المدنيين، من أبناء الطبقة المتعلمة والمستنيرة، اضطروا إلى الهجرة.
خرجوا بحثاً عن الأمن.
عن مدرسة لأطفالهم.
عن مستشفى يعمل.
عن كهرباء وماء.
عن خدمات ولو في حدها الأدنى.
عن مكان يستطيع فيه الإنسان أن يحفظ عرض بناته ونسائه.
وكثير من هؤلاء قد لا يعودون قريباً.
وربما لا يعودون أبداً.
وبدلاً من إعادة بناء حياتهم في السودان، بدأ بعضهم يبيع عقاره وممتلكاته، ويبحث عن الاستقرار الدائم في بلد آخر.
وهكذا لا تخسر الدولة أبناءها فقط…
بل تخسر أيضاً الطبقة التي كان يمكن أن تعيد بناءها!!
🟢 وهنا تقع مسؤولية الشعب!!
نعم…
الشعب السوداني ضحية لهذه الحرب.
لكن الشعب أيضاً صاحب القرار والاختيار.
ولو أن شباب الثورة والقوى المدنية التي ناهضت انقلاب 25 أكتوبر 2021 وجدت المساندة الشعبية الكافية، لما تمدد الانقلاب بهذه الصورة.
ولو أن القوى المدنية المناهضة للحرب وجدت المساندة الشعبية الكافية، لما استطاعت الحرب أن تتمدد بهذا الشكل.
واليوم…
انظروا إلى الذين ما زالوا يساندون هذا الطرف أو ذاك!!
أليسوا قطاعاً من الشعب السوداني؟!
إذن علينا أن نتوقف عن لوم الآخرين دائماً.
علينا أن نمتلك الشجاعة لنقول:
نحن أيضاً أخطأنا.
حين صفقنا للعسكر.
حين مجدنا السلاح.
حين صدقنا دعاية الحرب.
حين جعلنا الجنرال بطلاً.
وحين اعتبرنا أن انتصار طرف عسكري هو انتصار للسودان.
🟢 فرعون ليس وحده المسؤول!!
يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ۝ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾
فرعون مسؤول عن طغيانه.
لكن القرآن لم يقل إن قومه كانوا أبرياء من كل مسؤولية.
قال:
﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾
الحاكم الظالم المستبد مسؤول.
ولكن المجتمع الذي يتبعه اتباعاً أعمى، ويهتف له، ويمجده، ويمنحه القوة، ثم يسير معه إلى الهاوية…
ليس بلا مسؤولية.
فرعون لا يغرق وحده.
بل يغرق معه الذين اختاروا أن يسيروا خلفه!!
🛑 فأين المخرج؟!
لن تأتي معجزة لإنقاذ السودان.
ولن تشفق علينا الدول التي وجدت في مأساتنا مصالحها.
ولن تعيد لنا البندقية وطناً مزقته البندقية.
الحل في الوقف الفوري لهذه الحرب.
ثم إطلاق مشروع وطني استراتيجي ضخم لإعادة بناء الدولة.
مشروع يقوم على:
دولة مدنية ديمقراطية.
جيش وطني مهني واحد.
قضاء مستقل.
مؤسسات دولة قوية.
قانون فوق الجميع.
تداول سلمي للسلطة.
انتخابات حرة.
اقتصاد منتج.
وعدالة لا تستثني أحداً.
ومحاسبة كل من تسبب في هذه الكارثة أو شارك فيها أو ارتكب الجرائم والانتهاكات، أياً كان موقعه أو رتبته أو انتماؤه.
لا حصانة لجنرال.
ولا حصانة لقائد مليشيا.
ولا حصانة لسياسي.
ولا حصانة لجماعة.
ولا حصانة لمن أشعل الحرب أو ساهم في استمرارها.
🛑 وأقولها الآن كلاماً صاااادماً!!
الشعب السوداني يعيش اليوم بلا أمل ‼️
نعم…
بلا أمل!!
ليس لأن السودان بلا موارد.
وليس لأن السودانيين عاجزون.
ولكن لأننا نريد مستقبلاً مختلفاً، ونحن ما زلنا نستخدم الأدوات نفسها التي صنعت مأساتنا!!
نريد الديمقراطية ونصفق للانقلابيين.
نريد السلام ونمجد البندقية.
نريد العدالة ونبحث عن الأعذار لمن نؤيدهم.
نريد دولة المؤسسات وننتظر انتصار الجنرال الذي نراه أقرب إلينا.
نريد وطناً موحداً، ثم نقبل بمنطق القوة الذي يمزقه!!
الأمل لا يأتي بالتمني.
ولا بالهتافات.
ولا بأغاني القونات.
ولا بالشعارات.
الأمل يأتي مع العمل.
يأتي بمشروع وطني ضخم.
ويأتي بشعب يمتلك الحد الأدنى من الوعي.
والحد الأدنى من الوطنية.
والقدرة على أن يضع السودان فوق الجنرال، وفوق الحزب، وفوق الجماعة، وفوق القبيلة.
نظرة سريعة إلى العالم من حولنا تكشف لنا أن الدولة الناجحة ليست بالضرورة الدولة الأكثر ثروة.
لكنها الدولة التي عرفت كيف تجعل السلطة قابلة للتداول، والحاكم قابلاً للمحاسبة، والقضاء مستقلاً، والقانون فوق الجميع.
أما انقلاب العسكر واستبداد جماعة أو حزب أو طائفة بالحكم، فهو معول هدم لأي دولة مهما كانت غنية أو قوية.
فما بالك بالسودان؟!
لا نهضة لدولة تمجد حمل البندقية لحل الخلافات حول السلطة والحكم وإدارة الدولة.
ولا رفاه لشعب يحكمه نظام عسكري أو ديكتاتوري أو طائفي.
ولا مستقبل لدولة يخرج منها المتعلمون وأصحاب الكفاءات، ويبقى فيها من لا يستطيعون الخروج.
السودان لا يحتاج إلى معجزة.
السودان يحتاج إلى وعي.
وإلى عمل.
وإلى مشروع وطني.
وإلى شعب يقول للعسكر، وللمليشيات، وللأحزاب والجماعات التي تتخذ من الدين أو القبيلة أو السلاح طريقاً إلى السلطة:
كفى!!
لقد جربناكم.
فماذا كانت النتيجة؟!
السودان لم يعد صالحاً للعيش بهذه الطريقة.
وإذا لم نتوقف الآن…
فقد يأتي يوم لا يكون السؤال فيه:
كيف نعيد بناء السودان؟!
بل:
هل بقي السودان أصلاً حتى نعيد بناءه؟!
الأمل يأتي مع العمل.
ولا نهضة للسودان إلا بدولة مدنية ديمقراطية، وعدالة لا تستثني أحداً، وسلطة لا تُنتزع بالبندقية ولا تُحمى بالبندقية.
✍️ محمد الفاتح حضرة

زر الذهاب إلى الأعلى