إلى لجنة أديب.. قبيل الولوغ ما جرى لأهل السودان، بقليل من التفكير الجاد، لا يمكن أن تعالجه دعوة إلى حوار أعرج، مجهول الأهداف، مجهول المنشأ

إلى لجنة أديب.. قبيل الولوغ
ما جرى لأهل السودان، بقليل من التفكير الجاد، لا يمكن أن تعالجه دعوة إلى حوار أعرج، مجهول الأهداف، مجهول المنشأ، ولا يحمل حتى «كتالوج استخدام» يوضح إلى أين يمضي، ومن يملك مفاتيحه، وما الذي يُراد الوصول إليه.
ما جرى ليس خلافاً عابراً بين قوى سياسية يمكن تسويته بجلسة تفاوض، ولا سوء تفاهم يحتاج إلى وسطاء يجمعون الأطراف حول طاولة. ما جرى أهوال اقتلاع من الجذور: مدن دُمّرت، وأسر شُرّدت، وقرى مُحيت، وملايين اقتُلعوا من حياتهم، ونسيج اجتماعي تمزق تحت وطأة حرب لن تنتهي آثارها بانتهاء إطلاق النار، ناهيك عن حوار تحت النار.. من يظن أن السودان يستطيع ببساطة أن يطوي هذه الصفحة بحوار بروتوكولي، فهو واهم.
هذه الكارثة لا تنفع معها حوارات الطبطبة والدسديس، ولا جلسات العلاقات العامة، ولا محاولات صناعة توافق فوق ركام المأساة. الجرح أعمق من أن يُغطّى بضمادة سياسية، وأخطر من أن يُدار بمنطق «فلنجلس ونتحدث» قبل أن نعرف: من قتل؟ من دمّر؟ من شرّد؟ من أشعل الحرب؟ ومن يملك اليوم القدرة على إيقافها؟
وليس لنا رأي في شخوصكم؛ فلكل واحد منكم قدره ومكانته، وهي محل تقدير واحترام. لكننا نناقش ما طرحتموه أنتم بأنفسكم في مؤتمركم الصحفي، وما خرج من حديثكم. وبصراحة، فإن ما قُدّم حتى الآن لا يتجاوز محاولة فطيرة لخياطة جرح غائر قبل تنظيفه، وكأن المطلوب أن يبدو الجسد متماسكاً بينما القيح ما زال في داخله ينخر حتى العظم.
السودان لا يحتاج إلى حوار من أجل الحوار، ولا إلى لجنة تضيف اسماً جديداً إلى قوائم اللجان التي سبقتها. يحتاج إلى مسار واضح، معلوم الغاية، محدد الأطراف، شفاف المرجعية، يبدأ من حقيقة ما حدث لا من الرغبة في تجاوزها.
قبل أن ندخل في الحوار، علينا أن نعرف: حوار حول ماذا؟ ولمن؟ وبأي أجندة؟ وإلى أي نهاية؟
فالسودانيون الذين دفعوا ثمن هذه الحرب لا يملكون ترف الدخول في متاهة جديدة؛ ولا يحتملون أن يتحول وجعهم إلى مادة لجلسات أنيقة، ثم ينتهي كل شيء إلى بيان آخر يُضاف إلى أرشيف البيانات.



