✍️المستشار/مهيد شبارقة
في ظل الحرب العبثية الطاحنة والتي مزقت أوصال السودان وقضت على كل ما تبقى من مؤسسات الدولة أقدمت وزارة المالية التابعة للحكومة المؤقتة في بورتسودان على خطوة جديدة أثارت استهجان الشارع السوداني والاقتصاديين على حد سواء وتمثلت في رفع سعر الدولار الجمركي مجددا رغم التدهور المعيشي المريع والكارثة الإنسانية الممتدة منذ 15 أبريل 2023.
#اولا: قرارات عبثية فوق جراح المواطن
فالقرار الجائر يأتي في وقت يعيش فيه أكثر من 10 ملايين نازح ومهجر داخليًا في ظروف قاسية بحسب تقرير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)ويقدر برنامج الغذاء العالمي (WFP) أن قرابة 18 مليون شخص في السودان مهددون بانعدام الأمن الغذائي إضافة للمجاعة المنتشرة
وفي هذا السياق بدت خطوة وزارة المالية أشبه (برفع سكين على رقاب المنهكين) فبدلًا من استحداث وسائل تمويل عادلة ومتوازنة اختار الوزير أسهل طريق الاوهو (الضغط على الفقراء من خلال الجمارك)
#ثانيا: التحليل الاقتصادي قرار غير رشيد:
فدكتور عصام الدين أبو القاسم أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم، يقول:
(رفع الدولار الجمركي في اقتصاد غير منتج وفي ظل غياب مؤسسات رقابة وجمارك حقيقية لا يعد إصلاحا بل جباية محضة المواطن هنا لا يستهلك سلعا كمالية بل غذاء ودواء وبالتالي ستنعكس الزيادة مباشرة على الأسعار الأساسية))
اما الخبير الاقتصادي /محمد الأمين التوم فيرى أن القرار يكشف تخبطا في أولويات الدولة:
((كان أولى بالدولة البحث عن موارد من الذهب المُهرب من قبل بدأ الحرب أو من شركات الاتصالات والبنوك التي لم تتوقف عن تحقيق أرباح وليس الضغط على المواطن الذي لا يعرف من أين يأكل)
ارقام صادمة من تقارير دولية:
فر من 70% من الشعب السوداني يعيشون تحت خط الفقر وفق تقرير البنك الدولي الصادر في مارس 2025 ومعدل التضخم تجاوز 280% في بعض المناطق حسب بيان حديث لصندوق النقد الدولي حيث ان90% من التجارة السودانية باتت تخضع لسيطرة كيانات غير حكومية أو ميليشياوية بحسب تحليل أعده معهد دراسات السلام التابع لجامعة أوسلو وهذه المعطيات تؤكد أن البيئة الاقتصادية الراهنة لا تحتمل مزيدا من الرسوم أو الضرائب بل تحتاج إلى دعم نقدي مباشر وتقوية شبكة الأمان الاجتماعي.
ثالثا: من المسؤول عن هذا النهج..؟
فالعديد من النشطاء يتهمون وزير المالية الحالي المقرب من دوائر النظام البائد بأنه يسير على خطى /اقتصاد التمكين الذي أنشأته الجبهة الإسلامية منذ التسعينات حيث تتحول الدولة إلى أداة للجباية لا الخدمة وتستخدم الأدوات الاقتصادية كوسيلة لسحق الطبقة الوسطى وفي هذا السياق يقول الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور خالد عبد السلام:
(كل قرارات وزير المالية الأخيرة تشير إلى أنه يعتبر جيب المواطن هو الخزانة الوحيدة المتاحة متجاهلا قطاع التعدين غير الرسمي الذي يُهرب منه أكثر من 80% من الذهب السوداني عبر طرق لا تخضع للرقابة الجمركية أو المصرفية))
#ثالثا: أثر القرار على الفئات الأكثر هشاشة:
أصحاب الدخل المحدود والنازحون هم الأكثر تضررا إذ إنهم يعتمدون بشكل شبه كلي على المساعدات الغذائية أو تحويلات المغتربين لكن مع ارتفاع تكلفة الشحن والاستيراد بسبب الجمارك الجديدة ستتراجع هذه المساعدات أيضا.
وفي استطلاع ميداني أجراه مركز “دراسات النزاع والهجرة في يونيو 2025، أقرّ أكثر من (62%) من المستطلعين أنهم تخلوا عن بعض الوجبات اليومية بسبب غلاء الأسعار بعد زيادة الدولار الجمركي.
تقول /صفية ابراهيم وهي أم لخمسة أطفال تقيم في مركز إيواء بسنار:
((أقسم بالله قبل أسبوع كان كيلو العدس بـ 2,500، الآن 3,700. نعم إنهم يحاربوننا في بطون أطفالنا))
#رابعا: الحلول البديلة التي تغيبها الحكومة:
لم تكن زيادة الدولار الجمركي الخيار الوحيد فهناك العديد من الحلول التي تجاهلتها الحكومة منها:
١/تفعيل الرقابة على صادرات الذهب والمعادن النفيسة التي تهرب يوميا عبر دروب دارفور وكردفان.
٢/إعادة هيكلة الدعم المالي ليصل للفئات المستحقة بدلًا من تشوهات الدعم العشوائي السابق.
٣/تقنين دخول المنظمات الدولية وإشراكها في دعم الموازنة التشغيلية للخدمات الأساسية.
٤/فرض ضرائب على الممتلكات الكبيرة والمعاملات العقارية الفارهة في مناطق سيطرة الدولة.
ويختم الخبير الاقتصادي /أحمد كمال حديثه بالقول:
((أي سياسة مالية لا تراعي العدالة الاجتماعية هي وصفة لانهيار الدولة ليس اقتصاديا فقط بل أخلاقيًا أيضا))
#خاتمة: المواطن ليس مجرد كيس رمل لتجارب الجباية فسياسات الجباية العشوائية خصوصا في زمن الحرب تؤدي لمزيد من الانقسام والكراهية بين المواطن والدولة. فالمواطن السوداني اليوم منهك مكلوم مطحون. وزيادة الدولار الجمركي دون شفافية وعدالة ليست سوى رصاصة جديدة في جسد الوطن المتهالك وما يحتاجه السودان حاليا ليس وزير مالية بارعا في فرض الرسوم بل قيادة تمتلك إرادة سياسية لاستعادة الموارد المنهوبة وتنظيم الاقتصاد وإنقاذ الفقراء من مصير التجويع الجماعي.



