الأعمدة

الحوار السوداني «بمن حضر»، خيارٌ كارثــ ـي وابتذال للفكرة

د. الشفيع خضر سعيد
لازلنا نناقش دعوات الحوارٍ الوطني في السودان عبر سلسلة مقالات من ثلاثة أجزاء. في الجزء الأوّلُ ناقشنا مفهوم وفكرةِ الحوارِ وشروطِ قيامه وعناصرِ نجاحه. والجزء الثاني سيناقش إمكانية انعقاد الحوار في ظل استمرار القتــ ـال والمعارك، وابتدرناه بمقالنا السابق ونواصل فيه اليوم. أما الجزء الثالث، فسيتناول رؤيتنا ومساهمتنا الخاصة حول القضايا الرئيسية التي ينبغي أن تكونَ مَحورَ التدارس على طاولة الحوار، بحثاً عن مَخارجَ لأزمةٍ مُتراكِمة، ومنعا لتجددها.
إن الدعوات لانعقاد الحوارِ السودانيِّ بمنطق «من حضر»، هو خيارٌ كارثـ ــي وابتزال لفكرة الحوار نفسها، بل ويغرقها في مستنقع مَأزق أخلاقيُ وسياسي عميق، وينسف معناها تماما. فوفق هذا المنطق المعوج سيكون الحوار مجرد مناجاة ذاتية يتلبسها وهم شرعنة الواقع، بينما فعليا يُعمِّقُ جـ راحات الوطن ويُكرِّسُ انقساماته وتفتته. والأخطرُ من ذلك، أن الخطرَ الجوهريَّ لا يكمنُ فقط في غيابِ هذا الطرف أو ذاك عن طاولةِ الحوار، بل في تحوَّلُ الحوار نفسه إلى آلةٍ لتصنيعِ الذرائع لاستمرار الحـ رب، لا لطلبِ السلام. إن الحوار الحقيقي والجاد، أي الذي يمكن أن يفضي إلى سلام واستقرار البلد، كما ناقشنا في سابق المقالات، أساسه الاعترافِ بالآخرِ قبل اللقاءَ به، ولا يُشترَطُ فيه جمَعَ الأطراف في غرفةٍ واحدةٍ في البداية، ولكنَّ يُشترَطُ فيه، مع إقراره واعترافه بالأطرافِ كافَّةً، أن يُعلَنَ منذُ البدايةِ أنَّه حوارٌ لكلِّ السودانيينَ، في كلِّ مكانٍ تواجَدوا فيه، وأنَّ الانعقادَ الجغرافيَّ لا يُلغِي الحضورَ السياسيَّ، وأن يُتيحَ مساراتٍ للوصولِ إليهم، ولو عبرَ وسطاءَ، أو لقاءاتٍ غيرِ مباشرة، أو حواراتٍ موازيةٍ في دولٍ مجاورةٍ أو محايدة، وذلك حتى تتهيَّأَ ظروفٌ أكثرَ إنصافاً تُمهِّدُ لإلتئام حوارٍ شاملٍ داخل السودان. أما الحوار وفق منطق «من حضر» فهو نفيٌ للآخرِ قبلَ أن يُولَدَ الحوارُ نفسه، وهو عينُ ما يُغذِّي الحـ روبَ ولا يُنهيها.
السودان اليوم على مفترق طرق مصيري: إما حوار حقيقي وجاد، بضمانات ذكية وإرادة داخلية وخارجية، وإما انزلاق نحو تفاقم الكارثة وتشظٍ لا يحمد عقباه. والمنطق البسيط يقول: «من يريد إصلاح العقدة يجب أن يُرخيها أولاً»، لذلك يجب إرخاء عقدة الحـ رب أولا بوقف إطلاق النار وهدنة طويلة، ثم البدء في فك تشابكات السياسة. وإلا فإن حوارًا سطحيًا اليوم، يشبه حوار «الوثبة» أمس، سيكون مجرد وقود إضافي لنار الغد. وفي المقالات السابقة، ناقشنا بالتفصيل مقومات وشروط إنعقاد هذا الحوار الناجح، سواء تلك المتعلقة بأهدافه أو أجندته أو المشاركين فيه أو متطلبات تهيئة المناخ لانعقاده.
أما ضربة البداية لإنطلاق الحوار الجاد، فهي التوافق على «إعلان مبادئ» متوافق عليه من جميع الأطراف، ليمثل جسراً يربط بين ثلاثة مسارات: وقف القتـ ــال، ومسار حماية المدنيين وتوفير الدعم الإنساني لهم، ثم تأسيس عملية سياسية شاملة تهندسها وتقودها القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، تفضي إلى حكم مدني ديمقراطي مستدام. و»إعلان المبادئ» هو بمثابة الدستور المؤقت للحوار، والإطار الذي يحدد على أي أساس يتم التفاوض، وما هي المبادئ العامة والمرجعيات التي ستلتزم بها كل الأطراف خلال جلساته. كما أنه بمثابة البوصلة عند التعثر والتوهان في التفاصيل، ويعطي المفاوضات غطاءها السياسي والأخلاقي، ويوفر للمجتمع الدولي والمجتمع الإقليمي أساساً لدعــ ـم العملية السياسية. أما قوته، فتعتمد على ثلاثة أعمدة: مضمون نص الإعلان، وإرادة الأطراف في الالتزام به، والوضع القانوني الذي أعطي له عند التوقيع عليه.
وعند صياغة «إعلان المبادئ»، أعتقد بضرورة الاستفادة من التجارب السابقة الشبيهة، وتحديدا تجربة توسط مجموعة دول الإيقاد في الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل د. جون قرنق، والتي أفضت إلى توقف القتال والتوقيع على اتفاق السلام الشامل في العام 2005، مستندة إلى إعلان المبادئ الصادر عن المجموعة في 20 مايو/أيار 1994، والذي كان بمثابة الرؤية التي على أساسها إنطلق التفاوض بين الطرفين. وفي الحقيقة، ما كان من الممكن أن تنجح مبادرة الإيقاد في إيقاف الحـ رب إلا بعد أن انتظمت المفاوضات على أساس هذا الإعلان. صحيح أن الإعلان صاغته دول الإيقاد وقدمته جاهزا إلى الطرفين ليوقعا عليها، لكن لابد من التشديد على أنه لم يكن من وحي بنات أفكار علماء السياسة الدوليين والإقليميين، بقدر ما كان إعادة صياغة وترتيب للأطروحات المتناثرة في أدبيات الحركة السياسية السودانية، وخاصة الحركة الشعبية لتحرير السودان. واليوم، نحتاج إلى إعلان مبادئ يوجه ويحكم العملية التفاوضية لوقف الحـ.رب ووضع أسس عدم تجددها أو إعادة إنتاج الأزمة أو العودة لذات أوضاع ما قبل الحـ رب. ودائما تظل قناعتي الراسخة أن القوى المدنية والسياسية السودانية هي وحدها المؤهلة لاجتراح هذا الإعلان، ولعل من ضمن بنوده:
الوقف الفوري للأعمال العدائية، وخروج القـ وات من المرافق الحيوية والأعيان المدنية، وتوفير حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية لهم.
وحدة السودان الطوعية، مع الاعتراف بالتنوع واللامركزية الموسعة، وإصلاح مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لتكون مهنية ومحايدة وخاضعة للقانون، وحل الميليشـ ـيات والتمسك بالجيـ ش الواحد المهني بعقيدة وطنية، ويخضع للسلطة المدنية.
رفض الإفلات من العقاب، وإنشاء آلية وطنية للعدالة الانتقالية.
أولوية إعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
إطـــ ـلاق حوار وطني وعملية سياسية شاملة بتنظيم سوداني وقيادة سودانية، لا تستثني أي مكون سياسي أو اجتماعي، تخاطب أسباب الحـ رب وجذور الأزمة السودانية المزمنة، وتفضي إلى عملية دستورية تحدد شكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم.
الالتزام بوقف أي دعــ ــم عسكري أو مالي أو لوجستي خارجي للحـ رب.
التأكيد على أن السلام ليس مجرد صفقة بين النخب، بل ملك للشعب السوداني بأسره.
اعتماد آليات للتنفيذ والمتابعة والرقابة.
الالتزام بالحوار والتفاوض وعدم اللجوء إلى العنــ ــف عند الاختلاف.

زر الذهاب إلى الأعلى