عوضية سمك.. حين بدأت الحكاية بكوب شاي وانتهت باسمٍ يعرفه العالم
من ريفي سلارا بجنوب كردفان إلى الموردة بأم درمان.. امرأة صنعت من الإعاقة قوة، ومن الفقر طريقاً للنجاح، ومن النجاح جسراً للخير

بقلم /الاستاذ يوسف جلدكون
ليست كل الحكايات تُكتب بالحبر؛ بعضها يُكتب بالعرق، وبعضها بالدموع، وبعضها بالصبر الطويل الذي لا يراه أحد.
وحكاية عوضية سمك واحدة من تلك الحكايات السودانية التي بدأت صغيرة جداً، لكنها كبرت حتى تجاوز صداها حدود المكان.
من جنوب كردفان، ريفي سلارا، مناطق النيمانج (أما)، جاءت امرأة تحمل في داخلها إرادة أكبر من قسوة الظروف. لم تحمل معها رأس مال كبيراً، ولم تجد أمامها طريقاً مفروشاً بالفرص، لكنها حملت ما هو أهم: الإصرار على أن تصنع لنفسها مكاناً في الحياة.
وهكذا بدأت الرحلة.
ليس من مطعم.
ولا من متجر.
ولا من مشروع كبير.
بل من كوب شاي.
كوب الشاي الأول.. بداية الحكاية
في أم درمان، وتحديداً في منطقة الموردة، بدأت عوضية مشوارها كبائعة شاي، تبيع الشاي والزلابية لتكسب رزقها وتواجه متطلبات الحياة.
كانت البداية متواضعة، لكن صاحبة البداية لم تكن متواضعة الطموح.
كانت تعرف أن لقمة العيش لا تأتي دائماً بسهولة، وأن الإنسان قد يضطر إلى أن يبدأ من أبسط نقطة، ثم يبني نفسه حجراً فوق حجر.
وبين الشاي والزلابية، بدأت قصة أخرى تتشكل.
قصة السمك.
عندما تحول النيل إلى فرصة
الموردة، النيل، الصيادون، والأسماك؛ كلها كانت حاضرة حول عوضية.
بدأت في إعداد السمك، ثم تقديمه للناس، وسرعان ما اكتشف الزبائن أن وراء ذلك المحل الصغير امرأة تعرف كيف تجعل من وجبة السمك تجربة مختلفة.
بدأ عدد الزبائن يزداد.
ثم بدأ الاسم ينتشر.
عوضية سمك.
اسم بسيط، لكنه سرعان ما أصبح علامة يعرفها الناس.
ومن محل صغير، بدأت رحلة بناء واحدة من أشهر تجارب مطاعم الأسماك السودانية.
لم تكن الشهرة هي التي صنعت عوضية، بل كانت عوضية هي التي صنعت الشهرة لنفسها.
امرأة تحدت الإعاقة قبل أن تتحدى الفقر
وراء الاسم التجاري قصة إنسانية أعمق.
عوضية واحدة من الأشخاص ذوي الإعاقة، وقد عاشت بنفسها تجربة التحدي والمجتمع والظروف الصعبة.
لكنها لم تسمح للإعاقة بأن تتحول إلى قيد.
لم تجلس تنتظر الشفقة.
اختارت العمل.
واختارت أن تكون منتجة.
واختارت أن تثبت أن الإعاقة قد تجعل الطريق أكثر صعوبة، لكنها لا تمنع الإنسان من الوصول.
والأهم أنها لم تكتفِ بإثبات ذلك لنفسها.
أرادت أن تفتح الطريق لغيرها.
من تجربتها الشخصية.. إلى رسالة للنساء وذوي الإعاقة
لأنها عرفت معنى الحاجة، عرفت أيضاً معنى الفرصة.
ولأنها عرفت معنى أن يعيش الإنسان مع الإعاقة، أصبحت أكثر قرباً من قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة.
اهتمت بالنساء، وسعت إلى تدريبهن وتمكينهن، وكان من بين أعمالها مشغل لتدريب النساء وذوي الإعاقة، ليجدوا طريقاً إلى العمل والإنتاج والاعتماد على النفس.
كانت الرسالة واضحة:
لا نريد شفقة.. نريد فرصة.
وهذه ربما كانت واحدة من أهم الرسائل التي خرجت بها تجربتها.
عوضية.. حين يصبح النجاح مسؤولية
هناك من يرى النجاح نهاية الرحلة.
أما عوضية، فيبدو أن النجاح عندها كان بداية رحلة أخرى.
كلما اتسعت قدرتها، اتسعت معها دائرة عطائها.
أصبحت حاضرة في أعمال الخير ومساعدة المحتاجين، وقدمت الدعم للأسر الفقيرة، وشاركت في توفير الطعام والمساعدات، وارتبط اسمها بمبادرات عبر التكايا والسلال الغذائية وتقديم الوجبات للمحتاجين.
لم تنسَ الأيام التي كانت تبحث فيها عن قوت يومها.
ولذلك عندما أصبح لديها ما تعطيه، أعطت.
فمن يعرف طعم الحاجة، يعرف قيمة الرغيف.
من امرأة بسيطة إلى شخصية تلفت أنظار العالم
شيئاً فشيئاً، تجاوز اسم عوضية حدود الموردة.
لم تعد الحكاية عن مطعم سمك فقط.
أصبحت الحكاية عن امرأة بدأت من الصفر، وتحدت الفقر والإعاقة، وبنت مشروعاً، وخلقت فرصاً للآخرين، وحولت تجربتها الشخصية إلى عمل اجتماعي وإنساني.
فتناولت وسائل الإعلام قصتها، وأصبحت نموذجاً للمرأة السودانية المكافحة التي استطاعت أن تصنع اسمها بجهدها.
لقد جذبت عوضية أنظار العالم إليها، ليس لأنها صاحبة مطعم فحسب، وإنما لأن وراء المطعم إنسانة تحمل قصة تستحق أن تُروى.
وسام على صدر امرأة من الهامش
وفي محطة أخرى من محطات هذه الرحلة، جاء التكريم الرسمي.
تشرفت عوضية بالحصول على وسام الامتياز من الطبقة الأولى في عهد الرئيس السوداني الأسبق المشير عمر حسن أحمد البشير، تقديراً لمسيرتها وإسهاماتها.
كان الوسام لحظة تختصر سنوات طويلة من العمل والكفاح.
لكن قيمة الوسام لم تكن في المعدن الذي يلمع على الصدر، وإنما في الحكاية التي أوصلت امرأة بدأت ببيع الشاي إلى منصة التكريم.
جنوب كردفان التي خرجت منها عوضية
وربما يظل أجمل ما في الحكاية أن هذه المرأة التي أصبحت معروفة باسم «عوضية سمك» تحمل في جذورها حكاية مكان.
جنوب كردفان.
ريفي سلارا.
مناطق النيمانج (أما).
من هناك جاءت البدايات الأولى للحكاية، قبل أن تأخذها الحياة إلى أم درمان، حيث بدأت رحلة أخرى كتبت فصولها بنفسها.
ولهذا فإن قصة عوضية ليست قصة نجاح فردية فحسب؛ إنها أيضاً قصة إنسان خرج من بيئة بسيطة، وحمل اسمه وأصالته وتجربته إلى فضاء أوسع.
ليست قصة سمك.. إنها قصة إنسان
قد يظن البعض أن «عوضية سمك» مجرد اسم لمطعم.
لكن من يعرف القصة يعرف أن الاسم يخفي وراءه رحلة طويلة.
بائعة شاي.. ثم طاهية سمك.. ثم صاحبة مشروع.. ثم امرأة معروفة.. ثم صاحبة مبادرات خيرية وإنسانية.
رحلة بدأت بالحاجة، لكنها لم تنتهِ عند المال.
بدأت بالكفاح، ووصلت إلى النجاح.
وبدلاً من أن يكون النجاح محطة للراحة، أصبح عندها وسيلة لمساعدة الآخرين.
وهنا تكمن عظمة الحكاية.
عوضية سمك.. المرأة التي لم تنتظر أن تتغير الحياة
لم تنتظر عوضية أن تصبح الظروف مثالية حتى تبدأ.
بدأت بما تملك.
بكوب شاي.
وبإرادة.
وبيدين تعملان.
ثم عندما جاء النجاح، لم تقل: «لقد وصلت».
بل فتحت الباب لغيرها.
وهذه هي الرسالة التي تجعل قصتها أكبر من مطعم، وأكبر من تجارة، وأكبر من شهرة.
عوضية سمك..
امرأة من جنوب كردفان، بدأت من ريفي سلارا ومناطق النيمانج (أما)، حملتها الحياة إلى الموردة، فبدأت بكوب شاي، ثم صنعت من السمك اسماً، ومن الاسم قصة، ومن القصة مصدر إلهام.
واجهت الإعاقة فلم تنكسر.
واجهت الفقر فلم تستسلم.
دخلت عالم التجارة فلم تنسَ الإنسان.
وحين امتلكت القدرة على العطاء، اختارت أن تعطي.
ولذلك فإن إرث عوضية الحقيقي ليس مطعماً، ولا وساماً، ولا اسماً تجارياً.
إرثها الحقيقي هو أن امرأة بدأت من الهامش استطاعت أن تقول لكل من يقف في بداية الطريق:
«ابدأ بما تملك.. ولا تجعل صعوبة البداية تمنعك من الوصول.»



