الأعمدة

سناء حمد : القادم أسوأ والأمر جلل :

قراءة تحليلية في مقال القيادية بتنظيم الحركة الإسلامية وما يحمله من رسائل مبطنة

أسامة كنينة
—-
“رفع الرؤوس”..
حين دعت القيادية سناء حمد من يديرون شؤون السودان إلى أن «يرفعوا رؤوسهم قليلاً» وينظروا إلى اتجاهات العالم، مؤكدة أن «الأمر جلل، وأكبر من كل الكراسي والمكاسب وحظوظ النفوس» ؛ كانت تطلق صرخة تحذيرية تجاوزت بها القراءات المحلية السطحية التي حصرت الحرب في نطاق المكايدات السياسية المباشرة. إن فك الشفرة الفلسفية لهذا الطرح يعيد تمحور الأزمة السودانية برمتها؛ فالخطاب لا يناقش إدارة أزمة داخلية، بل يمثل قراءة رادارية لزلزال جيوسياسي عالمي يعاد فيه تشكيل موازين القوى (السلطة والثروة) . وفي عالم السياسة القائم على لعبة المتغيرات، فقد يكون هذا الخطاب في بريده السري بمثابة صيحة فزع استباقية موجهة للنخب القديمة والمجتمع الدولي معاً لتقول لهم: “إن المنظومة التقليدية التي تحمي الامتيازات تتآكل أمام عاصفة كونية قادمة، فالحقوا أنفسكم” . هذه العاصفة هي التي يفكك هذا المقال أسرارها، رابطاً بين تحذيرات سناء حمد وبين الصراع العالمي على أصول البقاء.
1. الاستنزاف الصامت:
ما وراء تحذير سناء حمد من “اضطرابات المناخ”
في متن مقالها، ركزت سناء حمد على أن العالم يشهد «اضطرابات متزايدة في المناخ، وتناقصاً في الموارد» . هذا التحديد الدقيق هو المحرك الأساسي للأمر الجلل؛ فالتحولات المناخية لم تعد مجرد أزمة بيئية، بل تحولت إلى ثقب أسود صامت يستنزف تريليونات الدولارات من ميزانيات الشمال العالمي (أوروبا والغرب) ذي الجغرافيا الفقيرة أصلاً في مواردها الطبيعية. إن عاصفة بحرية واحدة أو قباباً حرارية وفيضانات تضرب شواطئ الشمال، كفيلة بإهلاك مليارات الدولارات من رأس المال المتراكم وإبادة ملايين الهكتارات الزراعية في نصف ساعة. هذا الاستنزاف المتصاعد والهلاك اللحظي لرأس المال الغربي أجبر الدول الكبرى على التفكير في الهروب العكسي برؤوس أموالها نحو الجنوب، وتحديداً نحو مناطق حزام السافانا الغنية ومصادر الإنتاج الطبيعي والمواد الخام، بحثاً عن بدائل استثمارية وملاذات آمنة تعوضه عن الإنهاك البيئي الوجودي في موطنه الأصلي.
2. ممرات التجارة المشتعلة: التفسير الجيوسياسي لـ “ارتفاع احتمالات الصراع”
تشير سناء حمد في تشخيصها إلى «تزايد التنافس على الموارد، وارتفاع احتمالات الصراع وعدم الاستقرار» . وبقراءة بسيطة لخريطة الصراعات العالمية في العقد الأخير، نجد أن هذه النبوءة تتحقق حرفياً؛ إذ تتركز الحروب والتوترات الراهنة بالكامل حول ممرات حركة التجارة ونقل الخام (البحر الأحمر، مضيق هرمز، والبحر المتوسط) وحول مناطق الإنتاج الطبيعي الكثيفة. إن القوى العظمى المستنزفة مناخياً واقتصادياً باتت تعيش صراع بقاء واستماتة لتأمين هذه الشرايين الحيوية، مما يفسر التنافس الشرس بالوكالة وعقد تحالفات جديدة مبنية على الاضطرار الاقتصادي والمصالح المشتركة، وهو الواقع الذي تراه سناء حمد «يتشكل أمامنا» ويعيد رسم موازين القوى على حساب الحسابات السياسية والمكاسب الآنية الضيقة
3. الخداع التاريخي:
كيف فرض الوكلاء “الاقتصاد الريعي”؟
تحت وطأة هذا الاحتياج العالمي الوجودي للموارد، تؤكد سناء حمد أن هذه التحولات قادرة على «إعادة تشكيل التركيبة السكانية والاقتصادية والسياسية لمناطق بأكملها» . وهنا يكمن سر اللعبة التاريخية التي أدارتها النخب القديمة؛ فبعد أن أصبحت كلفة “الاستعمار” العسكري المباشر باهظة، تم التلاعب بالوعي والمصطلحات عبر جراحة لغوية خبيثة استبدلت حرف (العين) بحرف (الثاء) ليتحول مصطلح الإستعمار إلى الإستثمار. وتحت هذه الستارة البراقة، فرضت السياسات العالمية على السودان وإفريقيا منهج “الاقتصاد الريعي”. فصار الوكلاء – الذين يرتدون ثياب الشعب – يصدرون “الجمل بما حمل” من خام الذهب والمعادن والصمغ العربي بأبخس الأسعار، ويتركون الفائض ذو القيمة المتدنية للشعوب، لتكتمل الدورة وتصبح نتيجة الاستثمار “الاستحمار” والتجهيل المتعمد للمجتمعات عبر خطابات عاطفية (دينية وقبلية) وتدجين برامج التعليم لتخدم طموح المستعمر لا الاقتصاد الواقعي الذي يلبي حاجة الشعوب.
4. الصحوة السيادية:
النخب الأفريقية الجديدة وقواعد “عالم يتشكل”
ترى سناء حمد أن العالم يتغير ومعه تتغير «قواعد الأمن والاقتصاد والهجرة وإدارة الموارد»، وأن قادة دول مختلفة يعملون على استباق الأحداث لحماية شعوبهم . ورغم أن الخطاب قد ينبثق من رغبة في إنقاذ مصالح المنظومة الإرثية، إلا أن الواقع على الأرض تجاوز حساباتهم؛ فالصحوة السيادية الجديدة في إفريقيا بدأت تقرأ المشهد بوعي مغاير. إن هؤلاء القادة الجدد لم يعودوا ينظرون إلى الغرب كمصدر منح، بل كقوى مأزومة تبحث عن طوق نجاة. إن النهوض الإفريقي الحالي قام على حقيقة أن النخب الجديدة فهمت اللعبة وامتلكت مفاتيحها ووثائقها السرية، وفتحت “الصناديق السوداء” للوكلاء القدامى. هذا الوعي الهيكلي جعل الجنوب العالمي يساوم الغرب بـ “يد عليا”، مستنداً إلى صحوة الاتحاد الإفريقي وتبنيه لـ “الكتاب الأسود” لتصحيح أخطاء 500 عام من التاريخ، وفرض شروط جديدة تقوم على توطين الصناعات التحويلية ورفض تصدير المادة الخام، وتطبيق أبجديات الاقتصاد الواقعي … الاكتفاء الذاتي أولاً ثم تصدير الفائض.
5. الفوضى المنطقية ومفارقة “جنة الله في الأرض”
تختم سناء حمد رسالتها بربط مستقبل السودان بصورة مباشرة بملفات «الأمن الغذائي والمياه والموارد وإعادة الإعمار»، مشددة على أن الحل يحتاج رؤية بعيدة المدى تتجاوز الصراع السياسي الحالي . وهنا تظهر المفارقة الكبرى؛ فالسودان يمثل “جنة الله في الأرض” بأطنان الذهب واليورانيوم، وأخصب أراضي العالم الزراعية، والنيل العظيم ومخزونات المياه الجوفية الأكبر عالمياً، وحزام السافانا المحتكر للصمغ والسمسم. ومع ذلك، وبفعل معادلة الوكلاء الفاسدة، يظل شعبه من أفقر وأجوع شعوب الأرض. إن الصراع الراهن وحالة الفوضى العارمة التي يمر بها السودان هي فترة منطقية وسُننية تعقب تفكك النظام القديم وتسبق الاستقرار؛ حيث تصارع النخب الجديدة أمنياً لتطهير البلاد من جيوب النخب الإرثية القديمة التي تعتقد واهمة أنها قادرة على العودة للكراسي، تمهيداً لبناء دولة الاستقلال الاقتصادي الحقيقي.
خاتمة: البعد النخبوي في الخطاب ومآلات الاستقرار
في المحصلة، تفتح القراءة الفاحصة لمنشور سناء حمد باباً للنظر في طبيعة البنية الأسلوبية للخطاب نفسه؛ فاللغة الأكاديمية والمصطلحات الإستراتيجية المكثفة التي صيغ بها المقال، تعكس ميلاً نحو الطرح النخبوي الذي يخاطب بالدرجة الأولى الدوائر الفكرية وغرف الدراسات الإستراتيجية، بدلاً من التوجه بلغة مبسطة ومباشرة تلامس الوعي الجمعي للشارع السوداني . هذا الأسلوب يضع مسافة بين الأفكار الكونية المطروحة وبين المتلقي البسيط الذي يواجه التحديات اليومية على الأرض، بينما كان من الممكن تقديم هذه الرؤية العميقة بقالب أكثر انسيابية يفهمه الداخل ويسهم في رفع مستوى الوعي العام بالقضايا المصيرية.
هذه النخبوية في الصياغة تعزز الفرضية التي انطلقت منها المقدمة؛ وهي أن الرسائل قد تكون موجهة بالأساس لمحاورة النخب وصناع القرار والمنظومة الدولية حول قواعد “العالم الذي يتشكل” . ومع ذلك، فإن التحولات التاريخية واصطدام الإرادات الاقتصادية والمناخية يثبتان أن الانتقال من “مرحلة الفوضى” إلى “الاستقرار الجديد” يتطلب في النهاية تلاحماً واقعياً مع تطلعات الشعوب. إن المبدأ السيادي القائم على أن ثروات الأرض هي حق أصيل لأهلها يظل هو البوصلة الحقيقية لاستقامة المعادلة الاقتصادية، بحيث تفرض القارة الإفريقية والسودان شروط الندّية وتوطين الصناعات في مواجهة عالم شمالي مستنزف يبحث عن طوق نجاة، ليكون خير البلاد مستقبلاً لأهلها أولاً وأخيراً.

زر الذهاب إلى الأعلى