الأعمدة

قراءة قانونية في سلطة البرهان، واستقلال النيابة، وبلاغات «تقويض النظام الدستوري»، ومفارقة إسقاط الاتهامات عندما تتحول الخصومة إلى حوار

مجاهد بشري
لم يعد السؤال الذي يثيره قرار عبد الفتاح البرهان رقم 363 لسنة 2026 مجرد سؤال عن مشروعية شطب بلاغات المعارضين السودانيين في الخارج مقابل عودتهم للمشاركة في الحوار. فبعد النظر إلى القرار في سياقه الكامل، يصبح السؤال أكبر وأخطر: بأي صفة سياسية ودستورية يصدر قائد انقلاب عسكري قراراً يترتب عليه شطب بلاغات جنائية قُيدت بواسطة أجهزة الدولة ضد خصوم سلطته، بينما تظل واقعة انقلاب 25 أكتوبر 2021 نفسها، التي قادها البرهان خارج المساءلة الجنائية المماثلة أمام النيابة التي تستخدم مواد «تقويض النظام الدستوري» ضد المعارضين؟ وإذا كانت النيابة مستقلة بالفعل، فلماذا تستطيع السلطة السياسية التأثير في مصير بلاغات المعارضين عندما تحتاج إليهم في حوار، بينما لا يظهر في السجل العلني تطبيق مماثل للقانون على الواقعة التي قُوِّض فيها النظام الدستوري نفسه؟
في الأول من سبتمبر 2026 أعلن وزير العدل بسلطة بورتسودان غير الشرعية عبد الله درف أن البرهان أصدر القرار رقم 363 لسنة 2026، متضمناً شطب البلاغات الجنائية المقيدة بواسطة أجهزة الدولة في مواجهة السودانيين المقيمين بالخارج الذين يدخلون البلاد للمشاركة في الحوار السوداني-السوداني، وتفيد التفاصيل المنشورة بأن الضمانات تتصل بالبلاغات المتعلقة بفعل أو قول عُدّ رأياً سياسياً، إلى جانب إسقاط الاتهامات ومنح المشاركين حصانة إجرائية مؤقتة وحماية الآراء التي يطرحونها أثناء الحوار من الملاحقة الجنائية، وهذا ليس استنتاجاً سياسياً بشأن مضمون القرار؛ وكالة السودان للأنباء نفسها نقلت عن وزير العدل أن البرهان أصدر القرار بشطب البلاغات الجنائية للمشاركين في الحوار، فيما أوردت مصادر أخرى تفاصيل إسقاط الاتهامات والحصانة المؤقتة.
وهنا تظهر المفارقة الأولى: لماذا يحتاج الرأي السياسي أصلاً إلى قرار من قائد السلطة الإنقلابية لكي يصبح غير قابل للملاحقة؟ مجموعة من القانونيين أثارت الاعتراض نفسه عقب صدور القرار، معتبرة أن التعبير عن الرأي السياسي وممارسة حرية التعبير لا يشكلان جريمة حتى يحتاج أصحابهما إلى حصانة، وأن شطب البلاغات إذا كانت قد قُيدت أصلاً بسبب مواقف سياسية لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة في استخدام الإجراءات الجنائية ضد ممارسة حق سياسي. كما شددت المجموعة على ضرورة احترام استقلال النيابة والقضاء والمساواة أمام القانون وعدم استخدام أي ترتيبات سياسية لتعطيل المساءلة عن الجرائم الجسيمة
بالأمس: «اتهامات جنائية وليست سياسية»
تزداد المفارقة وضوحاً عندما نعود إلى أبريل 2024. فقد أصدرت النيابة أوامر قبض بحق عبد الله حمدوك و15 من قيادات تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية «تقدم»، ومن بينهم خالد عمر يوسف ومحمد الفكي سليمان وياسر عرمان وآخرون، بعد توقيع إعلان سياسي مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، ولم تكن المواد المستخدمة بسيطة؛ فقد شملت، وفق المصادر المنشورة، المواد 26 و50 و51 من القانون الجنائي، وهي مواد تتعلق بالاشتراك الجنائي وتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، ويمكن أن تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام، وعندما قيل إن الملاحقات سياسية، دافع النائب العام عنها بصورة صريحة، قائلاً إن هذه «الاتهامات جنائية وليست سياسية»، وإنها تتعلق بالتحريض على التمرد والاستيلاء على السلطة بالقوة وتقويض النظام الدستوري والتعاون مع الدعم السريع.
هذه العبارة يجب أن تبقى في قلب أي تحليل قانوني للقرار الجديد: «جنائية وليست سياسية»، لأن السلطة تقول اليوم إن البلاغات المتعلقة بـ«فعل أو قول سياسي» يمكن شطبها عندما يدخل أصحابها السودان للمشاركة في الحوار، وهنا يصبح السؤال حتمياً: ما الذي تغير في طبيعة الفعل؟ فإذا كان توقيع إعلان سياسي أو الاتصال بطرف في الحرب يحقق بالفعل أركان تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، فإن قبول المتهم دعوة البرهان للحوار لا يغير الواقعة الجنائية ولا يمحو أركانها، أما إذا كانت تلك الأفعال في حقيقتها نشاطاً أو موقفاً سياسياً، فإن السؤال يصبح: لماذا استُخدمت في مواجهتها منذ البداية نصوص جنائية بهذه الخطورة؟
ولهذا يضع القرار السلطة أمام احتمالين يصعب التوفيق بينهما، إما أن البلاغات كانت جنائية حقيقية، وعندها يصبح إسقاطها بسبب المشاركة في حوار سياسي تدخلاً للسياسة في مصير الدعوى الجنائية؛ أو أنها كانت بلاغات سياسية منذ البداية، وعندها يصبح القرار الجديد دليلاً على ضرورة التحقيق في الكيفية التي تحولت بها الخصومة السياسية إلى اتهامات بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب والإرهاب. وفي الحالتين، لا يكفي وصف القرار بأنه «تهيئة للمناخ السياسي»، لأن السؤال يتعلق بأصل البلاغات وباستقلال الجهة التي حركتها قبل أن يتعلق بالطريقة التي ستنتهي بها.
لكن من الذي قوض النظام الدستوري فعلياً في 25 أكتوبر؟
هنا نصل إلى الجزء الذي يجعل القضية أكثر خطورة. المادة 50 من القانون الجنائي لسنة 1991 تجرّم الفعل المرتكب بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد أو تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، وتقرر عقوبات قد تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد. والمادة 51 تجرّم إثارة الحرب ضد الدولة في الحالات التي يحددها النص، هذه هي النصوص نفسها التي أصبحت حاضرة بكثافة في بلاغات الحرب ضد المدنيين والسياسيين والمتهمين بالتعاون مع الدعم السريع.
لكن قبل أن تستخدم سلطة البرهان المادة 50 ضد حمدوك وخالد عمر ومحمد الفكي وغيرهم، كان السودان قد شهد في 25 أكتوبر 2021 انقلاباً عسكرياً قاده عبد الفتاح البرهان ، جرى خلاله الاستيلاء العسكري على السلطة وتعطيل مؤسسات الحكم الانتقالي واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من أعضاء حكومته، الاتحاد الأفريقي تعامل مع ما حدث باعتباره تغييراً غير دستوري للحكومة، وقرر مجلس السلم والأمن تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة السلطة الانتقالية المدنية، وهذا التعليق لم يكن عقوبة بسبب مقال صحفي أو اجتماع سياسي أو توقيع إعلان؛ وإنما كان نتيجة الاستيلاء العسكري على السلطة وتعطيل المسار الدستوري الانتقالي.
وهنا لا نتحدث عن توصيف اخترعه خصوم البرهان بعد الحرب، حتى حميدتي، شريك البرهان في انقلاب 25 أكتوبر، عاد لاحقاً ووصف الواقعة بنفسه بأنها «انقلاب 25 أكتوبر»، وأقر بمشاركته فيه وبأنه كان خطأ، ففي خطابه المنشور في فبراير 2023 قال صراحة إن من أخطائه «خطأ انقلاب 25 أكتوبر»، وأضاف أنه تبين له أن الانقلاب لم يحقق ما كان مأمولاً منه وأصبح، بحسب وصفه، بوابة لعودة النظام السابق، وهذا الإقرار السياسي لا يغني بطبيعة الحال عن التحقيق القضائي ولا يثبت وحده المسؤولية الجنائية عن جريمة بعينها، لكنه يهدم محاولة التعامل مع أصل الواقعة وكأن وصفها بالانقلاب مجرد ادعاء صادر عن خصوم البرهان وحميدتي.
وهنا يرتد نص المادة 50 نفسه إلى قلب السلطة: إذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة، فأين التحقيق الجنائي المستقل في انقلاب 25 أكتوبر؟ وإذا كانت النيابة تعتبر نفسها ملزمة بحماية النظام الدستوري إلى درجة توجيه هذه المادة إلى سياسيين مدنيين بسبب أفعال واتصالات سياسية، فما الذي يمنعها من اختبار واقعة الاستيلاء العسكري الفعلي على السلطة وتعطيل المؤسسات الدستورية وفق النص نفسه، وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية للبرهان وكل من خطط للانقلاب أو نفذه أو شارك فيه، وفق الأدلة والقانون؟
والمبدأ الذي لا يحتاج إلى حكم مسبق هو المساواة أمام القانون، فإذا كانت الوقائع المنسوبة إلى مدني معارض كافية لتحريك المادة 50 والتحقيق معه في تقويض النظام الدستوري، فإن انقلاباً عسكرياً أطاح بالمؤسسات الانتقالية يمثل، في الحد الأدنى، واقعة تستوجب التحقيق في مدى انطباق النص نفسه على من نفذوه، أما أن تُستخدم المادة ضد خصوم السلطة بينما لا تخضع الواقعة التي أوصلت قائد الانقلاب إلى مركز السلطة للاختبار الجنائي ذاته، فذلك يطرح سؤالاً مباشراً حول الانتقائية في تطبيق القانون.
البرهان ليس رئيساً منتخباً.. فمن أين تأتي سلطة التحكم في مصير البلاغات؟
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما ننظر إلى الجهة التي أصدرت القرار 363، فالبرهان ليس رئيساً منتخباً للسودان بإنتخابات شرعية، ولم يصل إلى موقعه الحالي عبر انتخابات رئاسية أو نظام دستوري دائم يمنحه تفويضاً شعبياً جديداً بعد 25 أكتوبر، وهو القائد العسكري الذي قاد الانقلاب الذي ترتب عليه تعليق مشاركة السودان في الاتحاد الأفريقي، ومع ذلك، يعلن وزير العدل اليوم أن البرهان هو من أصدر قراراً يترتب عليه شطب بلاغات جنائية مقيدة بواسطة أجهزة الدولة وإسقاط اتهامات مرتبطة بخصوم سياسيين إذا عادوا للمشاركة في الحوار.
وهنا لا يعود السؤال فقط: هل يملك البرهان سلطة العفو؟ فالقانون السوداني يعرف العفو العام، كما يعرف شطب الدعوى ووقفها ورفض توجيه التهمة، وهذه مفاهيم قانونية مختلفة، وقد أثار قانونيون سودانيون بعد القرار نفسه هذه المسألة، إذ قال المحامي محمد زين إن شطب البلاغات ينعقد للنيابة أو المحكمة، مع وجود سلطة قانونية منفصلة للعفو العام، بينما أشار قانونيون آخرون إلى نصوص تتعلق بوقف الدعوى، وهذا الخلاف نفسه يؤكد ضرورة نشر الأساس القانوني التفصيلي للقرار، لأن عبارة «البرهان أصدر قراراً بشطب البلاغات» لا ينبغي أن تمر وكأن شطب الدعوى الجنائية عمل سياسي عادي يمارسه رأس السلطة متى شاء.
والسؤال الأعمق يتعلق بالنيابة: إذا كان البرهان يستطيع أن يقرر اليوم أن بلاغات بعينها تُشطب عندما تصبح عودة أصحابها مفيدة لمشروع الحوار الذي تتبناه سلطته، فأين تنتهي سلطة البرهان وأين تبدأ استقلالية النيابة؟ الاستقلال لا يقاس بالنصوص التي تعلن أن المؤسسة مستقلة، وإنما بسلوكها عندما تتعارض مصلحة رأس السلطة مع واجب تطبيق القانون، والاختبار الأكبر هنا ليس ملاحقة معارض موجود خارج السودان؛ الاختبار هو قدرة النيابة على التحقيق في واقعة 25 أكتوبر وفي المسؤولية المحتملة للرجل الموجود على رأس السلطة نفسها.
فإذا كانت النيابة لا تستطيع أو لا تريد فتح تحقيق مستقل في انقلاب 25 أكتوبر، بينما تتحرك بصرامة ضد معارضي السلطة تحت عنوان «تقويض النظام الدستوري»، ثم تصبح البلاغات نفسها قابلة للشطب بقرار سياسي عندما تتغير حاجة السلطة إلى هؤلاء المعارضين، فإن السؤال عن استقلال النيابة لا يعود اتهاماً نظرياً، وإنما يصبح سؤالاً مؤسسياً تفرضه الوقائع: هل تتحرك الدعوى الجنائية وفق الفعل والأدلة، أم تتأثر بموقع الشخص من السلطة وبالحاجة السياسية إليه؟
وتظهر المشكلة نفسها من زاوية أخرى في قضايا «التعاون مع الدعم السريع». فقد شهد السودان خلال الحرب محاكمات لآلاف الأشخاص بهذه التهمة، واستخدمت فيها مواد من بينها 26 و50 و51 وغيرها، ووصلت بعض الأحكام إلى الإعدام، وهذا يعني أن وصف «التعاون» ليس مجرد اتهام سياسي عابر، وإنما قد يقود المتهم إلى أقصى عقوبة في القانون.
لكن عندما تنشق قيادات عسكرية كانت جزءاً فعلياً من الدعم السريع وتنتقل إلى معسكر الجيش، يصبح من المشروع طرح السؤال عن مصير المسؤولية عن أفعالها السابقة، وليس المقصود افتراض أن كل عضو أو قائد سابق في الدعم السريع مجرم؛ فالمسؤولية الجنائية فردية ولا تثبت بالرتبة أو العضوية وحدهما. لكن تغيير المعسكر لا يمحو جريمة ثبت ارتكابها، مثلما أن المعارضة السياسية لا تنشئ جريمة لم تقع. فإذا كان المواطن الذي يقدم مساعدة مادية للدعم السريع يمكن أن يحاكم بتهمة التعاون وربما يواجه الإعدام، فإن القائد الذي أمضى سنوات داخل القوة ينبغي، على الأقل، ألا يعفى من التحقيق في أفعاله السابقة لمجرد أنه أصبح اليوم في المعسكر الآخر.
وهنا يظهر معيار بسيط يصلح لجميع الحالات: ماذا فعل الشخص؟ وما الأدلة؟ لا ينبغي أن يكون السؤال: مع من يقف اليوم؟ فإذا ارتكب قائد سابق في الدعم السريع جريمة، يجب التحقيق معه حتى لو أصبح حليفاً للجيش، وإذا ارتكب سياسي مدني فعلاً جنائياً حقيقياً بالتعاون مع الدعم السريع، يجب إثباته أمام محكمة مستقلة، وإذا لم يفعل الصحفي سوى ممارسة عمل صحفي أو التعبير عن موقف سياسي رافض للحرب والسلطة، فلا يجوز استبدال الدليل الجنائي بوصفه سياسياً بأنه «متعاون» أو «إرهابي».
وأنا واحد ممن طالتهم هذه المنظومة
بالنسبة لي، المسألة ليست نقاشاً أكاديمياً، ففي ديسمبر 2024 ظهر اسمي، مجاهد بشرى ، ضمن إجراءات وأوامر قبض اتخذتها السلطات ضد مجموعة من السياسيين والإعلاميين والناشطين، ثم اتخذت إجراءات مصرفية للبحث عن حسابات وأرصدة تخص أشخاصاً شملتهم تلك القوائم وتجميدها إن وجدت، والمفارقة في حالتي أنني لا أملك أصلاً حساباً مصرفياً في السودان، أي أن النظام تحرك للبحث عن أموال وحسابات غير موجودة في الأساس.
ثم في أبريل 2026 أعلنت نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة ومكافحة الإرهاب أنني «متهم هارب» في الدعويين الجنائيتين 12/2026 و28/2026. ووفق إعلان النيابة، شملت الدعوى الأولى المواد 26 و50 و51 و55 و62 و66 من القانون الجنائي والمادتين 5 و6 من قانون مكافحة الإرهاب، بينما شملت الدعوى الثانية المواد 26 و50 و51 و186 والمادتين 5 و6 من قانون مكافحة الإرهاب، وهذه ليست أوصافاً بسيطة؛ إنها مواد تتصل بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة وجرائم أخرى بالغة الخطورة.
وهنا يصبح السؤال شخصياً وقانونياً في الوقت نفسه: ما الفعل المادي المحدد الذي ارتكبته ويحقق أركان تقويض النظام الدستوري أو إثارة الحرب أو الإرهاب؟ فالخلاف مع البرهان، ورفض الحرب، وانتقاد الجيش أو الحركة الإسلامية، وكشف معلومات عن السلطة، كلها لا تصبح بذاتها أفعالاً إرهابية بمجرد أن تزعج السلطة، وإذا كانت النيابة تمتلك أدلة على فعل جنائي محدد، فإن مكان اختبارها هو محكمة مستقلة تتاح فيها للمتهم معرفة الوقائع والأدلة والرد عليها، لا الاكتفاء بوضع مجموعة من أخطر مواد القانون أمام اسمه ثم إعلان أنه «متهم هارب».
لكن المفارقة تصبح أكثر حدة عندما تكون المادة 50 ضمن المواد الموجهة إليّ وإلى معارضين آخرين، بينما الرجل الذي يقف على رأس السلطة التي تلاحقنا هو نفسه قائد انقلاب 25 أكتوبر، كيف يصبح الصحفي أو السياسي متهماً بتقويض النظام الدستوري، بينما لا يظهر تحقيق جنائي مماثل في الانقلاب العسكري الذي عطل ذلك النظام بالفعل؟ وكيف يمكن إقناع المواطن باستقلال النيابة عندما تتحرك مواد حماية النظام الدستوري إلى أسفل ضد خصوم السلطة، ولا تتحرك بالوضوح نفسه إلى أعلى عندما يتعلق الأمر برأس السلطة؟
ثم يقول قائد الانقلاب للمعارضين: عودوا وسنشطب البلاغات
هنا تبلغ المفارقة ذروتها، فالسلطة التي استخدمت مواد تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة والإرهاب ضد خصومها، تقول اليوم لمن هم في الخارج إن عودتهم للمشاركة في الحوار يمكن أن تقترن بشطب البلاغات المتعلقة بأقوالهم وأفعالهم السياسية، والسؤال هنا ليس لماذا تريد الدولة توفير ضمانات للحوار؛ تهيئة المناخ للحوار في ذاتها ليست مشكلة، المشكلة هي أن وجود هذه البلاغات أصلاً، ثم إمكانية إنهائها بسبب قرار المشاركة السياسية، يكشف العلاقة المحتملة بين المسار الجنائي والمسار السياسي.
لنفترض أن شخصاً متهم بالمادة 50 بسبب فعل حقيقي يقصد به تقويض النظام الدستوري، إذا عاد هذا الشخص للمشاركة في الحوار، هل يتوقف الفعل بأثر رجعي عن كونه جريمة؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا يشطب البلاغ؟ أما إذا كان الفعل مجرد رأي أو نشاط سياسي مشروع، فلماذا قُيد البلاغ أصلاً؟ وفي الحالتين، تصبح مشاركة الشخص في الحوار معياراً غريباً لتحديد مصير دعوى يفترض أنها تقوم على الوقائع والأدلة، لا على قرار المتهم قبول مبادرة سياسية أو رفضها.
والأخطر أن هذه المعادلة تجعل شخصين متهمين بالفعل نفسه عرضة لمعاملتين مختلفتين: أحدهما يقبل الحوار فيستفيد من الشطب أو الضمانة، والآخر يرفض الحوار فتبقى الملاحقة قائمة، فإذا حدث ذلك، لن يكون الفرق بين الاثنين في أركان الجريمة أو قوة الأدلة، وإنما في موقفهما السياسي من مبادرة السلطة. وعندها يصبح القانون نفسه جزءاً من أدوات إدارة المجال السياسي.
المشكلة ليست فقط ازدواجية المعايير.. بل استقلال النيابة
يمكن للسلطة أن تدافع عن نفسها بالقول إن الشطب مجرد إجراء استثنائي لتحقيق مصلحة وطنية أكبر هي الحوار، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأصلي: لماذا كانت هذه البلاغات موجودة أصلاً؟ ولا يجيب عن السؤال الأكثر حساسية: لماذا تستطيع السلطة التأثير في نهايتها بينما لا تظهر النيابة الاستقلال نفسه في مواجهة السلطة؟
إذا كانت النيابة مستقلة، فإن استقلالها يجب أن يعمل في الاتجاهين، يجب أن تكون قادرة على ملاحقة معارض ارتكب جريمة حقيقية، حتى لو كان ذلك غير مريح سياسياً، وأن تكون قادرة كذلك على التحقيق مع صاحب أعلى سلطة في البلاد إذا وجدت شبهة جنائية في أفعاله، حتى لو كان ذلك أكثر خطورة عليها مؤسسياً، أما استقلال يسمح بملاحقة الخصوم ولا يظهر أثره عندما يتعلق الأمر بأفعال الحاكم نفسه، ثم يسمح للسياسة بالتدخل لإنهاء ملاحقة الخصوم عندما تتغير الحاجة إليهم، فهو استقلال يحتاج إلى إثبات عملي.
ولهذا فإن انقلاب 25 أكتوبر ليس تفصيلاً تاريخياً يمكن وضعه في هامش هذا النقاش؛ إنه الاختبار المركزي، فالسلطة التي تستخدم نص «تقويض النظام الدستوري» نشأت في صورتها الحالية من واقع انقلاب عسكري على الترتيبات الانتقالية، والاتحاد الأفريقي علق مشاركة السودان بسبب التغيير غير الدستوري، وحميدتي نفسه أقر لاحقاً بمشاركته في «انقلاب 25 أكتوبر» ووصفه بالخطأ، ومع ذلك، فإن السجل العلني الذي بين أيدينا يعرض بلاغات بالمادة 50 ضد سياسيين وصحفيين ومدنيين، ولا يعرض مساراً جنائياً مستقلاً مماثلاً يختبر مسؤولية قادة انقلاب 25 أكتوبر عن تقويض النظام الدستوري الذي تقول النيابة إنها تحميه.
إذا كان انقلاباً، فأين البلاغ؟
هذه ربما تكون أبسط طريقة لصياغة المسألة كلها، لدينا واقعة 25 أكتوبر 2021: استيلاء عسكري على السلطة، تعطيل للمؤسسات الانتقالية، اعتقال لرئيس الوزراء ومسؤولين مدنيين، وتعليق أفريقي لمشاركة السودان بسبب التغيير غير الدستوري، ولدينا أحد المشاركين الرئيسيين في الواقعة، حميدتي نائب البرهان حينئذ، يصفها لاحقاً بنفسه بأنها «انقلاب 25 أكتوبر» ويقول إن مشاركته فيه كانت خطأ، ولدينا في الجهة المقابلة مادة جنائية اسمها «تقويض النظام الدستوري»، تستخدمها النيابة ضد خصوم السلطة، وتصل عقوبتها وفق النص إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
إذن السؤال ليس بحاجة إلى خطاب سياسي طويل: إذا كانت النيابة تعتبر تقويض النظام الدستوري جريمة تستوجب هذه الدرجة من العقاب، فأين تحقيقها في انقلاب 25 أكتوبر؟ وإذا كان لديها تفسير قانوني يجعل انقلاباً عسكرياً على مؤسسات الانتقال خارج نطاق المادة 50، بينما يجعل أفعالاً سياسية لمدنيين داخلة فيها، فعليها أن تشرح هذا التفسير للرأي العام والمحاكم. أما إذا لم يوجد تفسير قانوني متماسك، فإن الانتقائية تصبح سؤالاً لا يمكن إخفاؤه خلف أسماء المواد الجنائية.
من يحمي النظام الدستوري ممن؟
القضية في النهاية ليست دفاعاً عن حمدوك أو خالد عمر أو محمد الفكي أو مجاهد بشرى، وليست دفاعاً عن أي شخص ارتكب جريمة حقيقية تحت غطاء العمل السياسي، كما أنها ليست مطالبة بإدانة البرهان دون تحقيق ومحاكمة، القضية هي المطالبة بمعيار قانوني واحد، إذا ارتكب المعارض جريمة، فليحاسب عليها، وإذا ارتكب الحليف الجريمة نفسها، فليحاسب عليها، وإذا ارتكب قائد عسكري انقلاباً يثير شبهة تقويض النظام الدستوري، فلا ينبغي أن يصبح موقعه في قمة السلطة سبباً يمنع التحقيق في مسؤوليته، وإذا كان ما فعله السياسي مجرد رأي سياسي مشروع، فلا ينبغي أن يحتاج إلى رضا قائد السلطة لكي يستعيد حريته من بلاغ لم يكن ينبغي فتحه أصلاً.
ومن هنا فإن القرار 363 قد تكون له نتيجة لم يقصدها واضعوه، فبدلاً من أن يغلق ملف البلاغات السياسية، أعاد فتح السؤال عن مصدرها، ومشروعيتها، والجهة التي تحركها، والجهة التي تستطيع إيقافها، وحدود استقلال النيابة عن السلطة التي يقودها البرهان، فإذا كان قائد السلطة يستطيع اليوم إصدار قرار يغير المصير العملي لبلاغات خصومه عندما يريدهم في الحوار، فمن المشروع أن يسأل السودانيون لماذا لم يتحرك النظام العدلي نفسه بصورة مستقلة تجاه الانقلاب الذي قاده هذا الرجل في 25 أكتوبر 2021.
ويمكن اختصار القضية كلها في ثلاثة أسئلة مترابطة: إذا كان ما فعله المعارضون جريمة، فكيف تمحوها مشاركتهم في الحوار؟ وإذا كان ما فعلوه مجرد سياسة، فلماذا جُرِّم من الأصل؟ وإذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة تستحق الإعدام، فأين التحقيق في انقلاب 25 أكتوبر الذي قوض النظام الانتقالي بالقوة العسكرية؟
فالعدالة لا تختبر قوتها عندما تحاكم خصوم الحاكم؛ بل عندما تستطيع تطبيق القانون على الحاكم نفسه، وإذا كانت المادة 50 قد وُضعت لحماية النظام الدستوري، فإن أول امتحان لمصداقية استخدامها ليس عدد المعارضين الذين يمكن وضع أسمائهم تحتها، وإنما ما إذا كان القانون قادراً على الوصول إلى من استولى على السلطة بالقوة العسكرية أيضاً، وإلا فإن السؤال لن يكون: من قوض النظام الدستوري؟ بل: من يملك سلطة تعريف التقويض، ومن يملك النيابة التي تقرر من يُتهم به ومن يُعفى منه؟

زر الذهاب إلى الأعلى