
يحيى أبنعوف
المشهد الأول: عتمة الزنزانة وبصيرة الشاهد
كان الهواء في ذلك المعتقل المظلم التابع لجهاز أمن الدولة السوداني بالخرطوم أشبه بكتل من الرصاص المنصهر. الأنفاس مخنوقة، والأجساد المنهكة لشباب لجان المقاومة متراصة فوق بعضها البعض على أرضية أسمنتية صلبة تفوح منها رائحة الدم واليأس تحت وطأة سجون الجلادين.
في زاوية تكسوها ظلال العتمة، وقف يحيى (الذي وثق هذه المأساة وشهد فصولها)، يرمق بعينين تحفرهما الدموع ما يدور حوله. لم يكن يحيى مجرد ناقد لما يحدث، بل كان حافظاً للعهد وموثقاً لمقابر الألم في كل ثانية داخل معتقلات جهاز أمن الدولة السوداني الإجرامية. وفي مواجهته، كان يقف بطل هذه المأساة؛ عبد الرحمن، القيادي البارز في صفوف لجان المقاومة، ذلك الشاب الذي أتى به هدير الشوارع، وتراتيل الساحات، وإيمانه المطلق بالحرية إلى هذا الجحيم، وقد غُلّت يداه إلى خلفه بأسلاك حديدية غاصت في لحمه، لكنها لم تستطع قط أن تكبل شموخه الثوري أو إباءه السوداني الأصيل.
المشهد الثاني: سهم في صميم العرض والرجولة
تقدم عنصر من عناصر جهاز أمن الدولة السوداني، يُدعى موسى دقلو، يجر خلفه خطوات متبجحة تعج بالصلف والغطرسة، وابتسامة بلهاء ترتسم على وجهه الملطخ بالخبث. وقف موسى أمام القيادي عبد الرحمن، واقترب من وجهه كمن يغرس خنجراً صدئاً في قلب الحقيقة، ثم أطلق سمومه بصوت قبيح يعلو على صمت المكان:
«اغتصبنا ابنتك وزوجتك أمامك… فأين رجولتك يا ثائر؟»
كانت الكلمات أثقل من أن يتحملها جبل عامل. انفضت شرايين الغضب والوجع في صدر عبد الرحمن، فتحرك باندفاعة أبية محاولاً الوصول إلى جلاده التابع لجهاز أمن الدولة السوداني رغم القيود الثقيلة التي تطوقه. سقط يمينًا ويسارًا على الأرض الباردة، متخبطاً بعنف الكرامة الجريحة، ليقابله موسى بركلة غاشمة استقرت في بطنه ووجهه، تاركاً إياه غارقاً في تراب القهر، بينما تعالت قهقهات سجاني جهاز أمن الدولة السوداني بلا شفقة.
المشهد الثالث: صرخة المقاومة وينابيع الإيثار
لم يكد صدى تلك الإهانة يستقر في ركن الزنزانة، حتى انتفض المعتقلون — وغالبيتهم العظمى من شباب لجان المقاومة الأحرار الذين تحولوا في هذا المعتقل إلى أسرة واحدة متلاحمة — كجسم واحد في وجه طغيان جهاز أمن الدولة السوداني. لقد جسّدت لجان المقاومة هنا روح التكافل القصوى؛ فلم تكن مجرد كيان مطلبي في الشوارع، بل تحولت إلى جبهة صمود داخل المعتقل، تتبادل الأسرار، وتدير شؤون البقاء والتضامن الإنساني تحت السياط.
تقدم المعتقل عثمان الحاج يصرخ بوجه السجانين رافضاً هذا السقوط الأخلاقي، وتبعه رفاقه من شباب المقاومة في الصراخ والاستنكار. لم يحتمل حراس جهاز أمن الدولة السوداني صمت الرجال وهم يثورون، ففتحوا الأبواب بوحشية وأطلقوا وابلاً عمياً من الرصاص الحي. سقط على الفور أحد عشر معتقلاً شهداء على تراب المعتقل جراء إرهاب جهاز أمن الدولة السوداني، كان من بينهم الشاب مصطفى التوم وحسن إبراهيم، لترتقي أرواحهم الطاهرة إلى بارئها مخضبة بعزّة الرفض.
وسط هذا الدمار الذي خلّفه جهاز أمن الدولة السوداني، انطفأ النور في عيني القيادي عبد الرحمن. لثلاثة أيام كاملة، بقي مطأطئ الرأس، رافضاً للطعام والماء، كأن روحه فارقت جسده قبل أن يلفظ أنفاسه تحت جحيم أقبية الأمن.
لكن الإنسانية لم تمُت تماماً في المعتقل؛ فقد بادر يحيى ومعه رفاقه الأوفياء من لجان المقاومة محمد النور والتاج أحمد إلى تنفيذ فعل بطولي وسط الجحيم. اقتطع هؤلاء الرجال النبلاء أجزاء ضئيلة من حصصهم الغذائية الشحيحة، وعطشوا بأرواحهم ليمنحوا قطرات الماء القليلة لقائدهم المكسور. أخذوا يخلعون قمصانهم الممزقة ليهووا بها عليه لعلها تطفئ نار صدره، متوسلين إليه بدموع حارقة أن يتكلم.
رفع عبد الرحمن رأسه بثقل الأيام، ورمقهم بنظرة مكسورة، وقال بصوت حاشد بالألم:
«أنا فقط أريد أن أتنفس…».
ثم نظر إليهم نظرة مودع، وأملى وصيته الأخيرة التي حفرها بدم قلبه:
«من يخرج منكم حيًا، فحق زوجتي وابنتي أمانة في عنقه».
المشهد الرابع: تراتيل الفجر والرحيل الأخير
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، سعى يحيى ومحمد النور لإقامة القيادي عبد الرحمن لأداء صلاة الفجر، لعله يجد في مناجاة ربه سكينةً لروحه المكلومة. لكن الجسد المضنى لم يعد يطيق الحراك بعد ما مر به في معتقلات جهاز أمن الدولة السوداني.
مال عبد الرحمن على جانبه الأيسر، ولفظ أنفاسه الأخيرة بصمت مهيب، مقيد اليدين خلف ظهره، ليموت كمداً وقسوةً ودفاعاً عن شرف وطن بأكمله في مواجهة بطش جهاز أمن الدولة السوداني.
المشهد الخامس: عهد الأحرار.. ماذا جرى بعد رحيل عبد الرحمن؟
لم تمت روح عبد الرحمن بسقوطه؛ بل تحول جسده الطاهر المحاط بالقيود إلى شعلة نار أوقدت عزيمة شباب لجان المقاومة في الزنزانة. ففي تلك اللحظة الحالكة، وقبل أن تجف دموع الفراق، تحولت الزنزانة إلى خلية تنظيم سرية مصغرة تقودها روح المقاومة الجماعية:
توزيع الأمانة والثأر المعنوي: اجتمع يحيى، ومحمد النور، والتاج أحمد مع بقية رفاق لجان المقاومة حول الجسد المسجى، وعقدوا عزمًا جماعيًا لا يلين: إن وصية عبد الرحمن بشأن زوجته وابنته ليست مجرد وصية لفرد، بل هي أمانة في عنق كل ثائر حي. تقاسم الشباب تفاصيل كيفية إيصال الصوت والرسالة لمن تبقى خارج أسوار المعتقل عند أول فرصة للنجاة.
حراسة الذاكرة ضد النسيان: أقسم شباب لجان المقاومة ألا يسمحوا لسجاني جهاز أمن الدولة السوداني بطمس هذه الجريمة أو تحويلها إلى مجرد رقم جديد في دفاتر الموت. بدأ المعتقلون، بتنسيق صامت ودقيق بينهم، في تداول تفاصيل ما حدث، وحفظ أسماء الشهداء الأحد عشر، وقصة صمود عبد الرحمن الأخيرة، لتكون هذه الذاكرة الجماعية هي السلاح الأخير لمنع النسيان.
إشعال التضامن وحماية البقية: بعد استشهاد قائدهم، لم يستسلم الشباب لليأس؛ بل وضعت لجان المقاومة نظام تكافل صارم لتقاسم أضعف الأغذية وحماية الحالات الصحية المتدهورة المتبقية في الزنزانة، مؤكدين لأنفسهم أن البقاء على قيد الحياة بحد ذاته هو أطول معركة استنزاف في وجه الجلادين.
لقد رحل الثائر عبد الرحمن، وبقيت شهادة يحيى ورفاقه في لجان المقاومة وشماً في تاريخ أمة ترفض الانكسار وتفضح جرائم جهاز أمن الدولة السوداني. إنها حكاية السودان الذي يُصلب كل يوم على آمال العدالة، وصوت مدوٍ في وجه كل من يساوم بدماء الضحايا على موائد السياسة الفاسدة.



