الأعمدة

لماذا يكذب الكوز ويتحرى الكذب؟

إيمان حموري
الكوز لا يكذب اضطراراً، بل يكذب عقيدة.
هو لا يرى الكذب رذيلة، بل يراه أداة دعوية، ووسيلة تمكين، وعبادة يتقرب بها إلى التنظيم. يكذب ثم يكذب ليصدقه الناس، على قاعدة غوبلز التي حفظها عن ظهر قلب: اكذب اكذب حتى يصدقك الناس، ثم يختم كذبته بـ “الله أكبر” ليظن أن ذلك يخدم الدين، وما هو إلا حطب يقوده إلى النار.
والشواهد أكثر من أن تحصى، وتاريخهم كله سلسلة أكاذيب متصلة.
بدأ حكمهم بأكبر كذبة في تاريخ السودان الحديث. كذبة تلخص كل منهجهم المنافق.
قال الترابي لتلميذه البشير:
“اذهب إلى القصر رئيساً وسأذهب إلى السجن حبيساً”.
هذه ليست خدعة حرب، هذه هي الخيانة المؤسسة لدولتهم.
دولة بنيت على كذبة أولى، فكيف لا تكون كل لبناتها كذباً؟ من تربى على أن الانقلاب خدعة والاعتقال تمثيلية، لن يرى في الكذب على الشعب كله أي حرج.
ومن ذلك المنهج الترابي الانتهازي، تفرعت مدرسة الصحافة الكيزانية التي تفتخر بالكذب جهاراً نهاراً. خذ مثال إسحاق أحمد فضل الله، الذي اعترف بلا خجل أنه كان يكذب على الناس لسنوات. وبرر ذلك بأن “الحرب خدعة” وأنه في معركة مستمرة.
وهنا يكمن الغباء والفجور معاً. نسي هذا الدجال أن الكذب المباح في المعركة هو خدعة تكتيكية على العدو في ميدان القتال، لتضليله عن موقعك وعدتك، وليس منهجاً كاملاً للحياة تكذب به على شعبك لثلاثين سنة، وتشوه به خصومك، وتبيع به الوهم، وتغطي به فسادك وسرقاتك وقتل الأبرياء. لقد حولوا رخصة الحرب إلى دين كامل. فصاروا يعتبرون الشعب كله عدواً يجب الكذب عليه.
ولأن الكوز مفلس فكرياً ومنطقياً، فالكذب عنده ليس خطة بديلة، بل هو الخطة الأولى والأخيرة.
راقب الكوز العادي، وحتى الهلفوت الصغير منهم في الأسافير. عندما تحاصره بالحجة والمنطق، وعندما تصدمه بالحقائق والأرقام والوثائق، لا يرد عليك بدليل، لأنه لا يملك دليلاً. ينهار فوراً ويلجأ إلى سلاحه الوحيد: الاغتيال المعنوي.
يبدأ برمي التهم. أنت شيوعي، أنت علماني، أنت عميل سفارات، أنت قحاتي. فإن لم تنفع التهمة، انتقل إلى اغتيال الشخصية. وإن عجز عن إيجاد تهمة سياسية، لجأ إلى أحط الدرجات: السخرية من شكلك، من لهجتك، من قبيلتك، من جزء من خلقتك. ولا يتورع أن يلصق بك سلوكاً مشيناً أخلاقياً، قذفاً صريحاً، وهو يعلم أنه كاذب.
لماذا؟ لأنه يرى الناس بمرآة نفسه. وينطبق عليهم تماماً المثل السوداني: *”ودت الزانية لو أن كل النساء زواني”*. أغلبهم بلا أخلاق ولا مبدأ، غارقون في الفساد والفجور في الخفاء، لذلك يظنون أن كل الناس مثلهم. يتهمك بما هو فيه.
الكوز اليوم مثل العاهرة التي انكشف سترها في السوق، وبانت سوأتها للناس جميعاً، ثم صعدت المنبر لتنصح المنقبة وتقول لها: احتجبي!
ثلاثون عاماً من الكذب باسم الدين. كذبوا أنهم جاؤوا لإنقاذ الشريعة فذبحوها. كذبوا أنهم جاؤوا لمحاربة الفساد فصاروا أكبر مافيا فساد عرفها السودان. كذبوا أنهم جاؤوا للزهد فبنوا القصور وسرقوا أموال الزكاة. والآن بعد أن لفظهم الشعب، عادوا بنفس الكذب القديم، بنفس الوجوه الكالحة، يلبسون ثوب الحرب والوطنية، وهم من أشعل الحرب وهربوا.
الكوز لا يكذب لأنه ذكي، بل يكذب لأنه جبان. لا يستطيع مواجهة الحقيقة. والحقيقة أن مشروعهم سقط أخلاقياً قبل أن يسقط سياسياً. ومن كان الكذب منهجه، فالنار أولى به، ولو صلى وصام وزعم أنه يحمل راية الدين.
منقووول

زر الذهاب إلى الأعلى