


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في مدينة كسلا، بأقصى شرق السودان، حيث تحتضن الجبال الخضراء واحدة من أعرق المدن السودانية تاريخاً وثقافة، وُلد عام 1956، عام استقلال السودان نفسه، طفل كان مقدراً له أن يحمل اسم مدينته لقباً يلازمه طوال حياته، وأن يصبح واحداً من أندر النماذج التي أنجبتها الكرة السودانية على الإطلاق: لاعباً، ثم طبيباً، ثم مؤلفاً، وقبل كل ذلك، عاشقاً صغيراً وقف يوماً على مدرجات ملعب الهلال يهتف لفريقه قبل أن يصبح واحداً من نجومه.
“شكسبير في الفصل، بيليه في الميدان”
لم يكن محمد حسين كسلا طفلاً عادياً في مدرسة أروما الوسطى، فقد وصفه معلمه آنذاك، الأستاذ صبري، بعبارة اختصرت ازدواجية موهبته منذ نعومة أظفاره: “محمد حسين بيليه في الميدان، وشكسبير في الفصل”. وهذه العبارة، التي قد تبدو للوهلة الأولى مبالغة معلم معجب بتلميذه النجيب، أثبتت الأيام أنها كانت تنبؤاً دقيقاً لمسيرة استثنائية جمعت بين التفوق الأكاديمي والموهبة الكروية بمعدل نادراً ما يجتمع في شخص واحد، إذ يندر أن ينجح لاعب كرة قدم في الجمع بين مداعبة الكرة المستديرة والتفوق الأكاديمي في آن معاً.
“من مدرجات الهلال إلى قلب تشكيلته الذهبية”
بدأ كسلا رحلته مع الهلال، كما يبدأ أغلب أبناء جيله، مشجعاً صغيراً يحمل في قلبه هوى اللون الأزرق قبل أن يحمل قميصه، قبل أن ينضم رسمياً إلى صفوف الفريق الأول في موسم 1970-1971. واللافت أن كسلا لم يخضع لأي تكوين أكاديمي في مدارس كرة قدم متخصصة، إذ لم تكن هذه المدارس موجودة أصلاً في السودان في تلك الحقبة، بل صقلته الموهبة الفطرية الخالصة وحدها. وحين حان وقته ليصعد إلى الملعب لاعباً في حقبة السبعينيات، وجد نفسه وسط واحد من أزهى الأجيال في تاريخ النادي: علي قاقرين، وعز الدين عثمان “الدحيش”، والأسيد، وفوزي المرضي “الأسد”، وشوقي عبد العزيز، وعبده مصطفى، وشواطين، وزغبير، وحافظ عبيد، وعبد الله موسى “المر”، وغيرهم من نجوم ذلك العصر الذهبي. ورغم هذا الزحام من الأسماء الكبيرة، لم يكن أمام كسلا سوى أن يفرض نفسه بموهبته الفطرية، فحجز مكانه في التشكيلة الأساسية بجدارة لا تقبل الجدل.
ويروي أحد من عاصروا تلك الحقبة من داخل أسوار “قلعة الهلال” بأم درمان شهادة لافتة، إذ يصف مهارة كسلا وسحره الفني بأنهما يضاهيان مهارة وسحر البرازيلي رونالدينيو، ذلك النجم الذي بزغ لاحقاً مع برشلونة والمنتخب البرازيلي وأبهر العالم بموهبته الفطرية الاستثنائية. وهي مقارنة جريئة، لكنها ليست مبالغة فارغة إن صدرت ممن رأى كسلا يراوغ بالكرة على أرض الملعب فعلاً، لا من مجرد سماع الحكايات عنه.
” البطل الخفي لنهائي 1987″
وفي واحدة من أهم الحقائق التاريخية التي لا يعرفها كثير من جماهير الهلال، يعود الفضل الحقيقي في وصول الفريق إلى نهائي دوري أبطال أفريقيا عام 1987 بالدرجة الأولى إلى محمد حسين كسلا والأستاذ أحمد عبدالله، اللذين توليا قيادة الفريق فنياً منذ الأدوار التمهيدية الأولى لتلك البطولة التاريخية. أما الدكتور كمال شداد، الذي يُنسب إليه غالباً في الذاكرة الجماهيرية شرف قيادة ذلك المشوار، فلم يظهر إلا في المباراة النهائية وحدها. وهذا التفصيل، الذي أغفلته الرواية الشعبية طويلاً، يستحق أن يُصحَّح ويُوثَّق: فالطريق الطويل والشاق نحو ذلك النهائي التاريخي، بكل ما حمله من عقبات ومنعطفات، صنعه كسلا وأحمد عبدالله بصبر ومثابرة، قبل أن يُستكمل المشوار في محطته الأخيرة تحت إشراف شداد.
” قرار قاسٍ يغيّر مسار حياته: من الملعب إلى موسكو”
غير أن مسيرة كسلا الكروية في السودان لم تكتمل بالشكل الذي كان يستحقه، إذ جاء قرار “الرياضة الجماهيرية” الشهير، الذي قضى بحل الأندية وتجميد النشاط الرياضي المنظم وقصر ممارسة الرياضة على المناطق السكنية فقط، ليقلب مسار حياته رأساً على عقب. فاضطر كسلا، الذي كان يحمل أصلاً استعداداً أكاديمياً متفوقاً كما شهد له معلمه منذ الصغر، إلى استئناف دراسته خارج السودان، واستقر به المقام في جامعة موسكو بالاتحاد السوفييتي لدراسة الطب، وتخصص لاحقاً في الطب الرياضي، متخرجاً عام 1985. وهكذا حوّل كسلا محنة سياسية قاسية أطاحت بمسيرته الرياضية المحلية إلى فرصة لبناء هوية مهنية موازية لا تقل تألقاً عن هويته الكروية.
“عرض جاء من موسكو: قصة انضمامه إلى النصر”
وفي تفصيل يحمل نكهة درامية خاصة، تلقى كسلا عرض الاحتراف مع نادي النصر الإماراتي وهو لا يزال طالباً بموسكو، إذ أوفد النادي مندوباً خاصاً إلى العاصمة الروسية للتفاوض معه شخصياً. وحين سُئل لاحقاً عن دوافعه الحقيقية لقبول هذا العرض، لم يتردد كسلا في كتابه بالإفصاح عن الدافع الأصدق: “كنت أحتاج إلى المال من أجل مواصلة دراستي ومساعدة عائلتي، وخاصة إخوتي الذين كانوا في مراحل دراسية مختلفة، ولذلك قبلت خوض التجربة مع النصر”. وهذا الاعتراف الصادق يكشف جانباً إنسانياً عميقاً في شخصية كسلا، إذ لم يكن احترافه مجرد سعي وراء المجد الرياضي، بل كان أيضاً فعل مسؤولية أسرية صادقة، حملها طالب طب سوداني مغترب على عاتقه في أرض بعيدة عن وطنه.
” من الملعب إلى غرفة الكشف الطبي”
لم تكتفِ موهبة كسلا بالميدان، بل جمع بين هويتين نادراً ما تجتمعان في شخص واحد: نجم الملعب، وطبيبه في آن معاً. وحين عاد كسلا إلى الهلال بعد اعتزاله اللعب، لم يعد لاعباً بل طبيباً للفريق الذي نشأ في أحضانه مشجعاً صغيراً، في مسار مهني نادر الشبه: من المدرجات إلى التشكيلة الأساسية، إلى مقعد الطب الرياضي، مروراً بدور إداري لاحق أيضاً، وهي أدوار متداخلة يصعب أن تجتمع لشخص واحد عبر مسيرة كروية واحدة.
” سنوات الاحتراف في الإمارات: “لن أختار غير النصر”
بين عامي 1976 و1982، عاش كسلا واحدة من أجمل تجاربه الاحترافية في صفوف نادي النصر الإماراتي، وهي التجربة التي وصفها بنفسه لاحقاً بقوله: “لو يعيد التاريخ نفسه، لن أختار نادياً آخر لألعب بصفوفه غير النصر”. ولم يشعر كسلا يوماً بالغربة على أرض الإمارات، بل كان يعتبر نفسه لاعباً مواطناً لا مغترباً، بفضل الحفاوة التي وجدها من مسؤولي ناديه وزملائه وجماهيره. وحين وصل إلى النصر، وجد أن مواطنه الفاضل سانتو، لاعب المريخ الدولي، قد سبقه بالفعل إلى صفوف النادي نفسه، ليشكّلا معاً ثنائياً سودانياً مدهشاً أبهر الجماهير الإماراتية. وقد وُصف الاثنان لاحقاً بأنهما كانا من أفضل اللاعبين الأجانب الذين مرّوا على الدوري الإماراتي طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات، شهادة من لاعب إماراتي عريق عاصر تلك الحقبة بنفسه.
” طرفة إنسانية: حين “عاد” كسلا إلى ملعبه القديم خصماً ”
ومن أطرف المواقف التي عاشها كسلا في مسيرته، ما حدث في مايو 1978، حين زار فريق النصر الإماراتي السودان، وخاض مباراة ودية أمام الهلال انتهت بفوز النصر 3-2. ووقف كسلا في تلك المباراة يواجه ناديه الأم بقميص فريقه الجديد، رفقة مواطنه الفاضل سانتو. وبدلاً من العداء، داعبت جماهير الهلال نجمها القديم بهتاف ودود ظل عالقاً في ذاكرته: “عائد عائد يا كسلا، البترول طلع يا كسلا”، في مشهد يختصر عمق العلاقة الحميمية التي ظلت تربط كسلا بجمهوره الأول رغم مرور السنين وتبدل القمصان.
” أول سيرة ذاتية لنجم هلالي: “محطات في حياتي”
وفي إنجاز توثيقي فريد يضاف إلى سجله الحافل، يُعد محمد حسين كسلا أول لاعب سوداني، وأول لاعب في تاريخ نادي الهلال على الإطلاق، يصدر مؤلفاً كاملاً عن سيرته الرياضية. وقد جاء كتابه “محطات في حياتي” عملاً توثيقياً جاداً لا سيرة عابرة، إذ يقع في 383 صفحة من الحجم الكبير، موزعة على خمسة عشر فصلاً كاملاً، وصدر عن مطبعة الحياة الجديدة بالخرطوم. وقد حرص كسلا في هذا الكتاب على سرد تفاصيل دقيقة من حياته الخاصة والكروية معاً، بما في ذلك قصة انضمامه للنصر ودوافعه الحقيقية وراءها، ليمنح بذلك جماهير الهلال والكرة السودانية عموماً وثيقة نادرة تروي تفاصيل هذه المسيرة الاستثنائية بقلم صاحبها نفسه، لا بقلم راوٍ آخر.
” شهادة معاصرة: “ما في زول في مكانه”
ولا يزال حضور كسلا الفكري والإنساني ممتداً حتى اليوم، إذ يروي الكاتب كمال الهدي في مقال نشره عام 2022 على “سودانايل” أن كسلا أهداه شخصياً نسخة من كتابه القيّم خلال زيارة له بدبي، مؤكداً أهمية هذا الكتاب لكل مهتم بالشأن الرياضي السوداني. كما أشار الهدي إلى ظهور كسلا في حلقة من برنامج “وجوه مشرفة” على قناة النيل الأزرق، أدلى خلالها بعبارة لافتة تختصر نظرته النقدية العميقة لواقع بلاده: “ما في زول في مكانه” في سودان اليوم، في تعليق يحمل بعداً اجتماعياً وسياسياً ذكياً، ويؤكد أن كسلا لم يكتفِ يوماً بإرث الماضي الرياضي، بل ظل صوتاً حاضراً وواعياً بقضايا وطنه الراهنة.
” نموذج لا يتكرر”
يواصل الدكتور محمد حسين كسلا اليوم عطاءه في مجال اختصاصه، طبيباً للطب الرياضي بالقوات المسلحة في دولة الإمارات، وعضواً في لجنة الاحتراف والتطوير بمجلس دبي للرياضة، محافظاً على حضوره في الوسط الرياضي حتى بعد اعتزاله اللعب على الصعيدين السوداني والإماراتي. وتظل شخصيته، بثقافتها العالية ودماثة أخلاقها الودودة، انعكاساً صادقاً لتلك النشأة التي جمعت بين التفوق الأكاديمي والموهبة الرياضية منذ الطفولة.
وحين يُسأل عن أمثال محمد حسين كسلا في تاريخ الكرة السودانية، يصعب أن يجد المرء إجابة مقنعة، فكثير من اللاعبين تحولوا لاحقاً إلى التدريب وقادوا الأندية التي لعبوا لها، لكن قلّما يجد المرء لاعباً بدأ مشجعاً عاشقاً ولهاناً لناديه، ثم أصبح لاعباً في تشكيلته الأساسية، ثم مهندساً خفياً لأعظم إنجازاته القارية، ثم طبيباً يسهر على صحة لاعبيه، ثم إدارياً يخدمه من موقع آخر، ثم مؤلفاً يوثق كل هذه المحطات بقلمه، ثم صوتاً نقدياً واعياً بقضايا وطنه حتى اليوم. إنها، بكل المقاييس، مسيرة نادرة لا تتكرر، تستحق أن تُروى بكل هذا الفخر الذي حملته أسطر هذا المقال.



