
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
في واحدة من محاضرات أحد علماء الأزهر الشريف قديما وقد طلب من طلابه وهم في مرحلة التقدم لنيل شهادة العالمية الرفيعة أن يقولوا له رأيهم في أي من ائمة المذاهب الأربعة أكثر علما في الفقه و التفسير والتنوير وفهما لأصول الدين كتابا منزلا وسنة نبوية؟
فتبارى الطلاب في ترشيح أحد الأئمة، مزكّياً فرادة علمه، إلا طالباً واحداً امتنع عن الإجابة، وسط استغراب شيخه، الذي سأله عن سبب إحجامه.
فقال الشاب بكل ثقة وثبات: «لكي أقول رأيي في هؤلاء العلماء والأئمة الأفاضل، فلا بد أن أكون قد امتلكت من العلم ما يفوق علمهم جميعاً، وأنا لست كذلك».
فطلب الشيخ من بقية الطلاب أن يصفقوا تحية لزميلهم، وقال له في إعجاب وتقريظ: «والله إنك لمشروع عالم نحرير».
وأضرب هذا المثل، وأنا لست أكثرهم ثقافة، ولا أغزرهم علماً، وإنما تلميذ لا يزال يحبو نحو العتبات الأولى من محراب المعارف، بكل أنماطها العامة، ولا سيما السياسية منها.
ومن هذا الموقع المتواضع، أتساءل، لا ناقداً ولا مستهجناً، وإنما مستغرباً ومتحيراً، عن أدوار بعض النخب المثقفة في سوداننا الحبيب، وهم يتنقلون بين المواقف تجاه حقب الحكم العسكري، وكأنما الموقف من العسكر لا تحكمه مبادئ ثابتة، بقدر ما تحكمه مواقعهم من السلطة، ومصالحهم في الاقتراب منها أو الابتعاد عنها.
فقد رأينا من كان بالأمس يرفع راية الديمقراطية، ويجعل من الحكم العسكري نقيضاً لها، ثم لا يلبث أن يجد في بعض العهود العسكرية ما يستحق الإشادة، بل وربما المشاركة والتبرير، حين تتهيأ له مساحة من النفوذ أو الحضور.
ورأينا، في المقابل، من كان يبرر بالأمس إجراءات السلطة العسكرية، ويعدّها ضرورة لحماية البلاد أو تصحيح مسارها، ثم ينقلب اليوم إلى أشد الناس رفضاً لها، حين تتبدل مواقع اللاعبين، وتتغير موازين القوة.
وهنا لا أريد أن أضع الجميع في سلة واحدة، ولا أن أصادر حق أحد في مراجعة موقفه؛ فمراجعة المواقف فضيلة، والاعتراف بالخطأ شجاعة، وتبدّل الاجتهاد أمر مشروع، متى كان مردّه إلى قناعة جديدة، لا إلى تبدّل المصالح.
لكن السؤال الذي يلحّ عليّ هو: هل تغيّرت قناعات بعض النخب، أم تغيّرت مواقعها؟
وهل نحن أمام مراجعات فكرية حقيقية، أم أمام إعادة تموضع سياسي تقتضيها حركة الأحداث، وتبدّل موازين القوة، وتغيّر فرص المشاركة فيها؟
إنني لا أزعم امتلاك الإجابة، ولا أضع نفسي في مقام من يوزّع صكوك الوطنية أو شهادات النزاهة الفكرية، وإنما أطرح السؤال على نفسي، وعلى كل من يعنيه أمر هذا الوطن، الذي أنهكته الانقلابات، وأثقلته الحروب، وأرهقته النخب حين تختلف على السلطة أكثر مما تختلف على مستقبل البلاد.
فليس العيب، في تقديري، أن يراجع المثقف موقفه، وإنما العيب أن يراجع موقفه دون أن يراجع منطقه، وأن يغيّر عباراته دون أن يغيّر معاييره، وأن يطلب من الناس أن ينسوا ما قاله بالأمس، لمجرد أنه أصبح يقول اليوم ما يناقضه.
ولعل أخطر ما في الأمر أن تتحول المواقف السياسية إلى مجرد أدوات لتبرير القرب من السلطة أو الابتعاد عنها، بحيث يصبح المبدأ تابعاً للموقع، لا الموقع تابعاً للمبدأ.
وإذا كان من حق كل إنسان أن يختار موقعه السياسي، فإن من حق الناس أيضاً أن يسألوا عن معيار هذا الاختيار، وعن مدى اتساقه مع ما كان يعلنه صاحبه من مبادئ، وعن الأسباب التي جعلته يغيّر موقفه في هذه اللحظة بالذات.
فالمثقف، في تقديري، ليس مطالباً بأن يكون معصوماً من الخطأ، ولا بأن يظل أسيراً لموقف قديم مهما تبدلت الظروف، لكنه مطالب بأن يكون صادقاً مع نفسه، واضحاً مع الناس، وأميناً على المعايير التي يرفعها شعاراً في وجه الآخرين.
ومن هنا، فإنني لا أرى في اختلاف المواقف السياسية مشكلة في حد ذاته، بل أرى المشكلة في أن يصبح الاختلاف انتقائياً، وأن تُستخدم المعايير ذاتها لتبرير موقف، ثم تُهمل حين تتعارض مع موقف آخر.
ولعلنا بحاجة، في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ السودان، إلى أن نعيد النظر في مفهوم النخبة، لا باعتبارها جماعة من أصحاب الشهادات أو الأسماء اللامعة، وإنما باعتبارها مسؤولية أخلاقية وفكرية، تقتضي من صاحبها أن يكون أكثر الناس حرصاً على اتساق القول مع الفعل، والمبدأ مع الموقف، والوطن مع كل ذلك.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى نخب تتقن تبديل الأقنعة، بقدر ما يحتاج إلى نخب تتقن مراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ، والوقوف على مسافة واحدة من المبادئ، مهما اختلفت مواقعها من السلطة.
وليس المقصود من هذا الكلام أن نطلب من الجميع موقفاً واحداً، أو أن نمنع أحداً من الاجتهاد، وإنما أن نطلب قدراً من الصدق، يجعل اختلاف المواقف مفهوماً، لا مثاراً للريبة، ويجعل مراجعة القناعات دليلاً على النضج، لا على الانتهازية.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا جميعاً هو: هل نريد سلطة تتغير، أم نريد مبادئ لا تتغير بتغير السلطة؟
فإذا كانت غايتنا هي بناء دولة ديمقراطية عادلة، فإن معيارنا ينبغي أن يكون واحداً، لا يتبدل بتبدل الحاكم، ولا يتغير بتغير موقعنا منه.
أما إذا أصبح الموقف من الحكم العسكري مرتبطاً بمن يجلس على كرسي السلطة، لا بطبيعة الحكم نفسه، فإننا نكون قد انتقلنا من نقد الاستبداد إلى إدارة المصالح حوله، ومن الدفاع عن الديمقراطية إلى التفاوض على نصيبنا منها.
وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده طويلاً، لا لنحاكم بعضنا بعضاً، وإنما لنحاول أن نفهم لماذا ظل السودان يدور في الحلقة ذاتها، ولماذا ظلت النخب، في كثير من الأحيان، جزءاً من الأزمة التي تزعم أنها تسعى إلى حلها.
فهل آن لنا أن نخرج من هذه الحلقة، وأن نضع مصلحة السودان فوق حسابات المواقع، وأن نجعل من اختلافنا في الرأي وسيلة لبناء الوطن، لا ذريعة لإعادة إنتاج أزماته؟
ذلك ما أرجو أن نصل إليه، لا بصفتي ناقداً لأحد، وإنما بصفتي مواطناً سودانياً، يتطلع إلى يوم يصبح فيه السودان وطناً يتسع للجميع، لا ساحة تتبدل فيها المواقف بتبدل مواقع السلطة.



