
دوحة محمد
في زمن الحـ.ـرب، تصبح بعض الأخبار مضحكة إلى درجة البكاء، ومبكية إلى درجة أن الضحك نفسه يبدو نوعاً من المقاومة للعبث. ففي الوقت الذي ينتظر الناس خبراً عن وقف الحـ.ـرب أو عودة النازحين أو وصول الخبز والدواء، تظهر أخبار من عالم آخر، وكأن الحرب تجري في بلد، وبعض أهله يعيشون في بلد آخر تماماً.
بدأت الحكاية بخبر قد يبدو عادياً وسط أخبار الحـ.ـرب: حملة تدعو إلى ترشيح البرهان لرئاسة الجمهورية وترقيته إلى رتبة المشير.
لكن هذا الخبر، في الحقيقة، يفتح الباب أمام قضية أكبر من ترشيح شخص للرئاسة. فالرجل يقف اليوم على رأس أحد طرفي الحـ.ـرب، وظل في رأس السلطة منذ سقوط البشير، وارتبط اسمه بفض اعتصام القيادة العامة والانقلاب على الحكم المدني، ثم بالحـ.ـرب التي انفجـ.ـرت في عهده وأدخلت البلاد في هذه الكـ.ـارثة.
وفوق ذلك، تلاحقه عقوبات أمريكية، بينما يواجه الجيش الذي يقوده اتهامات أمريكية باستخدام الأسـ.ـلحة #الكيميائية.
ومع ذلك، يطلب البرهان واعوانه من السودانيين أن ينظروا إليه باعتباره رجل الدولة الذي يستحق أن يصبح رئيساً للجمهورية.
كيف يتحول طرف في الحـ.ـرب، وشريك في صناعة الأزمـ.ـة، إلى صاحب شرعية لقيادة الدولة؟ ومن أين تأتي هذه الشرعية أصلاً؟ من صناديق الاقتراع، أم من الحـ.ـرب التي يخوضها، أم من قوة السـ.ـلاح التي يملكها، ومن الخوف الذي تعيشه البلاد؟
وحتى لا ننجرف باتجاه نقاشات جانبية، يجب التنبيه إلى أن القضية هنا لا تتعلق بحق البرهان كسوداني في الترشح، وإنما بالطريقة التي يجري من خلالها الانتقال من قيادة الجيش إلى رئاسة الدولة.
هذه الطريقة في صناعة الحاكم ليست جديدة، وكسودانيين نعرفها جيداً.
البشير بدأ من الجيش، والبرهان بدأ من الجيش، وبين الرجلين نحو ثلاثين عاماً من التاريخ السوداني.
لكن الغريب في الأمر أن البلد الذي خرج من حكم البشير بثورة شعبية هائلة قد يجد نفسه أمام محاولة لإعادة إنتاج بعض الأدوات التي استخدمها النظام السابق، ولكن تحت عناوين جديدة وبمبررات جديدة.
سقط البشير، وصعد البرهان إلى واجهة السلطة كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي، ثم أصبح رئيساً لمجلس السيادة.
وكان يفترض أن يكون الجيش جزءاً من عملية انتقال تنتهي بانتخابات، وأن تكون السلطة العسكرية مؤقتة بطبيعتها.
لكن ما حدث في أكتوبر 2021 غيّر كل شيء.
أقدم البرهان على حل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ وتعليق أجزاء من الترتيبات الدستورية، مقدماً خطوته باعتبارها “تصحيحاً لمسار الثورة”.
ثم جاءت حـ.ـرب 15 أبريل 2023، فتحولت الأولوية السياسية من الانتقال الديمقراطي إلى الحـ.ـرب، ومن سؤال من يحكم السودان إلى سؤال من يملك القوة الكافية لحسم الصـ.ـراع.
وهنا تكمن خـ.ـطورة اللحظة الحالية.
فالحـ.ـرب تخلط الأوراق، والخوف يعطّل التفكير، وتصبح الصورة ضبابية إلى درجة يصعب معها على الناس التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين ما هو صواب وما هو خطأ.
وعندما تختلط هذه الأشياء، يصبح انتقاد القائد وكأنه انتقاد للجيش، وانتقاد الجيش كأنه عـ.ـداء للدولة، والمطالبة بتغيير القيادة وكأنها تهديد لبقاء الوطن.
وهنا يبدأ الحاكم العسكري في اكتشاف أن الحـ.ـرب يمكن أن تكون أيضاً أداة لصناعة الشرعية.
الوصفة الكاملة لا تحتاج إلى كثير من التعقيد.
ابدأ بصناعة الأزمـ.ـات: انفلات أمني، نهب وسرقة، ضائقة معيشية وشح في الخدمات، حتى يشعر الناس بأن الدولة تتداعى.
ثم نفّذ انقلاباً تنفرد فيه بالسلطة، وسمّه “إجراءات تصحيحية” أو “تصحيحاً للمسار”، وقدّمه باعتباره ضرورة لإنقاذ الدولة.
بعدها اصنع عدواً. تحدّث عن مؤامرات ومهددات خارجية، وعن الإمبريالية والصهـ.ـيونية والقوى التي تتربص بالوطن، ثم أشعل حـ.ـرباً، واجعل نفسك في مقدمة المعركة باسم حماية الدولة.
وحينها يصبح الخوف وقوداً للسلطة، ويصبح الحديث عن المدنية والديمقراطية والانتخابات ترفاً مؤجلاً إلى أن “تستقر الأوضاع”.
ثم اربط خصومك بالعـ.ـدو، ومعارضيـك بالفوضى والعمالة، وحمّل كل أزمـ.ـة لمن سبقك أو لمن يقف في الجهة الأخرى.
وإذا ظهر شريك سياسي، تحالف معه ما دمت تحتاج إليه، ثم تخلّص منه عندما يصبح منافساً. ومع الوقت، اجعل بقاءك في السلطة يبدو وكأنه الضمان الوحيد لبقاء الدولة.
وعندما تستقر هذه المعادلة، ابحث عن أصوات “هِتّيفة” تقول: “لا بديل للزعيم سوا الزعيم”، و”إن الشعب مع الزعيم”.
عندها تنتقل السلطة من القوة إلى الضرورة، ومن الضرورة إلى الشرعية، ثم تتحول الشرعية إلى حق دائم في الحكم.
وهكذا تنجح الخدعة: وتلك، باختصار، هي الطريقة الأسرع لصناعة ديكتاتور جديد.
الكتاب واحد، وإن اختلفت أسماء القراء.
في الصفحة الأولى تجد الأزمـ.ـة. وفي الصفحة الثانية تجد الخـ.ـطر. وفي الصفحة الثالثة يظهر “الرجل الضروري”.
بعدها يأتي الخصم الذي يجب تخوينه، والشريك الذي يجب التخلص منه، والقانون الذي يجب تعديله، والدستور الذي يجب إعادة صياغته، والجمهور الذي ينبغي إقناعه بأن بقاء الحاكم ضرورة وطنية.
وفي الصفحة الأخيرة تظهر الانتخابات.
لكنها تأتي بعد أن يكون كل شيء قد حُسم تقريباً.
إذا أراد البرهان أن يصبح رئيساً منتخباً، فليضع اسمه أمام الناخبين بعد انتهاء الحـ.ـرب وعودة السياسة وصناديق الاقتراع.
أما أن يبدأ الطريق بقائد جيش، ثم تمنحه الحـ.ـرب صورة البطل، وتتحول صورة البطل إلى شرعية، ثم تتحول الشرعية إلى رئاسة، فهذه ليست ديمقراطية.
إنها الوصفة القديمة نفسها: اصنع الخوف، قدّم نفسك حامياً منه، ثم اطلب من الخائفين أن يسلّموك البلد.
والأطرف أن الذين يطبخون هذه الوصفة يريدون من السودانيين أن يصفقوا لها، كأنهم لم يتذوقوا السمّ من قبل.
أما الكتاب، فقد تغيّر الغلاف فقط. والطبعة الجديدة تحمل اسماً مختلفاً، لكن النهاية محفوظة: حاكم في القصر، وشعب في الطابور، ووطن يدفع ثمن التصفيق.
بقلم – محمد الهادي
#الحركة_الاسلامية_السودانية_تنظيم_ارهابي
#السودانيون_يستحقون_السلام
#ديسمبر_باقية_وستنتصر



