الأعمدة

الدولار .. هل يقصم ظهر البعير !

( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقا
لا أظن أن الدول التي تحسن إدارة مواردها الإنتاجية، وتنتهج مبادئ الحوكمة، وتحكم الرقابة على مؤسسات الدولة بالمراجعة الدورية، يمكن أن تسقط بسهولة في فخ مصارعة العملات الأجنبية لعملتها المحلية وإسقاطها أرضاً، مهما كانت الظروف، حتى لو كانت تدور فيها حرب مثل التي تأكل في أطراف وطننا السودان.
نعم، للحروب أثرها في استنزاف موارد البلاد، على شحّها، وإرباك اقتصادها، وتعطيل عجلة الإنتاج. بيد أن الحكمة تقتضي أن يُدار اقتصاد مرحلة الحرب بخطط مدروسة، توازن بين تمويل الحرب، على فداحة تكلفتها، ومراعاة الحالة المعيشية للمواطن، وألا نعلّق كل الفشل في حل هذه المعادلة على شماعة الدولار، وكأنه القشة الوحيدة التي قصمت ظهر الحياة المعيشية للمواطن.
فالمواطن الذي أصبح عاجزاً عن شراء أهم مقومات حياته، كالخبز والسكر والزيت، فضلاً عن تكاليف الدراسة والعلاج وسائر الالتزامات الاجتماعية، لم يعد يطالب برفاهية لا تتيحها ظروف الحرب، وإنما يبحث عن الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. وقد طفت إلى السطح شكاوى تدني، بل انعدام، القدرة الشرائية لدى السواد الأعظم من أبناء شعبنا، في وقت لا تزال فيه الحكومة تطالبهم بربط الأحزمة على البطون، تضحيةً من أجل عبور محطة «حرب الكرامة»، التي لا يلوح في الأفق اقتراب نهايتها، وهي التي استطالت على حساب أجساد الجوعى الواهنة، فضلاً عن جيوش الذين سقطوا ولا يزالون يتساقطون جراء هذه الحرب المأساوية.
وفي ظل هذه الأوضاع، تبدو الدولة وكأنها قد فقدت البوصلة التي تقودها إلى وجهة الحلول المتوازنة. فمؤسساتها المنوط بها إيجاد حل للمعضلة الاقتصادية تتبادل، بدلاً من تكامل الأدوار، إنكار المسؤولية عن هذا التدهور المعيشي.
فالمصرف المركزي، المسؤول عن رسم السياسات النقدية، طفق يحمل المسؤولية للمصارف التجارية، مع أنه المسؤول، ضمناً، عن ضبط أدائها النقدي، وتنظيم عمليات الإقراض وفق ضمانات صارمة تضمن إعادة الحقوق وسلامة دوران عجلة الاستثمار بمختلف مستوياته.
أما وزارة المالية، وهي رأس الحربة في إدارة موارد الدولة المختلفة، فتبدو عاجزة عن وضع تصور واضح للخروج من الأزمات الاقتصادية، أو تحسين، أو على الأقل لجم، غول التضخم المعيشي الذي يدفع ثمنه المواطن. ويزيد الأمر تعقيداً غياب وزارة التخطيط الاقتصادي، التي كان يمكن أن تضطلع برسم خارطة واضحة للمخارج الاقتصادية، بينما أصبح هذا القطاع الحيوي مجرد إدارة تابعة تعمل من داخل وزارة المالية، بدلاً من أن يكون دليلاً مرشداً لتقويم سياساتها.
إن معالجة الأزمة الاقتصادية لا تكون بمجرد تحميل الدولار مسؤولية كل ما أصاب حياة الناس، ولا بإلقاء المسؤولية بين مؤسسات الدولة، وإنما برؤية اقتصادية متكاملة، تضع الإنتاج في مقدمة الأولويات، وتضبط الإنفاق، وتحمي القوة الشرائية للمواطن، وتربط تمويل الحرب بقدرة الاقتصاد على الاحتمال.
فهل آن الأوان لأن تدرك الدولة أن ظهر البعير لا يُقصم بحملٍ واحد، وإنما بتراكم الأثقال، وأن الدولار، مهما كان أثره، ليس إلا واحداً من تلك الأثقال؟
والله من وراء القصد، وهو المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى