تقارير

منطقة آمنة لقرون.. كيف وصلت النوبة إلى هذا الواقع؟

لم تكن مناطق حلفا والسكوت والمحس ودنقلا، على امتداد تاريخها، مجرد تجمعات سكانية متجاورة، وإنما مجتمعات مستقرة عرفت الأمن والتماسك الاجتماعي والتعايش، وظلت أبواب بيوتها مفتوحة، وكان الناس يعرفون بعضهم بعضًا، وتحكم علاقاتهم منظومة عميقة من الروابط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تراكمت عبر أجيال طويلة.
لكن المشهد تغير بصورة مقلقة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع التوسع الكبير في نشاط التعدين الأهلي والعشوائي، وتدفق أعداد كبيرة من العاملين إلى مناطق كانت في الأصل قرى ومجتمعات ريفية محدودة السكان.
والسؤال هنا ليس ضد إنسان جاء يبحث عن رزقه، ولا ضد أي مجموعة سكانية بعينها، وإنما ضد وضع جديد تُرك بلا تنظيم كافٍ، حتى أصبحت مجتمعات كاملة تواجه تحديات أمنية واجتماعية وبيئية غير مسبوقة.
جبل البوم مثال واضح.
فما حدث فيه من اشتباكات وأعمال تخريب وإحراق مسجد لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حادثًا عابرًا ينتهي بانتهاء الاشتباك. فقد سبق للمنطقة أن شهدت توترات ومواجهات قبلية، كما تحدثت تقارير سابقة عن ضعف الوجود الشرطي وصعوبة الوصول إلى الخدمات والإجراءات الأمنية والقانونية.
لكن الأخطر أن ما يحدث في جبل البوم يعيد طرح سؤال أكبر يتعلق بمستقبل المجتمع المحلي كله.
كيف انتقلنا من مناطق عُرفت بالأمان لعقود وقرون، إلى مناطق أصبح فيها المواطن يفكر مرتين قبل أن يخرج من منزله أو يترك ممتلكاته دون حماية؟
جرائم قتل، سرقات، اعتداءات، نزاعات، عصابات، بلطجة، ومظاهر عنف بدأت تتكرر في محيط بعض مناطق التعدين. ودراسة أكاديمية تناولت آثار التعدين الأهلي في وحدة دلقو الإدارية رصدت بالفعل آثارًا اجتماعية وأمنية، وأشارت إلى جرائم مثل السرقة والقتل، إلى جانب آثار صحية وبيئية مرتبطة بالنشاط التعديني.
وهنا تظهر قضية أخرى أكثر حساسية: التغيير الديموغرافي الذي يصاحب التوسع غير المنظم في مناطق التعدين.
عندما تتحول منطقة ريفية محدودة السكان إلى تجمع ضخم للوافدين والعاملين والتجار ومقدمي الخدمات، من دون تخطيط عمراني وأمني وصحي واضح، فإن البنية الاجتماعية للمكان تتغير بالضرورة، وتظهر تحديات جديدة أمام المجتمع المحلي والدولة معًا.
المشكلة ليست في تنوع الناس، فالنوبة عرفت التعايش وقبول الآخر منذ زمن طويل، وإنما في غياب التنظيم وسيادة القانون والرقابة، وفي السماح بنمو تجمعات بشرية كبيرة في مناطق لا تتوافر فيها بالقدر الكافي الشرطة والخدمات الصحية والرقابة البيئية والبنية الأساسية.
والذهب هنا لا يأتي وحده.
معه تأتي الحاجة إلى المياه والطعام والنقل والسكن، وتأتي الأسواق، وتأتي حركة الأموال، وتأتي المنافسة على الأرض والموارد، ويكبر النشاط غير الرسمي، وفي غياب الدولة يمكن أن تتمدد معه الجرائم والنزاعات.
ثم هناك الخطر الذي لا يُرى بسهولة: المواد الكيميائية المستخدمة في عمليات استخلاص الذهب.
الزئبق والسيانيد وغيرهما من المواد الكيميائية المرتبطة بالتعدين الأهلي تشكل مخاطر حقيقية على صحة الإنسان والبيئة عندما تستخدم من دون رقابة وضوابط مناسبة. وتحذر الأمم المتحدة للبيئة من أن هذه المواد لا تهدد المعدّنين وحدهم، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى المجتمعات المحيطة والمياه والتربة والغذاء، فيما تؤكد منظمة الصحة العالمية خطورة التعرض للزئبق على الجهاز العصبي وأجهزة أخرى في الجسم.
وهذا يعني أن القضية لم تعد مجرد سؤال عن استخراج الذهب وبيعه.
القضية أصبحت سؤالًا عن من يدفع ثمن الذهب؟
هل يدفعه المعدّن بحياته داخل بئر منهارة؟
هل يدفعه المواطن بفقدان الأمان؟
هل تدفعه الأسرة بانتشار الجريمة؟
هل يدفعه النيل والأرض والزراعة والثروة السمكية ثمنًا للتلوث؟
وهل تدفعه الأجيال القادمة من خلال بيئة ملوثة وأرض مستنزفة ومجتمع فقد جزءًا من تماسكه؟
لقد شهدت مناطق التعدين في الولاية الشمالية بالفعل حوادث دامية؛ ففي أكتوبر 2025 وقعت مواجهات عنيفة في جبل البوم وأدت إلى إحراق مخيمات للمعدّنين، بينما شهد يوليو 2026 انهيار منجم في الولاية الشمالية أودى بحياة 15 معدّنًا.
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
إنها إشارات متكررة تقول إن استمرار الوضع الحالي دون معالجة جادة يمكن أن يقود إلى كوارث أكبر.
لذلك، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الدولة قبل غيرها.
نحن بحاجة إلى وقف التعدين العشوائي الذي يهدد المجتمعات المحلية، ووضع حد للتجمعات التعدينية غير المنظمة، وتقنين النشاط وفق شروط واضحة، وإعادة فرض الوجود الأمني والإداري، ومراقبة المواد الكيميائية المستخدمة، وحماية مصادر المياه والأراضي الزراعية، ووضع ضوابط واضحة لدخول مناطق التعدين والإقامة والعمل فيها.
كما أن من الضروري إجراء دراسات اجتماعية وأمنية وبيئية حقيقية حول آثار التعدين في حلفا والسكوت والمحس ودنقلا، بدل الاكتفاء بالنظر إلى الذهب باعتباره مصدرًا للإيرادات.
فالولاية الشمالية ليست مجرد منطقة غنية بالذهب.
إنها موطن لمجتمعات مستقرة، ولها تاريخ وهوية وبيئة وموارد وحق أصيل في أن تعيش آمنة على أرضها.
ومن حق المواطن النوبي أن يسأل:
أين الدولة؟
ومن يحمي المجتمع؟
ومن يحمي الأرض؟
ومن يحاسب من يهدد أمن الناس أو يلوث مواردهم؟
ما يحدث اليوم يجب أن يكون جرس إنذار.
قبل أن تتحول مناطق التعدين إلى بؤر دائمة للجريمة والنزاعات، وقبل أن يصبح فقدان الأمان أمرًا طبيعيًا في مجتمع عُرف تاريخيًا بالطمأنينة والتماسك.
أصحوا يا ناس..
فالذهب يمكن استخراجه، والخسائر المالية يمكن تعويضها، لكن إذا فقد المجتمع أمنه وتماسكه، وإذا تلوثت أرضه ومياهه، فاستعادة ما فُقد قد تكون أصعب بكثير.

زر الذهاب إلى الأعلى