الأعمدة

السودان.. من تغيير السلطة إلى إعادة إنتاجها!


كيف خرج السودان جزئياً من حكم المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من الباب، ثم عاد إلى المشهد عبر حكم الفرد، وبذات الجماعة، من نافذة جرى تحطيمها على رؤوس أصحابها، هي نافذة ثورة ديسمبر المجيدة؟
تلك الثورة التي ينعتها أعداؤها، ممن استهدفت نفوذهم وسلطتهم ومصالحهم، بأنها مصنوعة أو انقلاب وليست عملاً جماهيرياً أصيلاً، وفق ظنهم وهواهم، لم تكن في حقيقتها سوى تعبير عن تطلع شعب أنهكته سنوات الإنقاذ، وأراد أن يسترد حقه في دولة تقوم على المواطنة والعدل والمحاسبة.
غير أن البلاد، وبعد سبعة أعوام من ذلك التغيير في هرم المبنى القديم لنظام الإنقاذ، تبدو وكأنها أبقت على الجسد بكل أساساته الخربة وجدرانه المتآكلة، بينما تبدلت الواجهات وتغيرت الأسماء.
ولعلها، من دون أدنى مراء أو جدل، عادت إلى فرضية «اللا دولة» بالمعنى الاعتباري، حيث تغيب الدولة عن أداء دورها الكامل في البناء والتعمير، والنظر بعين الاعتبار إلى ترتيب أولويات المواطن المعيشية والخدمية.
لكنها، وبكل أسف، باتت تتبع غواية الدمار، بإيعاز من مشعلي الحرب والنافخين في نارها، بغض النظر عن هوياتهم أو المنطلقات التي يندفعون منها، ما داموا يرون في الحرب طريقاً إلى مصالحهم، وحلماً بمغانمها.
وهي مغانم لن يكون تحصيلها يسيراً في هذا المنعطف، بعد أن ضاقت فرص الكسب أمام أطرافها، التي باتت في مرحلة من توازن الضعف في مختلف الميادين العسكرية والسياسية، حتى لكأنها، في وصف بليغ، أصلعان يتعاركان حول مشط مكسور.
وفي هذه الأجواء، تنشط بعض الدوائر لتكريس حكم الفرد من جديد، في شخص الفريق البرهان، بصيغة حوار يُراد له أن يمنح شرعية لسلطة فقدت مشروعيتها السياسية منذ انقلابها، مع الدعم السريع، على حكومة قوى ثورة ديسمبر.
ومن البديهي أن الثورة، بوصفها تجربة سياسية وإنسانية، قد تصيب وقد تخطئ، وأن من حق الناس نقدها وتقويمها، لكن ليس من المنطق أن تكون معالجة أخطائها بتكريس سلطة فرد، أو الترويج لفرضية انتخابه زعيماً أوحداً.
فالواقع يقول إن حمل البلاد في المرحلة القادمة أثقل بكثير من أن يحمله كتف دكتاتور جديد، حتى لو أُسقطت عن ذلك الكتف نجوم بزته العسكرية.
إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج السلطة القديمة بوجوه جديدة، ولا إلى استبدال جماعة بحاكم فرد، وإنما يحتاج إلى دولة تسترد مؤسساتها، وتعيد بناء شرعيتها على أساس المواطنة، وتضع الحرب أوزارها، وتفتح الطريق أمام انتقال سياسي يشارك فيه السودانيون جميعاً.
فالمطلوب ليس تغيير رأس المبنى، بل إعادة بناء أساساته، وإلا ظل السودان يدور في الحلقة ذاتها: تغيير في الواجهة، وبقاء في الجوهر.
والله من وراء القصد، وهو المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى