الأعمدة

الساحر والقدم الملتوية: قصة التريفلا التي أرعبـت بارتيز وأبكت الفيزيائيين

#روما، رضوان علي الحسن
خلف خطوط التماس وضجيج المدرجات، تختبئ عبقرية كرة القدم في تفاصيل دقيقة، يمر عليها الكثيرون دون أن يلتفتوا، بينما يعتبرها فلاسفة اللعبة الفارق الأوحد بين مجرد هواية وبين خلود في ذاكرة المستديرة. في هذا التحقيق، نبحر معا في تاريخ إحدى أروع الحيل الفنية التي عرفتها كرة القدم، إنها مهارة “التريفلا” أو اللعب بوجه القدم الخارجي، تلك التي لم تكن قط مجرد بهرجة استعراضية، بل ظلت الحل العبقري حين تنفد كل الحلول التقليدية وتغلق جميع الأبواب التكتيكية.
البداية من شواطئ كوباكابانا إلى مختبرات باريس
إذا بحثنا في دفاتر تاريخ كأس العالم، نكتشف أن السحرة البرازيليين هم أول من صاغوا هذه اللمسة الماكرة. ففي مونديال السويد عام ثمانية وخمسين وتسعمائة وألف، كان الأسطورة ديدي يوزع هداياه التمريرية على زميله الشاب بيليه، مستخدما تلك الثلاثية الشهيرة من الأصابع، قبل أن يأتي ريفيلينو ليطورها ويحولها إلى رعب حقيقي يطارد المدافعين في كل ملعب.
غير أن المنعطف التاريخي الأهم، الذي نقل هذه المهارة من حدود الملاعب إلى داخل مختبرات الفيزياء، تجسد في ليلة صيفية باريسية عام سبعة وتسعين وتسعمائة وألف. في تلك الليلة، وقف المدافع البرازيلي روبيرتو كارلوس أمام حائط بشري فرنسي، ثم أطلق قذيفة بدت للوهلة الأولى وكأنها في طريقها إلى مدرجات ملعب فرنسا الدولي، لكنها انحرفت فجأة في الهواء بمسار لولبي مجنون، لتصدم الحارس فابيان بارتيز وتستقر في شباكه. هذه اللقطة وحدها أجبرت علماء الفيزياء في فرنسا، وبعد سنوات من الدراسة والتحليل، على الاعتراف بأن دوران الكرة السريع حول نفسها يخلق اختلافا في ضغط الهواء، مما يجبرها على سلوك مسار قوسي إعجازي، أطلقوا عليه لاحقا اسم تأثير ماغنوس.
جينات التريفلا في الدوريات الكبرى والكالتشيو
عندما ننتقل إلى الملاعب الأوروبية، وتحديدا إلى ملاعب القارة العجوز، نجد أن هذه اللمسة تحولت إلى عقيدة كروية راسخة لدى بعض النجوم. ففي ملاعب الدوري الإيطالي، الذي طالما عرف بغلق المساحات وبالصرامة التكتيكية القاسية، كانت التريفلا بمثابة المشرط الجراحي الذي يفكك شفرات الدفاع ويعيد تشكيلها. ولا يمكن لعشاق الكالتشيو أن ينسوا لمسات القيصر فرانز بيكنباور مع بايرن ميونخ، كما لا تنسى تمريرات المايسترو الإيطالي أندريا بيرلو، الذي كان يرسل كرات بمليمترات خانقة مستخدما وجه قدمه الخارجي، وكأنه يرسم لوحات فنية وسط الزحام الدفاعي.
وفي العصر الحديث، نصّب البرتغالي ريكاردو كواريزما نفسه ملكا متوجا على عرش هذه المهارة، حتى أنها أصبحت علامة تجارية مسجلة باسمه، ولعل هدفه في شباك إيران خلال مونديال روسيا ثمانية عشر وألفين يظل اللوحة الأبرز في مسيرته كلها. ومن كواريزما نمر إلى لوكا مودريتش في الدوري الإسباني، حيث أعاد هذا الأخير تعريف التمرير الحاسم بتلك الكرة السحرية التي أهداها لرودريغو ضد تشيلسي في دوري أبطال أوروبا، مبرهنا على أن الذهب لا يصدأ، وأن العبقرية تزداد بريقا كلما تقدم العمر وتعمقت الخبرة.
وحتى الملاعب العربية شهدت فصلا خاصا من هذا السحر، بريشة الفنان المصري محمد أبو تريكة، الذي أتقن توجيه اللعب وكسر الخطوط الدفاعية بتمريرات مباغتة بخارج القدم، تلك التمريرات التي وضعت مهاجمي النادي الأهلي ومنتخب الفراعنة في مواجهات مباشرة مع الشباك، بفضل دقتها المتناهية وحساسيتها المدهشة.
كيف يطوع السحرة مسار الكرة؟
خلف هذا المشهد البصري الممتع، يقف تكنيك بدني صارم، يبدأ من طريقة اقتراب اللاعب من الكرة. فعوضا عن الركض بزاوية منفرجة، يقترب المسدد في خط شبه مستقيم، ثم يضرب الكرة بالمنطقة الخارجية لمشط القدم، وتحديدا من قاعدة الإصبع الصغير إلى منتصف القدم. لكن السر الحقيقي يكمن في ضرب الربع السفلي الخارجي للكرة، مع سحب القدم إلى الأعلى وإلى الداخل في آن واحد، وهذه الحركة المركبة تمنح الكرة دوراناً مغزليا حادا يجعلها تغير اتجاهها في الأمتار الأخيرة، وتترك حراس المرمى في موقف المتفرج العاجز عن فهم ما جرى أمام عينيه.
واليوم، ونحن نتابع بزوغ فجر الجيل الجديد بقيادة الموهبة الإسبانية لامين يامال، يبدو واضحا أن إرث التريفلا لن يموت ولن يندثر. فبينما تتغير خطط المدربين وتتحول اللعبة إلى منظومات بدنية معقدة، يظل خارج القدم هو الملاذ الأخير لكل اللاعبين الذين يرفضون القوالب الجاهزة، ويصرون على منحنا كرة قدم حقيقية، نقية، وملهمة، كتلك التي صنعت أساطير الأمس وترسم ملامح أبطال الغد.

زر الذهاب إلى الأعلى