من سرّب ملف نيويورك تايمز وهل بدأت ترتيبات إزاحة البرهان
الجهة التي تقف خلف تسريب المواد التي استند إليها تحقيق نيويورك تايمز بشأن البرنامج المزعوم للأسلحة الكيميائية في الجيش السوداني قد تكون مفتاحاً لفهم صراع أوسع داخل معسكر الحرب نفسه

الجهة التي تقف خلف تسريب المواد التي استند إليها تحقيق نيويورك تايمز بشأن البرنامج المزعوم للأسلحة الكيميائية في الجيش السوداني قد تكون مفتاحاً لفهم صراع أوسع داخل معسكر الحرب نفسه. فالمعلومات غير المؤكدة المتداولة تشير إلى أن الاستخبارات المصرية هي التي سربت الملف إلى الصحيفة، وليس الاستخبارات الإسرائيلية، ولا الإمارات كما روّج بعض الإسلاميين.
الاشتباه في إسرائيل كان منطقياً بالنظر إلى طبيعة المعلومات وحجم الاختراق الذي يفترضه الوصول إلى مواد من داخل الجيش. فالدائرة القادرة على الوصول بهذا العمق إلى المؤسسة العسكرية السودانية تبدو محصورة أساساً في الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية والمصرية. أما فرضية الإمارات فتبدو أضعف، لأن مستوى اختراقها داخل الجيش لا يظهر بالمستوى نفسه، كما أن أي تعاون معها أصبح شديد الحساسية داخل المؤسسة العسكرية في ظل طبيعة الصراع القائم.
ويكتسب الاحتمال المصري وزناً إضافياً من توصيف نيويورك تايمز لمصدر المعلومات في تحقيقها بأنه وكالة استخبارات شرق أوسطية من دون تسميتها. هذا التوصيف يضع مصر وإسرائيل في مقدمة الاحتمالات، لكنه لا يفسر وحده لماذا يمكن أن تتحرك القاهرة في هذا الاتجاه. وهنا تدخل طبيعة علاقتها بالإسلاميين، إذ تتحدث معلومات عن توتر شديد بين الطرفين في وقت تختلف فيه حساباتهما حول البرهان ومستقبل السلطة.
القاهرة تعمل على إبقاء البرهان في موقعه ودعم خطه السياسي باعتباره حليفاً يحقق مصالحها ويمرر رؤيتها داخل السودان، بينما قد ترى دوائر إسلامية أن بقاءه لم يعد يخدم ترتيباتها المقبلة. ولذلك فإن التوتر بين المصريين والإسلاميين لا يبدو منفصلاً عن قضية التسريب، بل يمكن أن يكون جزءاً من الصراع نفسه حول من يحدد شكل المرحلة المقبلة ومن يحتفظ بالسيطرة على مركز السلطة.
جوهر الخلاف هنا ليس حول البرهان كشخص بقدر ما هو حول وظيفته السياسية في المرحلة المقبلة. القاهرة تحتاج إلى شريك يمكن التعامل معه داخل مؤسسة الدولة ويحافظ على مسار ينسجم مع مصالحها، بينما تنظر دوائر إسلامية إلى السلطة من زاوية مختلفة تقوم على ضمان استمرار نفوذها داخل مركز القرار. فإذا أصبح البرهان أقل قدرة على تحقيق هذا الهدف أو أكثر كلفة بسبب الضغوط والملفات المفتوحة ضده، فإن الانتقال إلى بديل أكثر انسجاماً مع ترتيباتها يصبح خياراً منطقياً داخل حساباتها.
ومن هذه الزاوية يصبح احتمال أن تكون معلومات قد خرجت من دوائر إسلامية ووصلت إلى المصريين أكثر قابلية للفهم. فتمرير مادة تضعف البرهان لا يعني وجود تحالف بين الطرفين، بل قد يعكس محاولة من الإسلاميين لاستخدام قناة قادرة على إيصال الضربة، حتى لو كانت هذه القناة نفسها تختلف معهم حول مصير البرهان. وبذلك يتحول التسريب من مجرد عملية استخباراتية إلى أداة داخل صراع سياسي على موقع الرجل ومستقبله.
هذه القراءة تفتح مباشرة على فرضية أوسع وهي أن الإسلاميين قد يكونون في مرحلة إعادة تقييم علاقتهم بالبرهان، وربما العمل على تحجيمه أو التخلص منه سياسياً. تحقيق بهذا الوزن وما يحمله من اتهامات يمكن أن يضرب مستقبل البرهان السياسي ويحوّله من واجهة مفيدة إلى عبء داخل ترتيبات المرحلة المقبلة.
أما رواية الدور الإماراتي فتواجه إشكالاً واضحاً. فإذا كانت أبوظبي تملك هذا الحجم من المعلومات منذ فترة، فإن استمرار صمتها طوال المواجهة مع الجيش يضعف فرضية أنها مصدر التسريب. هذا لا يسقط الاحتمال تماماً، لكنه يجعله أقل اتساقاً من فرضيات أخرى تملك قدرة أكبر على الوصول إلى هذا النوع من المواد.
وإذا كانت المسألة بالفعل تتجاوز إضعاف البرهان إلى البحث عن بديل له، فإن التحركات داخل القيادة العسكرية تصبح جزءاً أساسياً من الصورة. من هنا تكتسب زيارة ياسر العطا إلى تركيا أهميتها، لأن هناك معلومات تربطها بترتيبات للإحلال والإبدال داخل القيادة، وليس باعتبارها تحركاً منفصلاً عن الصراع الجاري حول البرهان.
وضع هذه المعلومات إلى جانب التسريب يجعل المسارين أكثر ترابطاً. من جهة، يظهر ملف قادر على تقويض مستقبل البرهان السياسي، ومن جهة أخرى تتحرك شخصية عسكرية نافذة مثل ياسر العطا في سياق يرتبط بإعادة ترتيب القيادة. هنا يصبح احتمال وجود عملية أوسع لإزاحة البرهان أكثر جدية، لأن الضغط على الرجل لا يأتي فقط من مضمون التحقيق، بل يتزامن مع مؤشرات تتصل بمن يمكن أن يشغل المساحة التي ستنشأ إذا تراجع موقعه.
بهذا المعنى، لا تبدو المسألة مجرد صراع على بقاء قائد أو خروجه، بل صراعاً على ملكية القرار داخل المعسكر نفسه. من يحدد اسم القائد المقبل يحدد عملياً شكل العلاقة مع الجيش، وحجم نفوذ الإسلاميين، ومساحة الحركة المصرية، وحدود أي ترتيبات سياسية لاحقة. لذلك فإن أي تغيير في موقع البرهان لن يكون تغييراً شخصياً، بل إعادة توزيع لمراكز القوة داخل السلطة.
الخط التحليلي في النهاية يقود إلى أن القضية قد تكون أكبر من معرفة من سلم الوثائق إلى نيويورك تايمز. ما يجري يمكن أن يكون جزءاً من إعادة ترتيب داخل معسكر الإسلاميين نفسه، تبدأ بتحجيم البرهان سياسياً، وتتقاطع مع صراعهم مع المصريين حول مستقبله، وتمتد إلى تحركات مرتبطة بالإحلال والإبدال داخل القيادة. بهذه القراءة يصبح التسريب وزيارة ياسر العطا مؤشرين في مسار واحد محتمل، عنوانه أن ترتيبات مرحلة ما بعد البرهان ربما بدأت بالفعل.



