
مجاهد بشري

لم تبدأ القصة في قاعدة عسكرية محصنة، ولم تنتهِ في مخزن ذخيرة بعيد عن السكان، فما تكشفه سلسلة من المستندات والشهادات والصور والمواد البصرية التي جرى فحصها وربطها زمنياً وجغرافياً، يضع برنامج تصنيع ذخائر الكلور المنسوب إلى الجيش السوداني أمام واحدة من أكثر مفارق الحرب قسوة، غاز كلور مخصص أصلاً لمعالجة مياه المدنيين يظهر في مسار برنامج عسكري، وموقع أُنشئ بأموال خيرية لإيواء الأيتام وأمهاتهم وتأهيلهم مهنياً يتحول، وفق الأدلة التي يستعرضها هذا التحقيق، إلى موقع لتصنيع ذخائر محملة بالغاز، بينما بقيت المدينة من حوله محتفظة بطبيعتها المدنية والإنسانية.
في الخامس من سبتمبر 2026، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تحقيقاً استند إلى ملف قدمته وكالة استخبارات شرق أوسطية، يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسالة صوتية، إلى جانب آلاف الرسائل النصية المنسوبة إلى ضباط سودانيين كبار، وبحسب الصحيفة، ترسم هذه المواد صورة لبرنامج سري بدأ خلال عام 2024 لتطوير وإنتاج ذخائر قائمة على الكلور، وتضمنت مخططات للقنابل ومراحل التصنيع والتجارب ومشكلات التسرب ومراسلات بشأن الإخفاء وإزالة الآثار، كما نشرت «واشنطن بوست» تحقيقاً منفصلاً حول المواد نفسها، وقالت إن خبراء استخبارات وأسلحة كيميائية وحقوق إنسان راجعوا أجزاء منها ورأوا أنها تقدم مؤشرات قوية ومتسقة مع وجود برنامج أسلحة كيميائية، مع التأكيد أن الإثبات الجنائي النهائي يتطلب الوصول المستقل إلى المواقع والأشخاص والمواد ذات الصلة. الجيش السوداني نفى الاتهامات، وقال إن الحديث عن امتلاكه أو استخدامه أسلحة كيميائية لا أساس له.
لكن وراء السؤال الكبير حول ما إذا كان الجيش قد صنع واستخدم سلاحاً كيميائياً، يوجد سؤال آخر ظل أقل ظهوراً، أين صُنعت هذه الذخائر؟
قاد تتبع الصور المنشورة ضمن الملف إلى مدينة الدامر، عاصمة ولاية نهر النيل، وتحديداً إلى مشروع مدني لا علاقة معلنة له بالمنشآت العسكرية، إلى مدينة الشيخة عائشة بنت حمد العطية لكفالة الأيتام، المعروفة باسم «رفقاء».
أُنشئت رفقاء بواسطة قطر الخيرية وافتُتحت عام 2017 كمشروع متكامل لرعاية الأيتام وأمهاتهم. وتوضح المصادر المنشورة وقت افتتاح المشروع أنه يضم نحو 200 وحدة سكنية، وأربع مدارس، وروضة، ومركزاً للتدريب المهني، وعيادة، ومسجداً، وسوقاً ومرافق للمياه والرياضة، وتظهر الصور الأرشيفية للمشروع مدينة مخططة بشوارع ومساكن ومدارس ومنشآت خدمية، تتوسطها مرافق أُنشئت لتوفير حياة مستقرة للأيتام وأسرهم، مادة صحفية منشورة في 21 أبريل 2017 توثق المشروع بالصور وتذكر صراحة وجود مركز التدريب المهني ضمن مكوناته.
ولم تتوقف الطبيعة المدنية للمدينة مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، ففي يوليو من العام نفسه، وثقت وكالة الأنباء القطرية توزيع قطر الخيرية مساعدات غذائية في مركز مدينة رفقاء بالدامر، ووصفتها بأنها المدينة التي أنشأتها المنظمة للأيتام وأسرهم، وبعد الفترة التي تشير المواد الاستخباراتية إلى وقوع التصنيع خلالها، نجد المدينة مرة أخرى في مارس 2025 تستضيف نشاطاً لقطر الخيرية لتوزيع السلال الرمضانية على أمهات الأيتام المكفولين، بحضور مسؤولين من حكومة ولاية نهر النيل ومحلية الدامر، وهذا التسلسل يؤكد أن رفقاء لم تتحول، بوصفها مدينة كاملة، إلى منشأة عسكرية مهجورة من السكان، وإنما استمرت منشأة مدنية وإنسانية مرتبطة بالأيتام وأسرهم.
لكن شيئاً مختلفاً حدث داخل المعهد الحرفي.
بحوزتي مستند رسمي صادر عن أمانة حكومة ولاية نهر النيل، مكتب الأمين العام، بتاريخ 22 مايو 2024، يحمل عنوان «قرية الأيتام (رفقاء)»، ويشير المستند إلى قرار مجلس الحكومة رقم 6/2024 الصادر بتاريخ 30 أبريل 2024، والقاضي باستبدال الطاقم العامل بقرية الأيتام من منسوبي الوزارات العاملين فيها.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب هو التمييز بين المعهد الحرفي والمدارس، فقد جاء فيه طلب استبدال جميع العاملين بمعهد رفقاء الحرفي بصورة عاجلة، بينما سمح ببقاء العاملين في المدارس حتى نهاية العام الدراسي.
لماذا كان إخراج أو استبدال العاملين في المعهد الحرفي «عاجلاً»، بينما أمكن الانتظار بالنسبة إلى المدارس؟
يكتسب السؤال أهميته من التوقيت، القرار الحكومي صدر في 30 أبريل، وخطاب تنفيذه الذي بحوزة التحقيق مؤرخ في 22 مايو 2024، وبعد أسابيع فقط، في يوليو 2024، تبدأ وفق الملف الذي نشرته «نيويورك تايمز» المراسلات المتعلقة بتطوير قنبلة تحتوي على غاز الكلور، ثم تظهر صور ومقاطع فيديو لما تصفه المواد بأنها ورشة لتجميع وتصنيع هذه الذخائر.
ويقول مصدر عسكري رفيع تحدثت إليه شريطة عدم الكشف عن هويته، وهو المصدر الذي قدم المستند، إن إخراج العاملين من المعهد لم يكن إجراءً إدارياً معزولاً، وإنما ارتبط بوضع المنشأة تحت تصرف الجيش، ويعرض التحقيق المستندات والشهادات والمواد الداعمة لهذه الرواية بصورة مستقلة؛ إذ إن خطاب 22 مايو نفسه يثبت قرار الاستبدال العاجل للعاملين، لكنه لا يذكر صراحة في نصه الجهة التي تسلمت المنشأة أو الغرض من ذلك.
ثم ظهرت الصور.
تظهر إحدى الصور المرتبطة بالملف صفوفاً من أجسام ذخائر أسطوانية داخل ورشة، وإلى الخلف أسطوانات صغيرة، بينما يكشف باب كبير مفتوح على الخارج جزءاً من البيئة المحيطة بالمبنى، وفي مواد أخرى تظهر مراحل مختلفة من العمل داخل ما يبدو أنه الموقع نفسه أو منشآت مرتبطة به: عمال يقومون باللحام والتجميع، أجسام ذخائر مصطفة، أسطوانات، معدات ورشة، ضواغط وأوعية كبيرة.
بدأ التحقيق بمقارنة هذه المواد بصور الأقمار الصناعية والصور الأرشيفية لمدينة رفقاء المنشورة قبل الحرب بسنوات، ولم تعتمد عملية تحديد الموقع على شهادة المصدر العسكري وحدها، بل على مواد مفتوحة يستطيع الآخرون الرجوع إليها بصورة مستقلة.
قاد التحليل إلى هنقر تابع للمعهد الحرفي داخل مجمع رفقاء.
وتستند المطابقة إلى تخطيط المجمع، وموقع المعهد بالنسبة إلى المسجد والملاعب وشبكة الطرق والمباني المحيطة، وشكل المنشآت واتجاهاتها، إضافة إلى المعالم المعمارية المميزة لرفقاء، ومن أبرزها الأبراج المستطيلة المرتفعة ذات الفتحات الرأسية التي تتكرر في تصميم مباني المشروع، والتي تظهر في الصور الأرشيفية المنشورة منذ عام 2017، كما تسمح فتحة الباب في إحدى صور الورشة بمقارنة خط النظر من داخل الهنقر بالمباني الواقعة أمامه في الموقع.
وبذلك لا يقوم تحديد الموقع على حقيقة أن «المباني متشابهة» فقط، وإنما على اجتماع مجموعة من العلاقات المكانية والمعمارية الثابتة: موقع الهنقر داخل المخطط، اتجاهه، المنشآت المقابلة له، الفراغات بينها، الطرق المحيطة، والخصائص المعمارية التي تظهر في المواد القديمة للمشروع.
وتقدم الصور الأرشيفية القديمة قيمة إثباتية إضافية؛ لأنها سبقت الحرب والاتهامات الحالية بسنوات، ولا علاقة لمصادرها بالملف الاستخباراتي أو بالمصدر العسكري الذي تحدث إلى التحقيق.
إذاً، أمامنا تسلسل يصعب تجاهل دلالته: قرار حكومي في نهاية أبريل 2024، أمر عاجل يتعلق بالعاملين في المعهد في مايو، ثم بداية البرنامج في يوليو، وفي المواد التي توثق التصنيع تظهر ورشة تقود عملية تحديدها الجغرافي إلى هنقر المعهد نفسه .. لكن قصة المكان ليست سوى نصف الحكاية،النصف الآخر يبدأ على بعد مئات الكيلومترات، في الخرطوم.
الكلور في هذه القصة لم يكن مادة غريبة عن السودان أو وجوده في المنشآت المدنية أمراً استثنائياً، فهو عنصر أساسي في معالجة مياه الشرب، وخلال الحرب، أصبحت المحافظة على تشغيل محطات المياه مسألة حياة أو موت في مدينة انهارت فيها الخدمات وانتشرت فيها الأمراض.
في مارس 2024، قالت اليونيسف إنها اشترت 1,550 أسطوانة من مادة معالجة المياه، هي غاز الكلور، لضمان استمرار إنتاج مياه الشرب في أنحاء الخرطوم، كما توثق سجلات المنظمة دعمها لمحطات المياه في الخرطوم بالكلور ومواد المعالجة، ومن بينها محطة المنارة، وهي واحدة من أهم منشآت المياه التي تخدم أعداداً ضخمة من السكان، لكن الملف الاستخباراتي يروي مساراً مختلفاً لبعض أسطوانات الكلور.
بحسب «نيويورك تايمز»، تتضمن المواد رسالة صوتية مؤرخة في أغسطس 2024 يُنسب فيها إلى المسؤول عن المشروع القول إن محطة المنارة لديها بعض تلك الأسطوانات، وإنهم أخذوها من هناك، وأبلغت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الصحيفة بأنها قدمت 30 أسطوانة غاز كلور للمحطة عام 2023، فيما قالت CARE إنها قدمت 35 أسطوانة في 2024 و2025، وأكدت اليونيسف للصحيفة تزويد ست محطات مياه في الخرطوم، بينها المنارة، بغاز الكلور خلال الفترة من 2023 إلى 2025.
وإذا أثبتت سجلات التوزيع والمستندات والشهادات مسار الأسطوانات المحددة، فإن المفارقة تصبح مروعة: حيث تصبح المسألة “مادة أُدخلت إلى البنية المدنية حتى يستطيع السكان شرب مياه آمنة، انتهت مكوناً في ذخيرة صُممت لنشر غاز خانق”.
وفق المواد التي نشرتها الصحيفتان، كان التصميم المقترح يجمع بين شحنة متفجرة وقرابة 15 كيلوغراماً من الغاز، وتشير الرسائل إلى أن الجمع بين الانفجار والغاز كان يحقق ما وصفه أصحاب المشروع بتأثير مزدوج، بينما توحي بعض المراسلات بأن الانفجار قد يساعد أيضاً في تقليل الآثار التي تكشف الطبيعة الكيميائية للذخيرة.
وفي 22 يوليو 2024، بحسب الملف، نُقلت نماذج أولية بطائرة شحن أنتونوف من مروي لإجراء تجربة في الصحراء، وتنسب المواد إلى المسؤول عن المشروع رسالة عقب التجربة يقول فيها إنها نجحت بالكامل وإن القنبلة أصابت الهدف وأطلقت الغاز، فيما جاءت استجابة ضابط آخر بالتشديد على السرية.
وبحلول أكتوبر، تتحدث المراسلات عن إنتاج يقارب 300 ذخيرة كيميائية، معظمها في مروي القريبة من مدينة الدامر، وتذكر «واشنطن بوست» أن الرسائل تشير إلى مخزون بلغ نحو 290 ذخيرة، وأن مواد أخرى قد تشير إلى استخدام عدد منها، مع بقاء حجم الاستخدام والمخزون الفعلي بحاجة إلى إثبات مستقل، غير أن تفصيلاً يبدو صغيراً في الملف يصبح بالغ الخطورة بعد تحديد موقع الورشة.
حسب المواد المنشورة، واجه المشروع مشكلات في احتواء الغاز، وحدثت تسربات أثناء عملية الإنتاج، وتشير إحدى الروايات إلى العثور على حشرات وعقارب نافقة داخل الهنقر بعد تسرب ليلي.
لو كان هذا هنقراً داخل قاعدة عسكرية نائية، لظل الأمر دليلاً على خطورة المشروع على العاملين فيه، لكن الموقع هو بالفعل هنقر معهد رفقاء الحرفي داخل مدينة الأيتام، و السؤال ً: من كان يعيش حوله عندما كان الغاز يتسرب؟
رفقاء ليست اسماً رمزياً لمنطقة صناعية، إنها مدينة بُنيت تحديداً للأيتام وأمهاتهم، مساكنها ومدارسها وروضتها ومسجدها وملاعبها ومعهدها الحرفي أجزاء من مشروع واحد.
وتظهر الأدلة والشهادات التي يعرضها التحقيق أن النشاط المدني داخل المدينة لم يتوقف لمجرد إخراج العاملين من المعهد، كما أن المصادر المفتوحة توثق استمرار الأنشطة الإنسانية المرتبطة بالأيتام وأسرهم داخل رفقاء أثناء الحرب، ثم توثق وجود أمهات الأيتام فيها مجدداً في مارس 2025.
إذاً لم يكن اختيار المكان، وفق الأدلة التي يستعرضها التحقيق، مجرد تحويل مبنى مدني إلى ورشة عسكرية، كان يعني وضع نشاط يتعامل مع غاز سام وذخائر ومتفجرات داخل مجمع مدني أُنشئ لحماية واحدة من أكثر الفئات هشاشة: الأطفال الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم الأرامل.
وهنا تتضاعف الأسئلة. من اتخذ قرار اختيار رفقاء؟ من طلب إخلاء المعهد؟ لماذا كانت هناك عجلة في إخراج العاملين منه في مايو 2024؟ من تسلم مفاتيحه؟ هل أُبلغت الجهة الخيرية التي أنشأته؟ هل عرفت السلطات المحلية طبيعة النشاط الذي يجري داخله؟ وهل أجري أي تقييم لخطر تخزين الكلور وتجميع الذخائر وسط السكان؟
والأهم: إذا كانت التسربات الواردة في مراسلات البرنامج قد حدثت داخل هذا الهنقر، فما مدى تعرض المدنيين المحيطين به للغاز؟وهنا تظهر الصورة الكاملة للقصة.
في طرفها الأول توجد محطات المياه. منشآت مدنية تحاول إبقاء مياه الشرب آمنة وسط حرب وكوليرا وانهيار للخدمات، وتصل إليها مواد معالجة المياه بدعم من منظمات إنسانية.
وفي الطرف الثاني توجد مدينة الأيتام، مشروع خيري بُني من أجل السكن والتعليم والرعاية والتأهيل المهني للأطفال وأمهاتهم.
وبين الطرفين، وفق الأدلة التي يستعرضها هذا التحقيق، يظهر البرنامج العسكري الكيمياوي.
فقد أخذ البرنامج مادة من بنية تحتية مخصصة لحماية حياة المدنيين، و استخدم منشأة أخرى أُنشئت لحماية الأيتام وأسرهم لتصنيع السلاح نفسه.
ماء المدنيين ومدينة الأيتام أصبحا، في هذه الحالة، طرفي سلسلة إمداد واحدة لبرنامج سلاح كيميائي.
وهذه تكشف أيضاً عن الطريقة التي يمكن بها لبرنامج محظور أن يختبئ داخل البنية المدنية: الكلور مادة ذات استخدام مدني مشروع وضروري؛ المعهد منشأة تعليمية؛ المدينة مشروع خيري؛ والهنقر في ظاهره ورشة تدريب مهني، كل عنصر منفرد يبدو مدنياً، لكن جمع المستندات والصور والمراسلات والشهادات وخطوط الإمداد هو الذي يكشف الوظيفة العسكرية.
وهذا يقود إلى المستوى الأعلى في سلسلة المسؤولية.
المواد التي نشرتها «نيويورك تايمز» تتضمن اتصالات تقول الصحيفة إنها تربط قائد الجيش عبد الفتاح البرهان مباشرة بالمسؤولين عن البرنامج، وبعد العقوبات الأمريكية المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية، تنسب المواد إلى البرهان أمراً بإزالة جميع الآثار، وتورد رداً يفيد بأن العملية كانت قد أُنجزت.
كما تظهر مفارقة أخرى: بحسب الملف، كان المسؤول المرتبط بالبرنامج نفسه ضمن دائرة تقديم المشورة للجنة التي شكلها البرهان للتحقيق في الاتهامات الأمريكية باستخدام الأسلحة الكيميائية، وأفاد تقرير أولي للجنة بعدم العثور على آثار، بينما ظلت النتيجة النهائية موضع متابعة.
البرهان والجيش ينفيان الاتهامات، والسودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، فيما قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن عدداً من الدول طلب توضيحات من السودان وإن العملية مستمرة.
لكن الأدلة الجديدة تجعل القضية تتجاوز السؤال القديم: هل استُخدم الكلور في هجوم معين؟
السؤال أصبح يتعلق بمنظومة كاملة: من طلب المواد؟ من صمم الذخيرة؟ من وفر المتفجرات؟ من اختار موقع التصنيع؟ من أمر بإخلاء المعهد؟ من أشرف على الاختبارات؟ أين خُزنت القنابل؟ من أصدر أوامر الاستخدام؟ ومن أمر بإزالة الآثار بعد انكشاف الملف؟
الحروب تحول المدارس إلى ملاجئ، والمصانع إلى مخازن، والمنازل إلى خطوط مواجهة، لكن رفقاء تحمل مفارقة مختلفة؛ لأن المكان لم يُبنَ أصلاً في سياق عادي ثم صادفته الحرب.
لقد بُني خصيصاً لمنح الأيتام وأمهاتهم مكاناً آمناً.
في الصور القديمة، تظهر الشوارع النظيفة والمنازل الصفراء والمدارس والروضة والمسجد والملاعب، ويظهر المعهد الحرفي كجزء من الفكرة نفسها: ألا يقتصر دعم الطفل اليتيم على الطعام والمسكن، وإنما يمتد إلى التعليم والتدريب الذي يمنحه مستقبلاً.
وبعد سبع سنوات، تقول الأدلة التي يعرضها هذا التحقيق إن هنقر ذلك المعهد أصبح جزءاً من قصة مختلفة تماماً: أجسام قنابل مصطفة على الأرض، لحام وتجميع، أسطوانات ومواد ومتفجرات، وبرنامج شديد السرية لإنتاج ذخائر محملة بغاز خانق.
ولهذا فإن قصة رفقاء لا تقع على هامش ملف الأسلحة الكيميائية السوداني. قد تكون واحدة من أكثر صفحاته كشفاً لطبيعته.
فإذا كانت الحرب قد دفعت برنامجاً عسكرياً إلى أخذ مادة من منشأة تحاول توفير مياه الشرب للمدنيين، ثم البحث عن مكان لإنتاج السلاح داخل منشأة بُنيت لتعليم الأيتام، فإن القضية لا تتعلق فقط بنوع السلاح الذي جرى تصنيعه.
إنها تتعلق أيضاً بمن دفع ثمن تصنيعه، ومن وُضع في دائرة الخطر كي يبقى سرياً.
وفي رفقاء، كان هؤلاء — وفق الأدلة التي ينشرها التحقيق — من المدنيين الذين كان يفترض أن تكون الحرب أبعد ما يمكن عنهم: الأيتام وأمهاتهم.



