الأعمدة

أثر الضرائب العامة على الناتج المحلي الإجمالي في مصر: مقاربة فقهية-اقتصادية موجزة

بقلم د/ حسام راضي أحمد عبد الباقي
لا يجوز في الفقه الضريبي المعاصر النظر إلى الضريبة العامة بوصفها أداة لتحصيل الإيرادات المالية لخزانة الدولة فحسب، بل ينبغي فهمها في إطار علاقتها الجدلية بالناتج المحلي الإجمالي باعتبارها متغيرًا ذا أثر مزدوج؛ فهي من جهة مصدر لتمويل الإنفاق العام الذي يسهم في دعم الطلب الكلي، ومن جهة أخرى تمثل عبئًا يقتطع من القدرة الاستهلاكية والاستثمارية للمكلفين، إذا تجاوزت الحد الأمثل الذي تناولته الأدبيات المالية في إطار منحنى لافر.
وتكشف الأرقام الرسمية عن جوهر الإشكالية البنيوية؛ فنسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي في مصر لم ترتفع سوى من 12.6% في السنة المالية 2015 إلى 12.7% في 2025، أي بزيادة لا تتجاوز عُشر نقطة مئوية خلال عقد كامل، رغم إصلاحات جوهرية شملت تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتوسيع القاعدة الضريبية، والتحول إلى الإقرارات الإلكترونية. وفي المقابل، نمت الحصيلة الاسمية بنسبة 17.5% خلال 2025-2026 لتبلغ 2.590 تريليون جنيه، بعد نمو بلغ نحو 36% في العام المالي السابق، مصحوبًا بفائض أولي بلغ 3.5% من الناتج، بينما لم يتجاوز نمو الناتج المحلي الحقيقي 4.5%. وتشير هذه الفجوة بين معدل نمو الحصيلة ومعدل نمو الناتج إلى أن جانبًا من الزيادة في الحصيلة قد ارتبط بعوامل اسمية، من بينها التضخم واتساع الوعاء النقدي وإعادة توزيع العبء داخل الاقتصاد القائم، وليس بالضرورة نتيجة لاتساع القاعدة الضريبية الفعلية وحده.
ومن حيث تركيب الحصيلة، تمثل ضريبة القيمة المضافة نحو 45% منها، تليها الضريبة على أرباح الشركات والأعمال بنسبة تقارب 27%، بينما يتوزع الباقي بين الرسوم الجمركية وضريبة الدخل الشخصي والرواتب. وهذا التركيب، الذي تستأثر فيه ضريبة الاستهلاك غير المباشرة بالحصة الأكبر، يحمل دلالة فقهية واقتصادية بالغة الأهمية؛ إذ قد يقع العبء الضريبي بصورة أكثر وضوحًا على الفئات محدودة الدخل التي تنفق الجزء الأكبر من دخولها على الاستهلاك، بما قد يؤدي إلى انكماش الطلب الاستهلاكي الخاص، الذي يمثل الركن الأكبر في تكوين الناتج المحلي المصري. ولا تزال النسبة الإجمالية للضرائب إلى الناتج، البالغة 12.2% بحسب صندوق النقد الدولي، دون المتوسط الدولي المقارن بفارق كبير، وهو ما دفع الصندوق إلى توقع حزمة من الإصلاحات ترفع الحصيلة بنحو نقطة مئوية إضافية.
ومن الناحية الفقهية، فإن التحليل السليم لا يكتفي برصد العلاقة الإحصائية المجردة بين معدل الضريبة ونمو الناتج، بل يوجب التمييز بين ثلاثة مستويات من الأثر. يتمثل المستوى الأول في الأثر المباشر، المتمثل في انكماش الدخل المتاح لدى المكلفين نتيجة الاقتطاع الضريبي، بما قد ينعكس على مستويات الاستهلاك والاستثمار. أما المستوى الثاني فهو الأثر غير المباشر، ويتمثل في توجيه الحصيلة نحو الإنفاق الحكومي، بحيث يتحدد الأثر الصافي وفقًا لطبيعة هذا الإنفاق وحجم معامل المضاعف المالي المرتبط به. ويتمثل المستوى الثالث في الأثر البنيوي الأعمق، الذي يظهر في تشوه القرار الاستثماري ذاته عندما تتحول الضريبة إلى عامل طارد للاستثمار بسبب عدم استقرار التشريع وتضخم أعباء الامتثال، وهو، في تقدير الباحث، أخطر على الناتج المحلي من معدل الضريبة الاسمي ذاته.
ويخلص هذا التحليل إلى أن جمود نسبة الضرائب إلى الناتج، رغم توالي الإصلاحات، يؤكد أن الفقه الضريبي المصري مطالب بتجاوز القياس الكمي المجرد للعلاقة بين الضريبة والناتج، والانتقال إلى بناء نموذج تفسيري أكثر شمولًا يراعي هيكل الاقتصاد غير الرسمي، الذي لا يزال يستوعب نسبة معتبرة من النشاط الاقتصادي خارج المظلة الضريبية.
ومن ثم، فإن توسيع القاعدة الضريبية أفقيًا، بدلًا من رفع المعدلات رأسيًا على الممولين الموجودين أصلًا داخل المنظومة، يبدو مسارًا أكثر ملاءمة لتحقيق زيادة مستدامة في الحصيلة الضريبية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حوافز الاستثمار والإنتاج. وتؤكد المقارنة مع نماذج الإصلاح في دول الجوار إمكانية رفع مستوى الالتزام الضريبي دون المساس بالضرورة بمعدلات الاستثمار الخاص، متى اقترنت الإصلاحات بتبسيط الإجراءات، وتحسين الإدارة الضريبية، وتوسيع نطاق الامتثال.

زر الذهاب إلى الأعلى