الأعمدة

حول كواليس مبادرة بورتسودان: صناعة الشرعية الزائفة وسط رماد الحرب في السودان

بقلم/ إيهاب الأمين

أثارت مبادرة الحوار السوداني السوداني التي دعمها قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان في أغسطس 2026 وما تبعها من تحركات لعقد حوار داخل السودان نقاشاً سياسياً حاداً في الأوساط السودانية والإقليمية وسط تباين واسع حول طبيعة المبادرة والأطراف التي تقف خلفها والهدف السياسي الحقيقي من إطلاقها في هذا التوقيت.
من الناحية الرسمية جرى تقديم المبادرة باعتبارها مساراً سودانياً مستقلاً يهدف إلى تهيئة الظروف لحوار شامل بين القوى السياسية والمدنية والمجتمعية بما يسهم في وقف الحرب ويمهد لتوافق وطني وفي 30 أغسطس 2026 أعلنت لجنة تهيئة الحوار السوداني عن نفسها في الخرطوم، وتضم 19 شخصية برئاسة رئيس جامعة الأحفاد قاسم بدري مؤكدة أنها تعمل بصورة مستقلة عن الحكومة وتسعى إلى بناء الثقة وتهيئة المناخ لحوار سوداني شامل لكن السياسة لا تُقرأ من البيانات الرسمية وحدها وإنما من طبيعة القوى التي تتحرك حول المبادرة ومن موازين القوة التي تحيط بها ومن الظروف التي يجري فيها الحوار فالتحركات التي سبقت الإعلان الرسمي عن اللجنة ارتبطت بمشاورات أجراها البرهان مع قوى سياسية ومدنية وأهلية بهدف تهيئة المناخ لعقد مؤتمر للحوار داخل السودان كما ناقش البرهان مع الكتلة الديمقراطية في يوليو 2026 إطلاق عملية سياسية شاملة تقوم على مسارين سياسي وأمني مع التأكيد على أن يكون الحل سودانياً سودانياً.
وهنا تطل الأسئلة الحقيقية فإذا كان الهدف هو إنتاج حوار سوداني شامل فهل البيئة الحالية تسمح فعلًا بحوار متكافئ ومستقل؟ وكيف يمكن ضمان مشاركة القوى السياسية والمدنية المختلفة في عملية تجري داخل مناطق تسيطر عليها إحدى جهتي الحرب؟ هذه ليست أسئلة شكلية لأن عدداُ من القوى المدنية المناهضة للحرب اعترض بالفعل على المبادرة بسبب طبيعة الإطار المقترح وتوقيته ومكانه فقد أعلن تحالف صمود رفضه المشاركة في الحوار بصيغته المطروحة مؤكداً أن أي عملية سياسية حقيقية يجب أن يكون هدفها المباشر إنهاء الحرب وأن تبدأ بهدنة ووقف لإطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية وحماية المدنيين. كما رفضت قوى إعلان المبادئ السوداني إلى جانب قوى مدنية وسياسية أخرى المبادرة بصيغتها الحالية معتبرة أن عقد حوار داخل مناطق سيطرة طرف واحد من طرفي الحرب ومن دون معالجة مسبقة للكارثة الإنسانية ووقف القتال لا يوفر الشروط اللازمة لعملية سلام حقيقية وفي اجتماع تشاوري عقد في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس 2026 شاركت قوى إعلان المبادئ وحزب المؤتمر الشعبي وحزب الأمة إلى جانب منظمات مجتمع مدني وشبكات نسوية وشبابية وشخصيات عامة وانتهى الاجتماع إلى وثيقة موقف مشتركة بشأن عملية السلام.
أما حزب الأمة القومي فموفقه مختلف لأن الحزب لم يعلن رفض مبدأ الحوار من حيث الأصل وإنما تحفظ على الترحيب الأفريقي بالمبادرة قبل اتضاح طبيعتها وإطارها وأهدافها والجهة التي ستتولى إعدادها وإدارتها ومعايير المشاركة وآليات اتخاذ القرار وكذلك صلتها المباشرة بالجهود الرامية إلى إنهاء الحرب. وفي الجانب الآخر رحبت الكتلة الديمقراطية من حيث المبدأ بالحوار السوداني لكنها لم تكن متفقة بالكامل مع صيغة لجنة تهيئة الحوار فقد أعلن رئيس قطاعها السياسي مني أركو مناوي لاحقًا أن الحوار المطروح في هذا التوقيت قد يساهم في دفع الطرف الآخر إلى إنشاء مسار سياسي منفصل في مناطق سيطرته محذراً من أن ذلك يمكن أن يقود إلى تكريس الانقسام كما انتقد فكرة أن تتولى شخصيات مستقلة إدارة حوار سياسي كبير مؤكداً أن القوى السياسية نفسها يجب أن تكون صاحبة الاختصاص في هذا الشأن. وهذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف أن المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد معسكر مؤيد للحوار ومعسكر رافض له فحتى داخل القوى التي تؤيد فكرة الحوار السوداني السوداني توجد خلافات حول من يديره وأين يعقد ومن يشارك فيه وما هي أجندته وما إذا كان ينبغي أن يكون مرتبطاً مباشرة بمسارات وقف الحرب والوساطة الإقليمية والدولية وهنا تبرز القضية الأخطر هل نحن أمام حوار يبحث عن إنهاء الحرب أم أمام عملية سياسية يجري بناؤها فوق نتائج الحرب وموازين القوى التي أفرزتها؟ فالحديث عن الحوار لا يمكن فصله عن السؤال الأكبر المتعلق بشكل الدولة السودانية بعد الحرب.. من سيحكم السودان؟.. ما شكل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية؟.. كيف ستتم إعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية؟.. ما مصير القوات والحركات المسلحة؟.. كيف ستوزع السلطة والثروة بين المركز والأقاليم؟.. كيف ستتم معالجة قضية العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات؟.. ومن سيملك القرار في ملف إعادة الإعمار؟
هذه هي القضايا الحقيقية التي ستظهر عاجلاً أو آجلاً على طاولة أي حوار جاد ولهذا فإن الخلاف بين القوى السودانية لا يدور فقط حول إيقاف الحرب وإنما يدور أيضًا حول السودان الذي سيولد بعد توقفها فالحركات المسلحة والقوى السياسية المتحالفة مع الجيش لديها حساباتها الخاصة بشأن ترتيبات ما بعد الحرب وموقعها في الدولة الجديدة ونصيب الأقاليم من السلطة والثروة ومستقبل الترتيبات الأمنية وفي المقابل توجد مخاوف لدى قوى أخرى من عودة نفوذ الإسلاميين وعناصر النظام السابق إلى مؤسسات الدولة أو من تحول الحرب إلى بوابة لإعادة إنتاج الحكم العسكري بصورة جديدة. وهكذا يصبح الحوار نفسه ساحة للصراع على شكل المستقبل أما الحديث عن وجود إجماع وطني حول المبادرة فهو يحتاج إلى قدر كبير من الحذر لأن الإجماع لا تصنعه المؤتمرات الصحفية ولا كثرة البيانات المؤيدة ولا الصور الجماعية ولا الحشود الإعلامية.
الإجماع الحقيقي لا يمكن أن يكون موجودًا بينما توجد قوى سياسية ومدنية كبيرة تعترض على إطار العملية وقوى أخرى تطالب بوقف الحرب أولاً وأطراف سياسية مؤيدة للحوار نفسها تختلف حول اللجنة وآليات عملها بل إن الحرب السودانية تحولت منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023 إلى صراع على الأرض وعلى الدولة وعلى الرواية السياسية في الوقت نفسه ولذلك أصبح الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من المعركة وكل طرف يحاول أن يقدم نفسه بوصفه ممثلًا للوطن والدولة والشرعية ويقدم خصومه بوصفهم أعداء للوطن أو أدوات للخارج وفي مثل هذه البيئة يصبح من السهل صناعة زخم جماهيري لا يعكس بالضرورة حجم التأييد الشعبي الحقيقي وهنا يمكن أن نفهم أهمية الحضور الإعلامي والسياسي المصاحب لأي عملية حوارية فإذا استطاعت سلطة الأمر الواقع أن تقدم نفسها باعتبارها الطرف الذي يرعى حواراً وطنياً واسعاً وتجمع حولها شخصيات سياسية وأهلية وإعلامية ومجتمعية فإنها تكون قد حققت مكسباً سياسياً حتى قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي فالشرعية السياسية لا تُنتج فقط من خلال الانتخابات أو الدساتير وإنما يمكن أن تُبنى أيضاً من خلال الصور والمبادرات والمؤتمرات والبيانات التي تقدم للرأي العام المحلي والخارجي باعتبارها دليلاً على وجود توافق وطني وهنا تكمن الخطورة فالانتقال من حوار سوداني إلى شرعية سودانية ليس خطوة تلقائية ولا يصبح أي مسار شرعياً لمجرد أنه يحمل اسم السودان فالسؤال يجب أن يكون من يمثل السودان في هذا الحوار؟ ومن يملك حق تحديد المشاركين؟ ومن يضع الأجندة؟ ومن يضمن استقلال العملية؟ ومن يراقب تنفيذ نتائجها؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان الحوار يمثل بداية حقيقية للخروج من الحرب أم يتحول إلى وسيلة لإدارة الأزمة وإعادة ترتيب السلطة في ظل استمرارها ولا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي للمبادرة فالعملية السياسية السودانية تجري بالتوازي مع جهود وساطة متعددة كما أن الآلية الخماسية والقوى الإقليمية والدولية تتابع تطورات المسار السياسي السوداني وقد رحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمبادرة لكنها شددت على مبادئ الملكية والقيادة السودانية للعملية السياسية ووحدة السودان وسيادته واستعادة الحكم المدني وضمان المشاركة الواسعة للقوى المدنية والسياسية والمجتمعية وهذا يعني أن شعار الحل السوداني ليس موضع خلاف في حد ذاته فالخلاف الحقيقي يتعلق بمن يملك تعريف هذا الحل ومن يضع قواعده وما إذا كان الحل السوداني سيكون نتاج توافق واسع أم نتاج موازين القوة التي فرضتها الحرب وفي هذه النقطة تحديداً تصبح المقارنة مع تجربة الحوار الوطني التي أطلقها نظام المخلوع عمر البشير عام 2015 مفيدة من زاوية سياسية، ليس باعتبار أن التجربتين متطابقتان وإنما لأن التاريخ السوداني يحمل تجارب عديدة جرى فيها استخدام الحوار كوسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي أكثر من كونه طريقًا لمعالجة جذور الأزمة.
والسودان لا يحتاج اليوم إلى حوار من أجل الحوار لكن السودان يحتاج إلى عملية سياسية حقيقية تبدأ من وقف الحرب وحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية وتضمن مشاركة القوى السياسية والمدنية والاجتماعية بصورة متوازنة وتضع ترتيبات واضحة للمرحلة الانتقالية وتناقش مستقبل الجيش والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية وتضع قضية العدالة الانتقالية في قلب العملية السياسية وتمنع إعادة إنتاج منظومة الاستبداد أو تحويل نتائج الحرب إلى أمر سياسي دائم.
أما إذا تحول الحوار إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على واقع عسكري قائم أو إلى منصة لتوزيع حصص السلطة بين القوى المتحالفة مع هذا الطرف أو ذاك فإن السودان لن يكون قد اقترب من السلام وإنما سيكون قد انتقل فقط من حرب البنادق إلى حرب جديدة على الشرعية وفي بلد أنهكته الحرب لا تكفي الكلمات الكبيرة ولا يكفي أن نقول إن الحوار سوداني ولا يكفي أن نقول إن الحل سوداني لأن السؤال الأهم هو أي سودانيين؟ ومن يملك حق الحديث باسمهم ومن يملك حق استبعادهم؟ ومن يقرر شكل السودان الذي سيأتي بعد الحرب؟ فالحوار الذي لا يقود إلى وقف الحرب قد يتحول إلى إدارة للحرب بأدوات سياسية والحوار الذي لا يضمن مشاركة حقيقية قد يتحول إلى منصة لإنتاج شرعية جديدة والحوار الذي يجري تحت سقف البنادق قد ينتهي ببناء سلطة جديدة فوق أنقاض الدولة القديمة وهنا تكمن المفارقة السودانية الكبرى فنحن لا نحتاج إلى مؤتمر آخر يتحدث عن السلام بقدر ما نحتاج إلى سلام يجعل المؤتمر ممكناً ولا نحتاج إلى شرعية تُصنع فوق رماد الحرب وإنما إلى دولة تستمد شرعيتها من شعبها فالفرق كبير بين صناعة السلام وصناعة الشرعية. والسودانيون الذين دفعوا ثمن هذه الحرب من أرواحهم وبيوتهم وأرزاقهم ونزوحهم لا يريدون سلطة جديدة تتحدث باسمهم بل يريدون فقط أن تتوقف البنادق.

زر الذهاب إلى الأعلى