الأعمدة

أنعودُ إلى الشوارع شاهرين هتافنا؟

محمد كندشة
أما بعدُ، ففي أعقاب انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، كنا – معشر الثوار الملتزمين بدوامات رسمية على شاكلتي – ننسلخ من مواقع العمل، ونلتحق بالمواكب عند مشارف الرابعة عصراً، وكانت يومئذٍ القوة الصلبة للثورة فتيةً دون العشرين، يحرثون ثغورها حرثاً، ويزحفون إلى “شروني”، وأدنى الغاية يومها حديقة القرشي.
وأما اليوم، فقد شبّ أولئك الفتية عن الطوق، وبلغوا مطلع الأحلام ومدارج الطموح، فمنهم من ولج أبواب الجامعات، ومنهم من راح يضرب في مناكب الأرض يبتغي عملاً يقيم به أوده، إذ يغدو الاعتماد على الأسرة بعد العشرين حرجاً ومَثلبةً لا تُحتمل.
وبمعزلٍ عن التحولات التي أعقبت حرب أبريل، وما استتبعها من تبدل المواقف وانقلاب الاصطفافات، فإن هذه الظروف مجتمعةً قد دفعت بجيل الثورة – ذاك الجيل الذي كان يزرع الرعب في قلوب العسكر – إلى مشارف الشيخوخة الثورية، حتى أمسى بعضهم لا يقوى على أن يرفع عقيرته بهتاف، وقد سُدّت حلوقهم بأكياس الماء، طوعاً وكرهاً.
وأما ثوار المعاش، من ساسة التنظيمات الذين احتكروا كابينة القيادة، وتحدثوا باسم الثورة وكالةً عنها في المحافل الدولية، فما هم إلا قاطرة تجر في الفراغ، إذ تعطلت مقطوراتها وانفرط عقدها وتشتت شملها.
والذي أوقن به يقيناً لا يخالطه شك، أن ثورة أخرى لا بد أن تتخلّق بدمٍ جديد، ووجوهٍ يانعةٍ غضة، لم تلفحها شمس “شروني” ولا هجير القصر والأربعين والبرلمان وشارع المطار والستين، بسواعد فارعة لم تُقعدها تقلبات المشهد وتقاطعاته.
فالثورة لا تموت، إنما هي جذوةٌ لا تخبو، وراياتٌ تُسلم من كفٍ إلى كف، ما دام العسكر متشبثين بكرسي السلطة، مستعصين على الخروج من كابينتها، متحالفين مع مدنيين انتهازيين، دأبهم في كل عصر وحين.

زر الذهاب إلى الأعلى