


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في بلدٍ أنهكته الحرب، وشرّد أبناءه من بيوتهم، وأغلقت مدارسه لمواسم كاملة، تخرج علينا وزارة المالية بابتكارٍ جديد لم يخطر على بال أشد الحكومات فشلاً في العالم: تسعير الأمل. فبدلاً من أن تكون معرفة نتيجة الشهادة الثانوية حقاً مكفولاً لكل أسرة سودانية دفعت الثمن غالياً طوال عام دراسي مضطرب، تحوّلت إلى سلعة لها سعر معلن: 8 آلاف جنيه لمعرفة “نجح الابن أم رسب”، و40 ألف جنيه إضافية إن أراد الأهل أن يعرفوا في أي مادة بالتحديد تعثر.
نعم، قرأتم صح. في السودان اليوم، لا يكفي أن يكون ابنك قد جلس للامتحان تحت ظروف نزوح وقصف وانقطاع كهرباء ومياه، بل عليك أن تدفع أيضاً لتعرف مصيره. القلق صار خدمة مدفوعة، والانتظار الذي عاشته الأسر شهوراً تحوّل، في اللحظة الحاسمة، إلى فاتورة.
” الرقم الذي يجب أن يُخجل كل مسؤول”
الحساب بسيط ومُرعب في آن واحد: نحو 565 ألف طالب جلسوا للامتحان هذا العام. لو دفع كل ولي أمر رسم الاستعلام الأساسي فقط (8 آلاف جنيه)، فإن خزينة الدولة تجني ما يزيد عن 4.5 مليار جنيه سوداني في أقل من ساعة واحدة. ساعة واحدة تكفي لتجميع مبلغ يفوق ميزانيات قطاعات خدمية كاملة في بعض الولايات لعام بأكمله.
وهذا الرقم يشمل فقط “الاستعلام البسيط”. فماذا لو أضفنا إليه الأسر التي اضطرت، من فرط قلقها على مستقبل أبنائها، إلى دفع الـ40 ألف جنيه الإضافية لمعرفة التفاصيل الكاملة؟ عندها لن نتحدث عن مليارات فحسب، بل عن مبلغ يقترب من تمويل مشروع تنموي متكامل، انتُزع بالكامل من جيوب مواطنين أنهكتهم الحرب أصلاً.
السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: أين تذهب هذه المليارات؟ ولماذا لم تُعلن الوزارة، ولو من باب الشفافية الدنيا، عن وجهة إنفاق هذا المبلغ الذي تجمّع في وقت قياسي؟
ضريبة على القلق، لا رسم إداري
هذا ليس رسماً إدارياً بسيطاً كما قد يحاول البعض تصويره، بل هو ضريبة مباشرة على القلق الإنساني. ضريبة يدفعها الأب وهو يترقب مصير ابنه بين النجاح والرسوب، فتُستغل أضعف لحظاته النفسية لانتزاع ما تبقى في جيبه. أي حكومة في العالم، مهما بلغت أزمتها المالية، تسمح لنفسها بأن تجعل من نتيجة امتحان أبنائها مصدر إيراد سريع وسهل؟
في الدول التي تحترم مواطنيها، التعليم حق أصيل، والحكومات تتنافس على تقديمه مجاناً أو بتكلفة رمزية لا تُذكر، لأن الاستثمار في التعليم هو استثمار في مستقبل الوطن نفسه، لا في ميزانية اللحظة. أما في السودان اليوم، فيبدو أن معادلة الأولويات قد انقلبت رأساً على عقب: التعليم آخر ما يُموَّل من الموازنة العامة، وأول ما يُفرض عليه “الجباية” حين تحتاج الخزينة لسيولة سريعة.
“جيل لم يذنب، ويُطالب بالدفع مرتين”
المفارقة الأكثر إيلاماً في هذه القصة أن هذه الرسوم تُفرض على جيلٍ لم يذنب في شيء. جيلٍ حُرم من الاستقرار، ودرس تحت وطأة القصف والنزوح المتكرر، وتنقّل بين مدرسة وأخرى بحثاً عن أي مكان آمن يكمل فيه عامه الدراسي، وربما فقد بعض أفراد أسرته أو منزله في الطريق. هذا الجيل دفع ثمن الحرب مرة بحرمانه من طفولة طبيعية، ويُطلب منه اليوم أن يدفع ثمناً ثانياً ليعرف نتيجة تعبه وصبره.
وليست أسر النازحين والمتضررين بمعزل عن هذا الظلم، بل هي في قلبه، إذ لا توجد أي إشارة إلى إعفاء استثنائي لهذه الفئات التي فقدت مصدر دخلها أصلاً بسبب الحرب. فكيف يُطلب من أسرة نازحة، تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة، أن تدبّر 8 أو 40 ألف جنيه فقط لمعرفة درجات ابنها؟
أين الشفافية؟ وأين البديل؟
لو كانت هذه الرسوم تُستخدم فعلاً لتطوير المنظومة التعليمية، لإصلاح المدارس المتضررة من الحرب، أو لدعم الكوادر التعليمية التي لم تتقاضَ رواتبها منذ أشهر، لكان بالإمكان تفهّم جزء من المنطق وراءها، ولو بتحفظ. لكن غياب أي إعلان رسمي عن وجهة هذه الأموال يحوّل الأمر من “رسم خدمة” إلى ما يشبه الجباية العشوائية، التي تُفرض لأن الدولة تستطيع فرضها، لا لأنها ضرورية أو عادلة.
كان بالإمكان، مثلاً، اعتماد نظام استعلام مجاني عبر الإنترنت كما تفعل أغلب الدول، أو على أقل تقدير فرض رسم رمزي لا يتجاوز بضع مئات من الجنيهات لتغطية تكلفة التشغيل الفعلية فقط، لا لتحقيق فائض مالي ضخم من محنة الطلاب وأسرهم.
” الأمل لا يُباع”
في النهاية، تبقى المسألة أبعد من مجرد رقم في موازنة أو رسم إداري عابر. إنها اختبار حقيقي لأولويات الدولة في أحلك ظروفها. فحين تُصبح معرفة مصير ابنك الدراسي مشروطة بقدرتك المالية، فإن الرسالة الضمنية واضحة: حتى الأمل، في هذا البلد، له سعر.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى مطروحاً، بصوتٍ عالٍ ومستمر، حتى يجد من يجيب عليه: كم من طالبٍ نجح في امتحانه، لكنه لم يستطع أن “يشتري” حقه في معرفة ذلك؟



