الأعمدة

شباب السودان.. فرصة لا ينبغي أن تضيع بعد الحرب

مجتبى ميرغني
بعد أن تضع الحرب أوزارها، لا تكون مهمة السودان مجرد إعادة بناء ما تهدم من مبانٍ وطرق ومؤسسات، وإنما إعادة بناء طريقة التفكير في إدارة الدولة نفسها.
ومن أهم الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم: أين الشباب من قيادة السودان في مرحلة ما بعد الحرب؟
السودان يمتلك جيلاً من الشباب ظل بعيداً عن مواقع القرار، لكنه في المقابل اكتسب تعليماً وخبرات وتجارب مختلفة، وبرزت خلال السنوات الأخيرة شخصيات شابة استطاعت أن تقدم قراءات وتحليلات للاقتصاد السوداني، وتطرح أفكاراً لمعالجة أزمات الإنتاج والتضخم وسعر الصرف والاستثمار وإدارة الموارد.
قد نختلف مع بعض هذه الأفكار، وقد تحتاج بعضها إلى مراجعة أو اختبار، لكن تجاهلها لمجرد أن أصحابها من الشباب سيكون خطأً لا ينبغي أن نرتكبه.
المعيار يجب أن يكون الفكرة والكفاءة والقدرة على الإنجاز، وليس العمر.
السودان بعد الحرب يحتاج إلى خبرة الأجيال السابقة، لكنه يحتاج أيضاً إلى دماء جديدة وعقول قادرة على التعامل مع اقتصاد مختلف وعالم يتغير بسرعة. ولذلك فإن المطلوب ليس إحلال الشباب محل أصحاب الخبرة، وإنما الجمع بين الخبرة والتجديد.
والسؤال الأهم: هل توجد إرادة سياسية حقيقية لمنح هؤلاء الشباب فرصة؟
فالبلاد لا تعاني من نقص الموارد فقط، بل تعاني بدرجة كبيرة من مشكلة الإدارة والقرار. لدينا إمكانات ضخمة في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعة، ولدينا عقول سودانية في الداخل والخارج، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نهضة يحتاج إلى سياسات مستقرة وقرار شجاع وإدارة كفؤة.
وهنا يمكن للشباب أن يكونوا جزءاً مهماً من الحل.
ليس المطلوب منحهم المناصب لمجرد أنهم شباب، وإنما إعطاء الكفاءات منهم فرصة حقيقية للعمل، ومنحها الصلاحيات، ثم محاسبتها على النتائج. فالتمكين الحقيقي لا يعني وظيفة بلا مسؤولية، وإنما فرصة مقرونة بالكفاءة والمساءلة.
كما أن السودان بحاجة إلى الاستفادة من شبابه الموجودين خارج البلاد. فالكثير منهم اكتسب خبرات في الاقتصاد والتكنولوجيا والإدارة وريادة الأعمال، ويمكن أن يتحولوا من طاقات مهاجرة إلى شركاء في إعادة بناء الوطن، سواء بالعودة أو الاستثمار أو نقل المعرفة والخبرة.
لكن النهضة لا تقوم على الاقتصاد وحده.
نحتاج أيضاً إلى إعادة الاعتبار للقيم في الحياة العامة. والدين، بما يحمله من قيم الأمانة والعدل والإتقان وتحمل المسؤولية، يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من مشروع بناء الإنسان والدولة.
فلا معنى لمكافحة الفساد من دون أمانة، ولا معنى للحديث عن العدالة من دون إنصاف، ولا يمكن بناء اقتصاد قوي إذا غابت الثقة والمسؤولية.
المطلوب إذن ليس شعارات دينية منفصلة عن الواقع، وإنما قيم دينية تتحول إلى سلوك في العمل والإدارة والاقتصاد والحياة اليومية.
السودان أمام فرصة تاريخية. فالحرب، رغم كل مآسيها، كشفت الكثير من نقاط الضعف التي يجب ألا نعيد إنتاجها.
وإذا كنا نريد سوداناً أفضل مما كان، فعلينا ألا نكتفي بإعادة المؤسسات القديمة إلى مواقعها، بل أن نعيد التفكير في طريقة إدارتها، وأن نفتح الأبواب أمام الكفاءات الشابة، وأن نستمع إلى الأفكار الجديدة، وأن نمنح أصحابها فرصة لإثبات قدرتهم.
الشباب ليسوا مجرد مستقبل السودان؛ بعضهم قادر على أن يكون جزءاً من قيادة حاضره.
وإذا توفرت الإرادة السياسية، واستند القرار إلى الكفاءة، واجتمعت الخبرة مع طاقة الشباب، والعلم مع القيم، والموارد مع حسن الإدارة، فإن السودان يستطيع أن يبدأ طريقاً مختلفاً.
السؤال في النهاية ليس: هل لدينا شباب قادرون على قيادة المرحلة المقبلة؟
بل: هل نحن مستعدون لمنحهم الفرصة؟

زر الذهاب إلى الأعلى