


إذا كان الحوار السوداني السوداني حوارا حقيقيا ، فلا ينبغي ان تكون هناك ملفات محرمة علي النقاش ، حتي تلك التي تثير الغضب والخلاف .
السؤال الذي يجب ألا يهرب منه الحوار السوداني ـ السوداني ليس فقط : هل نطبع أم لا نطبع ؟ بل السؤال الأعمق : هل العلاقات الخارجية للسودان ، ومن بينها علاقته بإسرائيل ، ستُبحث بعقل الدولة وموازين المصالح ، أم ستظل أسيرة الشعارات والانفعالات والتوظيف السياسي والديني ؟
في أكتوبر 2020م ، قال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إن العلاقة مع إسرائيل تصب في مصلحة السودان ، وربطها بما اعتبره من محفزات عودة البلاد إلى الخارطة الدولية ، مؤكداً أن الهدف الأول من قرار السلام هو السودان ومصلحته .
وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ذلك الموقف ، فإن السؤال الذي بقي مفتوحاً هو : هل خضع القرار آنذاك لنقاش سوداني عميق وشامل حول المصالح الوطنية والاستراتيجية والأمنية والاقتصادية والسياسية والدينية ؟ أم جرى التعامل معه باعتباره قراراً سياسياً فرضته لحظة سياسية محددة ؟
هل المطلوب من الدولة السودانية أن تتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الفقه السياسي التاريخي وحده ، أم بمنطق الدولة الحديثة التي توازن بين الدين والمصلحة والسيادة والأمن والاقتصاد والقانون الدولي ؟
أما قرار الدولة بإقامة علاقة مع دولة أخرى ، فيمكن أن يدخل ـ من حيث الأصل ـ في باب السياسة وتقدير المصالح والمفاسد ، بشرط ألا يصادم حكماً شرعياً قطعياً ، وألا يتحول إلى تفريط في الحقوق أو السيادة أو المصالح الوطنية .
وبالتالي ، فإن الحاكم أو الدولة لا ينبغي أن تقول فقط : « التطبيع لمصلحة السودان » ، كما لا ينبغي للمعارض أن يقول فقط: « التطبيع خيانة أو كفر أو حرام » من دون بيان علمي مؤصل .
الطرفان مطالبان بالدليل .
إذا كانت العلاقة تحقق للسودان مصلحة حقيقية ، فما هي ؟
وإذا كانت تضر السودان ، فما حجم الضرر ؟
وإذا كانت لها مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية ، فما مقابلها ؟
وإذا كانت لها كلفة على الأمن القومي أو الموقف السوداني من القضية الفلسطينية أو على علاقات السودان العربية والإفريقية والإسلامية ، فما حجم تلك الكلفة ؟
هنا يبدأ النقاش الحقيقي.
من يفتي في القضية ؟ الفقيه أم السياسي ؟
لا الفقيه وحده يستطيع أن يدير السياسة الخارجية ، ولا السياسي وحده يستطيع أن يحسم المسألة الشرعية .
المطلوب هو اجتماع الاثنين .
الفقيه يحدد الإطار الشرعي ، والسياسي يملك المعلومات المتعلقة بالمصلحة الوطنية والعلاقات الدولية ، وخبراء الاقتصاد والأمن والقانون الدولي يضعون أمام الدولة النتائج المحتملة .
ثم يأتي القرار .
فالسياسة الشرعية ليست مجرد شعار ديني ، كما أن « المصلحة الوطنية » ليست كلمة سحرية تُستخدم لتبرير أي قرار سياسي .
وهنا السؤال الأصعب أمام الحوار السوداني ـ السوداني
إذا كان السودان مقبلاً على حوار وطني جاد يبحث مستقبل الدولة وعلاقاتها الخارجية ، فلا ينبغي أن يخاف من فتح هذا الملف .
لا ملف إسرائيل ، ولا فلسطين ، ولا التطبيع ، ولا العلاقات العربية والإفريقية والدولية يجب أن تكون محرمة على النقاش .
بل يجب أن تُطرح جميعها على الطاولة ، بأوراقها ومعلوماتها ومصالحها ومخاطرها .
نحن لا نحتاج إلى حوار يكرر المواقف القديمة ، ولا إلي مفاضلة بين « مع التطبيع » و« ضده » قبل أن نعرف : ما الذي يريده السودان تحديداً من أي علاقة ؟
السودان ليس دولة تابعة لأحد ، ولا ينبغي أن يكون ورقة في صراع الآخرين .
فإذا كانت العلاقة مع إسرائيل تحقق مصلحة سودانية حقيقية ، فلتُعرض هذه المصالح بشفافية أمام الشعب .
وإذا كانت تضر بالأمن القومي أو الاقتصاد أو السيادة أو الموقف السوداني ، فليُكشف الضرر بالأرقام والحقائق .
أما أن يتحول الملف إلى تخوين ديني وسياسي متبادل ، فهذا ليس حواراً . ثم ماذا بعد ؟



