الأعمدة

شتان ما بين صحافة الوطن وإعلام السلطة!

(موطئ قلم)
محمد عبدالله برقاوي
ليست الصحافة مجرد مهنة تُمارس بالحبر والكلمات، ولا هي وظيفة يتحدد نجاح صاحبها بمقدار رضى السلطة عنه. فالصحافة، في جوهرها، موقف من الحقيقة، وانحياز إلى مصلحة الوطن، وحرص على أن يظل المواطن حاضرًا في حسابات الذين يحكمون.
ولعل من المفيد، ونحن نرى ما آلت إليه أحوال الصحافة والإعلام في بلادنا، أن نستعيد بعضًا من مواقف جيل سبقنا إلى بلاط صاحبة الجلالة، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين كنا في سني الشباب الباكر، نتعلم من أساطين الصحافة، ونراقب بإعجاب جرأة بعض الشباب الذين شقوا طريقهم إلى المواقع القيادية في مؤسسات صحفية كبرى، على قلتها وقوة صوتها.
كانت صحافة ذلك الزمان خاضعة، ضمنًا، لإشراف الاتحاد الاشتراكي السوداني، التنظيم السياسي الوحيد الحاكم في عهد مايو «نميري». وكانت السلطة قد صادرت وأممت قطاع الصحافة، ضمن إجراءات واسعة شملت مؤسسات وشركات ومصارف وطنية وأجنبية، تأصيلًا لمنهجها الاشتراكي في بداية عهدها، قبل أن تتقلب خلال أعوامها الستة عشر في اتجاهات فكرية وسياسية متعددة، حتى سقوطها بانتفاضة أبريل الشعبية عام 1985.
ومع ذلك، لم تكن تبعية الصحافة للسلطة تعني بالضرورة موت الضمير المهني لدى الصحفيين. فقد ظلت أقلام كثيرة قادرة على مواجهة السلطة متى رأت أن في ذلك مصلحة الوطن وخدمة الصالح العام، دون أن تستبدل الحقيقة بالنفاق، أو النقد بالتقريظ الكاذب.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: كيف استطاع صحفيون أن يرفعوا أصواتهم في ظل نظام شمولي، بينما يعجز بعض الإعلاميين اليوم عن قول كلمة حق في ظل واقع يرفع شعارات الحرية، لكنه لا يحتمل النقد؟
وليس هذا حكمًا على الجميع، ولا إنكارًا لما يواجهه الصحفيون من ضغوط ومخاطر، وإنما هو تذكير بأن كرامة المهنة لا تُقاس بمقدار المساحة التي تمنحها السلطة، بل بقدرة الصحفي على استخدام ما يتاح له من مساحة لخدمة الحقيقة.
وأذكر، في هذا السياق، أنه في عام 1973، إبان ما سُمي بثورة شعبان، حين تحرك الشارع احتجاجًا على زيادة سعر السكر، كتب الراحل الصحفي المخضرم، أستاذنا الفاتح التيجاني، رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير صحيفة «الأيام»، مقالًا جريئًا يحض فيه الرئيس جعفر نميري على التراجع عن القرار، نزولًا عند رغبة الشارع وتكريسًا لمصلحة المجتمع.
وحين عرض المقال على المسؤول عن قطاع الصحافة، الراحل الأستاذ بدر الدين سليمان، طلب منه عدم نشره، جبرًا لخاطر الرئيس وحفظًا لماء وجه النظام.
لكن الأستاذ الفاتح رفض الامتثال، ونشر افتتاحيته في عدد اليوم التالي. فغضب رئيس قطاع الصحافة، ووبخه، فما كان من رئيس التحرير إلا أن تمسك بموقفه، ووضع قلمه وغادر موقعه، متشرفًا بذلك الموقف التاريخي النبيل.
ثم جاء أستاذنا الراحل الكبير رحمي محمد سليمان، الذي حل محل الفاتح في رئاسة تحرير «الأيام»، ليضرب مثالًا آخر في احترام المهنة وكرامة القلم.
فقد كتب الدكتور جعفر محمد علي بخيت، الذي تولى لاحقًا الإشراف على قطاع الصحافة، مقالًا يلوم فيه صحافة السلطة، متهمًا الصحفيين بعدم الجرأة الكافية في انتقاد سياسات الدولة والسلطة الحاكمة وتنظيمها السياسي.
فرد عليه أستاذنا رحمي بمقال قوي، ختم به عهده برئاسة تحرير «الأيام»، مؤكدًا أن حرية الصحافة حق أصيل، وليست منحة من السلطة الحاكمة.
وختم مقاله بتشبيه بليغ، وهو يخاطب الدكتور بخيت، قائلًا إنك يا دكتور تطلب منا، في ظل تبعية الصحافة لسلطتكم الحاكمة، ما يُطلب من الذي يُلقى به في اليم مكتوفًا، ويُقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء!
ثم وضع قلمه، وغادر رئاسة التحرير، واتجه إلى الكتابة من منزله عبر الصحف المستقلة التي سُمح لها بالصدور في ظل تلك الظروف.
تلك ليست مجرد وقائع من تاريخ الصحافة السودانية، وإنما هي شهادة على أن الصحافة تستطيع، حتى في ظل القيود، أن تحتفظ بشيء من شرفها، إذا احتفظ أهلها بشيء من شجاعتهم.
أما اليوم، فإن الخطر لا يكمن فقط في أن تتحول الصحافة إلى لسان للسلطة، وإنما في أن يتحول بعض الصحفيين إلى مدافعين عن الخطأ، لا لأنهم يؤمنون به، بل لأنهم يرون في الدفاع عنه طريقًا إلى النجاة أو المكسب أو القرب من أصحاب النفوذ.
وهنا يصبح الفرق بين صحافة الوطن وإعلام السلطة فرقًا بين وظيفتين متناقضتين: صحافة ترى أن مهمتها مراقبة السلطة ومساءلتها، وإعلام يرى أن مهمته تبرير السلطة وتجميل أخطائها.
والأخطر من ذلك أن يتحول هذا التبرير إلى عادة، حتى يفقد الإعلام قدرته على التمييز بين مصلحة الوطن ومصلحة الحاكم، وبين النقد الذي يصحح المسار والنقد الذي يستهدف الهدم.
إن الوطن لا يحتاج إلى إعلام يصفق له في كل الأحوال، وإنما يحتاج إلى صحافة تقول له أين أخطأ، وكيف يمكن أن يصيب، وتضع مصلحة المواطن فوق اعتبارات السلطة والجماعة والمكاسب الشخصية.
فيا لها من مواقف حفظتها أسفار التاريخ الحديث، ويا لها من جسارة!
وحقًا، لكل زمان صحافة ورجال.
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى