
بقلم/ إيهاب الأمين
تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة فوضى عارمة حيث يتجلى التنمر الغريب ولغة الكراهية بشكل مخيف فعندما يطرح أحدنا رأياً سياسياً أو فكرياً فإن الطبيعي أن يواجه باختلاف في الرأي ونقاش هادف يدحض الفكرة بالحجة والبرهان لكننا نلاحظ انحرافاً خطيراً عن الموضوع المطروح حيث تتحول التعليقات إلى وابل من الإساءات الشخصية والاتهامات الجاهزة فيصبح الكاتب في نظر هؤلاء المنتقدين عميلاً أو مرتشياً أو غبياً وتنهال عليه الشتائم بلا حدود. هذا السلوك يطرح تساؤلاً كبيراً حول دوافع هذا الانحدار الأخلاقي والفكري.
قد يظن البعض أن هذا السلوك يعود فقط إلى غباء وعدم قدرة على النقاش الإيجابي المفيد أو إلى جهل مطبق وعدم معرفة بأسس الحوار أو ربما يكون مجرد سوء أخلاق وانحطاط في القيم ولكن الحقيقة أن هذه الظاهرة المعقدة تتجاوز هذه التفسيرات السطحية لتغوص في أبعاد نفسية وتقنية واجتماعية أعمق ومن أبرز هذه الأبعاد البعد النفسي المرتبط بالإحباط الداخلي والإسقاط فكثير من المتنمرين الرقميين يعانون من عقد نفسية وإحباطات متراكمة في حياتهم الواقعيةفيستخدمون الشاشة كدرع للجبن هم لا يهاجمون الفكرة لأنهم عاجزون عن فهمها بل يهاجمون الشخص ليتنفسوا عن غضبهم المكبوت وليشعروا شعوراً زائفاً بتفوق وهمي وهم يسقطون فشلهم الداخلي على الآخرين فيتحول النقاش إلى ثأر شخصي لا علاقة له بالموضوع الأصلي وهناك أيضاً البعد التقني والخوارزمي الذي يعزز هذا السلوك المشين فقد صممت منصات التواصل لتكافئ التفاعل بأي ثمن والخوارزميات تدفع المحتوى المثير للجدل والغضب إلى الواجهة والمستخدمون أصبحوا مدمنين على جرعات سريعة من الدوبامين الناتج عن الانتماء القبلي والهجوم على المخالف فالهدف لم يعد إقناع الطرف الآخر بل كسب رضا القطيع الرقمي والحصول على الإعجابات من خلال تأجيج المشاعر وتدمير سمعة المعارض ولا يمكننا إغفال البعد الاجتماعي المرتبط بثقافة الإلغاء وموت التفكير النقدي فالمجتمع الرقمي الحالي يقدس القطيع ويكفر الفرد وتصنيف الخصم كعميل أو غبي هو طريقة كسولة للهروب من عناء التفكير والتحليل فبدل أن يبذل الجهد في قراءة الموضوع وتفكيك أفكاره والرد عليه بمنطق سليم يختار المتنمر الطريق الأسهل وهو لصق تهمة جاهزة تشطب المخالف وتضمن له سكوتاً أو انسحاباً. إنها هيمنة الغريزة على العقل وسيطرة القطيع على الفرد ولا شك أن مواجهة هذا الوباء الرقمي تتطلب وعياً عميقاً بهذه الأبعاد المتشابكة فنحن بحاجة إلى استعادة إنسانيتنا وأخلاقيات الاختلاف قبل أن تتحول منصات التواصل إلى غابات رقمية لا تحكمها سوى قوانين الذئاب ويجب أن ندرك أن الإساءة للشخص لا تعكس إلا عجز المهاجم عن مواجهة الفكرة وأن الرقي بالحوار هو السبيل الوحيد لبناء مجتمعات واعية قادرة على تجاوز أوهامها ومواجهة تحدياتها بعقلانية وروية.



