






كتب :المستشار معاوية أبوالريش
حين يغترب الإنسان عن وطنه، تبقى السفارة بالنسبة له آخر خيط يربطه بجذوره، وآخر باب يطرقه حين تشتد به الحاجة إلى وثيقة، أو معاملة، أو حتى كلمة طيبة تُشعره أن الوطن لم ينسه. ومن هنا تكتسب السفارات أهمية تتجاوز حدود العمل الدبلوماسي التقليدي، لتتحول إلى جسر إنساني بين المواطن وبلده، وإلى مرآة تعكس صورة الدولة كاملة أمام أعين المقيمين والمراقبين على حد سواء.
وفي وقتٍ يشتكي فيه كثير من أبناء الجاليات السودانية حول العالم من تعقيد الإجراءات، وبطء الإنجاز، وسوء المعاملة في بعض سفارات بلادهم، تبرز سفارة جمهورية السودان لدى سلطنة عُمان كاستثناء مضيء، ونموذج يستحق أن يُروى ويُحتذى به في سائر بعثاتنا الدبلوماسية بالخارج.
“قبل وبعد: مقارنة لا بد منها”
لم يكن حال السفارة دائماً على هذا النحو المشرّف. فقد عانى أبناء الجالية السودانية في السلطنة، كغيرهم في دول أخرى، من فترات اتسمت بالتعقيد الإداري وتأخر إنجاز المعاملات، وهو ما ترك أثراً سلبياً في نفوس كثيرين كانوا يرون في “زيارة السفارة” عبئاً لا مفر منه أكثر منه حقاً مكفولاً.
غير أن المشهد تبدّل جذرياً بعد اعتماد سعادة السفير عصام الدين عوض أحمد متولي ممثلاً لجمهورية السودان لدى سلطنة عُمان. فمنذ توليه مهامه، شهد أداء السفارة نقلة نوعية لمسها كل سوداني وسودانية يقيمون في ربوع السلطنة، وتحوّلت المعاملات القنصلية من كابوس بيروقراطي معتاد إلى تجربة منظمة، سريعة، وإنسانية في آنٍ واحد.
“إنجاز بلا تعقيد”
من أبرز ملامح هذه النقلة أن المعاملات المدنية لم تعد تستغرق الأسابيع، ولم تعد تُواجَه بالتسويف أو التأجيل المتكرر، بل باتت السفارة تُنجز طلبات أبناء الجالية بسلاسة ووضوح، مع التزام واضح بالمواعيد والإجراءات. هذا التحول لم يكن مجرد تحسين شكلي، بل جاء نتيجة إدارة واعية أدركت أن كل معاملة تمس حياة إنسان، وأن التأخير فيها ليس مجرد تأخير إداري، بل تعطيل لمصالح حقيقية لأسر وأفراد يعتمدون على هذه الأوراق في تسيير شؤون حياتهم.
“احترام المواطن لا التعالي عليه”
ولعل ما يُحسب لطاقم السفارة، ولا يقل أهمية عن سرعة الإنجاز، هو أسلوب التعامل الراقي مع كل قادم إليها، بغض النظر عن مكانته الاجتماعية أو ظروفه المادية أو خلفيته. فالكرامة الإنسانية هنا ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تتجسد في نبرة الحديث، وفي الصبر على الأسئلة، وفي معاملة المراجع كصاحب حق لا كطالب معروف.
وهذا التحول في السلوك المؤسسي ينسحب بدوره على نفسية المواطن نفسه، فحين يشعر الإنسان بأنه يُحترم في بلد الاغتراب، وأن سفارة بلاده تقف إلى جانبه لا فوقه، يتعزز لديه الشعور بالانتماء، ويخفّ عنه وطأة الغربة ولو قليلاً.
“الأمانة عنوان المرحلة”
وسط بيئة تتطلب الدقة والمصداقية في كل خطوة، رسّخت السفارة قيمة الأمانة في التعامل مع أوراق ومصالح المواطنين، سواء في حفظ الوثائق، أو في الشفافية عند شرح الإجراءات، أو في عدم المماطلة بوعود لا تُنفَّذ. وهذه القيمة تحديداً هي التي تبني الثقة بين الجالية وممثليها الدبلوماسيين، وهي ثقة لا تُبنى بين ليلة وضحاها، بل تتراكم معاملة تلو أخرى، حتى تصبح سمعة راسخة يتناقلها الناس فيما بينهم.
“شهادة الجالية.. لا شهادة رسمية”
ما يمنح هذه التجربة مصداقيتها الحقيقية أنها لم تصدر عن جهة رسمية، ولا عن تقرير حكومي معدّ سلفاً، بل نبعت من أفواه السودانيين أنفسهم المقيمين في سلطنة عُمان، أولئك الذين اختبروا التجربة بأنفسهم، ووجدوا في هذه السفارة بيتاً ثانياً يُعينهم لا يُرهقهم، ومكاناً يشعرون فيه بأن الدولة لا تزال تذكرهم وتُعنى بأمرهم حتى وهم بعيدون عن أرضها.
وحين تتحول الإشادة من كونها خطاباً رسمياً إلى شهادة شعبية عفوية متناقلة بين أبناء الجالية، فإن ذلك يُعدّ أصدق مقياس لنجاح أي عمل دبلوماسي أو قنصلي.
“خلاصة القول”
تُثبت تجربة سفارة السودان في مسقط أن التميز ممكن، متى ما توفرت الإرادة الصادقة، والكفاءة الإدارية، والإخلاص في العمل الدبلوماسي والقنصلي. وهي تجربة تستحق أن تُدرس وتُعمَّم، لا أن تبقى استثناءً معزولاً وسط واقع مختلف في كثير من سفاراتنا الأخرى بالمهجر.
فتحية إجلال وتقدير لكل من ساهم في هذا الإنجاز، وعلى رأسهم سعادة السفير عصام الدين عوض أحمد متولي ، ولكل طاقم السفارة الذي أثبت بالفعل لا بالقول أن خدمة المواطن أمانة، وأن كرامته لا تُساوم عليها ظروف ولا تُؤجلها إجراءات. فهنيئاً لأبناء الجالية السودانية في عُمان بهذا الصرح الذي جعل من الغربة أقل وحشة، وأثبت أن “الوطن” يمكن أن يكون حاضراً حتى في أبعد بقاع الأرض.



