
عزام عبد الله
المشكلة ليست أن الدولار وصل إلى نحو 8400 جنيه، بل أن الاقتصاد السوداني أصبح ينتج طلباً متزايداً على الدولار من دون أن ينتج ما يكفي للحصول عليه. لذلك فإن انهيار الجنيه ليس مفاجأة، بل نتيجة مباشرة لمعادلة صنعتها الحرب وتزداد اختلالاً كلما طال أمدها.
دعوات الحكومة لعودة المواطنين تكشف جانباً من هذه المعادلة. عودة الناس تعني عودة الطلب على الغذاء والشراب والدواء والسلع الأساسية، وتزداد الاحتياجات بالنسبة إلى الأسر التي دُمرت منازلها وفقدت ممتلكاتها وتحتاج إلى شراء ما يمكّنها من استئناف حياتها.
في اقتصاد طبيعي، يمكن للإنتاج المحلي أن يمتص جانباً مهماً من هذا الطلب. لكن المصانع متوقفة، والإنتاج المحلي عاجز عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ولذلك تتحول العودة نفسها إلى طلب إضافي على السلع المستوردة، ومن ثم إلى طلب أكبر على الدولار.
في المقابل، لا توجد صادرات كافية لتوفير النقد الأجنبي الذي يحتاجه هذا الاستيراد. المورد المتاح هو الذهب، بينما تستهلك الحرب نفسها جانباً من الموارد في شراء السلاح وتغطية احتياجاتها. وهنا يكتمل الاختلال بين اقتصاد يحتاج إلى الدولار بوتيرة متصاعدة وقدرة محدودة على توفيره.
كان جانب من هذه الفجوة يُغطى بالأموال والدعم القادم من الخارج. لكن حتى هذه الوسادة لم يعد ممكناً افتراض استمرارها كما كانت. الحرب الإيرانية والضائقة التي تواجهها دول المنطقة أعادتا ترتيب الأولويات، حتى السعودية نفسها أصبحت منشغلة باحتياجاتها.
ولا تتعلق مشكلة الدعم الخارجي بتغير أولويات الدول وحده. فالفساد وغياب الحوكمة يجعلان الداعمين المحتملين أكثر تخوفاً من تقديم الأموال في ظل غياب ضمانات واضحة بشأن كيفية إدارتها واستخدامها. ويضاف إلى ذلك تذبذب مواقف البرهان وغياب رؤية واضحة لإدارة الدولة والحرب والاقتصاد، وهو ما يزيد تردد الداعمين ويضعف فرص الحصول على دعم خارجي مستقر.
لهذا فإن أزمة الجنيه ليست أزمة سعر صرف منفصلة عن الحرب. إنها واحدة من نتائجها المباشرة. ومنذ بداية الحرب حذرنا من أن الذين يموتون بسبب آثارها غير المباشرة، من المجاعات والانهيار الاقتصادي وتآكل قدرة الدولة على تلبية احتياجات الناس، قد يفوقون بعشرات الأضعاف الذين يموتون بالرصاص والدانات.
وصول الدولار إلى 8400، إذن، ليس هو الخبر الأخطر. الأخطر أن الأسباب التي دفعته إلى هذا المستوى ما تزال تعمل، ولا توجد داخل هذه المعادلة كما هي الآن قوة واضحة توقف التراجع. وما لم تحصل الحكومة على دعم خارجي عاجل، فإن انهيار الجنيه مرشح للاستمرار، والخطر بعد ذلك لن يكون مجرد ارتفاع جديد في سعر الدولار، بل الانزلاق نحو انهيار اقتصادي كامل.



