
محمد عثمان حضرة
🧭 في حضرة القرآن الكريم
📜لعل من أعجب ما يمكن أن يتأمله الإنسان في قصة بني إسرائيل…
أن الذين عبدوا العِجل لم يكونوا قومًا يجهلون الله، ولا قومًا لم يروا آياته، ولا قومًا عاشوا بعيدًا عن الأنبياء.
بل كانوا بني إسرائيل…
من ذرية نبي الله يعقوب عليه السلام، إسرائيل، ومن ذرية إسحاق وإبراهيم عليهما السلام.
وكان بينهم موسى وهارون عليهما السلام.
ورأوا بأعينهم من آيات الله ما لا يكاد يصدقه العقل‼️
رأوا البحر ينفلق.
ورأوا فرعون وجنوده يغرقون.
ورأوا نجاتهم.
وسمعوا كلام نبي الله موسى.
ومع ذلك…
بعد كل ذلك…
عَبَدَّ بعضهم عجلاً صنماً مصنوعاً من الذهب‼️
فكيف حدث هذا؟!
وكيف استطاع قومٌ بهذه المعرفة كلها أن ينحرفوا هذا الانحراف المبين؟!
🛑 هنا تكمن العبرة التي ينبغي ألا يغفل عنها أحد‼️
وجود الأنبياء بينهم لم يعصمهم.
وجود العلم لم يعصمهم.
معرفة الله لم تعصمهم.
رؤية المعجزات لم تعصمهم.
بل حتى انتسابهم إلى ذرية نبي كريم لم يعصمهم.
🤔فكيف يظن أحد أن جماعة بشرية معاصرة يمكن أن تكون معصومة من الخطأ لمجرد أن بين أعضائها علماء ومشايخ ودعاة ورجال دين؟!
🧐 ولننظر إلى السودان‼️
في السودان منذ زمن بعيد، تعظّم قطاعات واسعة من الناس المشايخ والعلماء وأهل الصلاح..
وهذا في أصله ليس عيبًا.
احترام العالم والصالح، والاستفادة من علمه، وتوقير أهل القرآن والدين، أمور كريمة..
ولكنَّ المشكلة تبدأ عندما يتحول ذلك الاحترام إلى تقديس…
والإتباع إلى طاعة عمياء…
ويصبح رضا الشيخ عند المريد أهم من رضا الله..‼️
🫵هنا..
يجب أن يعرف المُريد حقيقة لا ينبغي أن يغفل عنها:
رضا شيخك عنك لا يغني عنك من الله شيئًا.
فإذا أخطأ الشيخ…
فخطؤه عليه.
وإذا ضل العالم…
فضلاله عليه.
وإذا أخطأت الجماعة…
فلا يحمل الإسلام خطأها.
ولا يصبح الباطل حقًا لأن قائله شيخ.
ولا يصبح الحرام حلالًا لأن من أفتى به عالم.
ولا تصبح المعصية طاعة لأن الجماعة أمرت بها.
🛑 العبرة ليست باتباع الشيخ الفلاني أو العالم الفلتكاني‼️
العبرة باتباع الإسلام الحق الذي جاء به نبينا وحبيبنا محمد ﷺ.
فالشيخ يُتبع ما دام متبعًا للحق.
والعالم يُسمع له ما دام قوله قائمًا على الحق.
أما إذا خالف كتاب الله وسنة رسوله…
فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
🛑 قصة عبادة بني إسرائيل للعجل الصَّنَم تقدم لنا الدرس بصورة مذهلة‼️
كان بينهم نبي الله هارون عليه السلام.
وقد نهاهم عن عبادة العجل.
فقال لهم:
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.
ومع ذلك لم يستجيبوا.
إذن…
ليس كل من سمع العالم أطاعه.
وليس كل من انتسب إلى الدين ثبت على الحق.
وليس كل جماعة فيها علماء او حتي نبي تكون بالضرورة دوماً على الحقّ والصواب..
🛑 وهنا نصل إلى تلك الجماعة السياسية المسماة بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض في السودان.
هذه التيارات ضمت عبر تاريخها أعدادًا كبيرة من العلماء والمشايخ والمثقفين ورجال الدين، كما تشابكت في المشهد السوداني مع تيارات دينية وسياسية متعددة، من الحركة الإسلامية بمراحلها وانشقاقاتها، إلى جماعات سلفية، وإلى الطرق الصوفية، وإلى طوائف الأنصار والختمية وغيرها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
هل وجود العلماء والمشايخ داخل هذه الجماعات عصمها من الخطأ؟!
التاريخ السوداني نفسه يقدم أمثلة كثيرة على الخلافات والانقسامات والصراعات داخل التيارات الإسلامية المختلفة.
بل إن الحركة الإسلامية نفسها شهدت انشقاقات وصراعات سياسية وتنظيمية عميقة، وصلت في مرحلة من مراحلها إلى القطيعة بين الشيخ حسن الترابي والرئيس عمر البشير، ثم اعتقال الترابي وسجنه، واتهامه في قضايا بالغة الخطورة.
وهنا لا يهمنا الآن أن نحكم على طرف دون آخر…
بل المهم أن نفهم الدرس:
وجود العلماء داخل الجماعة لا يجعل الجماعة معصومة.
🛑 وهذه قاعدة عظيمة ينبغي أن تستقر في عقولنا:
الجماعة ليست هي الإسلام.
والحزب ليس هو الإسلام.
والشيخ ليس هو الإسلام.
والعالم ليس هو الإسلام.
والتنظيم ليس هو الإسلام.
🛑 الإسلام هو الإسلام.
يُقاس الناس والجماعات عليه…
ولا يُقاس الإسلام بهم.
‼️ وهذه نقطة خطيرة جدًا.
لأن بعض الناس إذا تربى داخل جماعة إسلامية، فإنه مع مرور الزمن قد يصل إلى مرحلة يرى فيها الإسلام من خلال جماعته… بدل أن يرى جماعته من خلال الإسلام.
فيصبح ما تقوله الجماعة هو الحق عنده.
وما تخالفه الجماعة يصبح موضع شك…
حتى ولو كان الدليل واضحًا أمامه.
وهنا تبدأ المشكلة.
🛑 فماذا يحدث عندما يصبح التنظيم أهم من الحق؟!
إذا أخطأ الشيخ…
دافعوا عنه.
وإذا أخطأت القيادة…
برروا لها.
وإذا ظلم التنظيم…
بحثوا عن مبررات الظلم.
وإذا كذب أحد قادته…
قالوا:
هذه سياسة.
وإذا غدر…
قالوا:
هذه حرب.
وإذا أُهدرت الدماء…
قالوا:
هؤلاء أعداء الإسلام.
وهكذا…
شيئًا فشيئًا…
يصبح التنظيم هو المعيار.
وتصبح الجماعة هي الحق.
ويصبح الشيخ هو المرجع النهائي.
🛑 وهنا يبدأ العِجّل في الظهور‼️
🧐 والعجل ليس بالضرورة تمثالًا من ذهب.
قد يكون شخصًا.
وقد يكون شيخًا.
وقد يكون قائدًا.
وقد يكون تنظيمًا.
وقد يكون حزبًا.
وقد تكون سلطة.
وقد تكون فكرة.
وقد تكون مصلحة.
فالعجل في صورته المعاصرة هو أن يتحول شيء من مخلوقات الله إلى مرجع لا يستطيع الإنسان مخالفته، ولو خالف الحق.
وهنا يصبح السؤال:
هل أتبع الحق لأن الله أمرني به؟!
أم أبحث عن الحق الذي يوافق جماعتي؟!
وهذه هي نقطة الخطر.
🛑 ولذلك فإن ظاهرة تعظيم المشايخ في السودان تحتاج إلى مراجعة هادئة وعميقة.
ليس المقصود الإساءة إلى المشايخ.
ولا الانتقاص من العلماء.
ولا إنكار فضل الصالحين.
ولكن المقصود أن يفهم المسلم:
أن الشيخ بشر.
قد يصيب…
وقد يخطئ.
وقد يعلم…
وقد يجهل.
وقد يهتدي…
وقد يضل.
وقد يضعف أمام السلطة.
وقد يضعف أمام المال.
وقد يضعف أمام الجماعة.
وقد يقع في فتنة السياسة.
ولهذا لا يجوز أن يقول المريد:
شيخي قال… وانتهى الأمر‼️
بل عليه أن يسأل:
أين الدليل؟
أين القرآن؟
أين سنة رسول الله ﷺ؟
وأين العدل؟
وأين الحق؟
🛑 لقد حذرنا رسول الله ﷺ من الفتن ومن دعاة الضلال.
وفي ذلك الحديث عن حذيفة رضي الله عنه، أخبر النبي ﷺ عن دعاة على أبواب جهنم، وأنهم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.
وهذا تحذير بالغ الخطورة:
فليس كل من تحدث باسم الإسلام داعيًا إلى الحق.
وليس كل من لبس ثوب العلم مأمونًا من الفتنة.
وليس كل من رفع شعار الدين يقود إلى الجنة.
ولهذا كان المسلم مطالبًا بأن يميز بين الحق وبين من يتحدث باسمه.
🛑 ومن أخطر ما رأيناه في السودان…
أن بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي دخلوا في مجال الفتوى السياسية بطريقة جعلت بعض الناس يسمعون خطابات تبرر الكذب أو الغدر أو الخيانة أو إهدار الدماء أو استحلال أموال وحقوق الخصوم.
وهنا يجب أن نتوقف‼️
لأن الإسلام لا يتغير بتغير المعركة.
الكذب لا يصبح حلالًا لأن الحرب اندلعت.
الغدر لا يصبح حلالًا لأن الخصم سيئ.
الخيانة لا تصبح طاعة لأن الجماعة أمرت بها.
والظلم لا يتحول إلى عدل لأن من وقع عليه الظلم خصم سياسي.
🛑 والأخطر من ذلك كله…
أن يصبح السعي إلى الصلح بين المسلمين جريمةً في نظر بعض الناس‼️
قال الله تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
لم يقل القرآن:
قاتلوا حتى يفنى أحد الطرفين.
بل قال:
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.
ثم قال:
﴿فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾.
فكيف يصبح الساعي إلى الصلح بين المسلمين موصومًا بالخيانة؟!
وكيف يصبح من يريد إيقاف الحرب وكف الدماء متهمًا بأنه ضد الدين وأنه محارب لله؟!!
هذه أسئلة ينبغي أن يجيب عنها العلماء بكتاب الله وسنة رسوله، لا بالشعارات التنظيمية والسياسية.
🧐 ورسول الله ﷺ صالح المشركين أنفسهم.
صالح قريش في الحديبية، وكانت قريش يومها على الشرك، وكانت في حالة حرب مع المسلمين.
ومع ذلك أبرم النبي ﷺ معها صلحًا.
وقال الله تعالى:
﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
فإذا كان الصلح قد وقع في سنة النبي ﷺ مع من كانوا يحاربون المسلمين…
فكيف يصبح مجرد السعي إلى وقف الحرب بين المسلمين خيانةً أو معصية؟!
إن الدعوة إلى الصلح لا تعني تبرئة مجرم.
ولا تعني إسقاط العدالة.
ولا تعني ترك الحقوق.
بل يمكن أن يكون الصلح وسيلةً لوقف الدماء، ثم تأتي العدالة والمحاسبة وفق القانون والشرع.
🛑 أما أن يقال إن جرائم طرف من أطراف الحرب تبرر استمرار الحرب بلا نهاية…
فهنا يجب أن نسأل:
هل الغاية الشرعية هي استمرار القتال إلى ما لا نهاية؟!
أم أن الغاية هي حفظ الدماء، ورد الظلم، وتحقيق العدل، ووقف الفتنة؟!
إن ارتكاب الدعم السريع لأي جريمة لا يجعل كل ما يفعله خصومه مباحًا.
كما أن جرائم أي طرف لا تسقط حق الشعب السوداني في أن يبحث عن السلام والعدل.
‼️ لا يجوز أن يتحول الدين إلى وقود للحرب.
ولا يجوز أن تتحول الفتوى إلى أداة سياسية.
ولا يجوز أن تصبح دماء السودانيين وسيلة لتحقيق مصالح الجماعات والتنظيمات.
🧭 ولنعد الآن مرة أخرى إلى قصة العجل..
أولئك الذين عبدوا العجل كانوا من ذرية نبي الله يعقوب.
وكان بينهم موسى وهارون.
ورأوا البحر ينفلق.
ورأوا فرعون يغرق.
وعرفوا الله.
وشاهدوا آياته.
ومع ذلك ضل بعضهم.
فإذا كان هذا قد حدث لقوم بهذه الصفات…
فكيف نطمئن نحن إلى أن جماعةً معاصرة لن تضل؟!
كيف نطمئن إلى أن حزبًا إسلاميًا لن ينحرف؟!
كيف نطمئن إلى أن شيخًا لن يخطئ؟!
كيف نطمئن إلى أن عالمًا لن يقع في فتنة السلطة؟!
كيف نطمئن إلى أن جماعةً لن تجعل التنظيم فوق الإسلام؟!
‼️ لا أحد معصوم من الخطأ بعد رسول الله ﷺ.
ولهذا…
لا تتبع جماعتك في معصية الله.
ولا تتبع شيخك في معصية الله.
ولا تتبع عالمك في معصية الله.
ولا تتبع حزبك في معصية الله.
ولا تجعل خوفك من مخالفة الجماعة أكبر من خوفك من مخالفة الله.
🛑 إن أخطر شيء يمكن أن يحدث للمسلم…
هو أن يتوقف عن سؤال نفسه:
هل هذا حق؟
ويستبدله بسؤال:
هل شيخنا قاله؟
ثم يتوقف عن السؤال:
هل هذا يرضي الله؟
ويستبدله بسؤال:
هل جماعتنا توافق عليه؟
عندها…
لا يعود الإنسان يبحث عن الحق.
بل يبحث عن تبرير موقف الجماعة.
وهنا…
يبدأ العجل من جديد‼️
🧭 في حضرة القرآن…
إننا لا نقرأ قصة بني إسرائيل لكي نحاكمهم فقط…
بل لكي نخاف على أنفسنا.
ولا نقول:
كيف عبدوا العجل؟!
بل نسأل:
ما هو العجل الذي يمكن أن نعبده نحن دون أن نشعر؟!
هل هو الشيخ؟!
هل هو الجماعة؟!
هل هو الحزب؟!
هل هو الزعيم؟!
هل هو السلطة؟!
هل هو المال؟!
هل هي المصلحة؟!
هل هو التعصب؟!
هل هو الخوف من مخالفة الناس؟!
🛑 العبرة ليست أن يكون لك شيخ أو أمير تتبعه..
العبرة أن يكون الشيخ نفسه تابعًا للحق.
🛑 العبرة ليست أن تكون لك جماعة إسلامية أو حزب إسلامي تنتمي إليه..
العبرة أن يكون الحزب او الجماعة نفسها خاضعة للإسلام.
🛑 العبرة ليست بكثرة العلماء داخل التنظيم..
العبرة بأن يكون العلماء ربانيين قادرين على قول الحق، ولو خالف التنظيم.
🛑 العبرة ليست بكثرة الشعارات الدينية.
العبرة بالعدل والصدق والأمانة والرحمة وحفظ الدماء والوفاء بالعهود.
الإسلام الذي جاء به نبينا محمد ﷺ…
أكبر من كل الجماعات.
وأكبر من كل الأحزاب.
وأكبر من كل الشيوخ.
وأكبر من كل العلماء.
وأكبر من كل التنظيمات.
🧭 في حضرة القرآن…
ربما يكون السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا أمامنا جميعًا:
هل نحن نتبع الإسلام لأننا نريد الحق؟
أم أننا نريد من الإسلام ما يبرر لنا ما قررناه سلفًا؟!
🧐🫵فإذا وصل الإنسان إلى المرحلة التي أصبح فيها يري الحق تابعًا للجماعة…
فليحذر..
لأن العجل قد لا يكون أمام عينيه…
ولكنه قد يكون في قلبه‼️
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 20 سبتمبر 2026



