
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
مثلما جرت العادة، درجت الجمعية العامة للأمم المتحدة على عقد جلساتها السنوية في سبتمبر من كل عام، وهي جلسات اعتاد ممثلو الدول الأعضاء في هذه المنظمة الأممية الجامعة أن يحرصوا فيها على مخاطبة ذلك الجمع على أعلى مستويات المسؤولية في بلادهم، لا سيما ممثلو الدول التي تعاني من الحروب أو الكوارث الطبيعية أو المشكلات السياسية، لعرض رؤية دولهم تجاه أزماتها، ومحاولة استقطاب الدعم أو التعاطف حيالها.
ولعل السلطة الحاكمة حالياً في السودان قد دأبت على المشاركة خلال سنوات الحرب، وفي كل مرة، على مستوى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق البرهان شخصياً، أو مرة على مستوى رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، حيث خاطبا ذلك المحفل، إما لشرح ملابسات الحرب الدائرة في البلاد منذ أبريل من العام 2023، أو بغرض عرض المبادرات التي ترى فيها الحكومة وجيشها مخرجاً من الأزمة.
غير أن جدوى تلك المخاطبات أو مردودها لم يثمر على أرض الواقع، ولم يبدل كثيراً من نظرة العالم تجاه الأزمة، بغير عبارات الأسف وتصنيف تداعيات هذه الكارثة بأنها من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث، دون أن يكون هناك تحرك جاد وملموس يمكن أن يُحسب لصالح جهود الحكومة في تلمس الحلول الناجعة لهذه المأساة، عبر تلك التحركات البطيئة الخطى والشحيحة المنفعة.
الآن تشير الأخبار إلى تسابق محموم سيطفو إلى سطح المشهد بين وفد القوى المدنية المنادي بوقف الحرب، ووفد الفريق البرهان الذي يمثل الطرف الحكومي في الحرب، سعياً للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة لهذا العام.
وإذا سلمنا جدلاً، وبحكم ما هو متوقع سلفاً، بطبيعة خطاب القوى المدنية إذا ما قُيّض لها صعود المنبر الدولي لمخاطبة العالم، فلن يكون خطابها خارجاً عن كل الذي ظلت تردده في المحافل المختلفة: دعوة إلى وقف الحرب، وتحريك مسارات الدعم الإنساني لضحاياها، والعمل على تخفيف معاناة ملايين السودانيين الذين أرهقتهم الحرب والتشرد والنزوح.
ولكن يبقى السؤال المعلّق ماثلاً حول: ما الذي سيقوله الفريق البرهان في جلسات هذا العام؟
وهو الذي حملت خطاباته في الأيام القليلة الماضية رسالتين؛ الأولى للداخل، عبر خطبة ألقاها في أحد المساجد، مؤكداً فيها المضي بإصرار في الحرب حتى القضاء على آخر معاقل ما وصفه بالتمرد.
ثم خاطب الخارج في الوقت ذاته، كما يبدو، عبر إحدى الكنائس، وهو يشجب ويندد بمآسي الحرب التي يقود فيها الجيش، ويحذر من تبعاتها، ويدعو إلى إحلال السلام بوصفه المنقذ للشعب السوداني الذي ذاق الأمرين خلال ما يناهز أربع سنوات من القتال والتشرد.
فهل سيذهب الرجل إلى الأمم المتحدة بنية الصدق في مخاطبة العالم، مؤكداً على فرضية السلام، أم سيخاطب القاعة الفسيحة والحضور بلغة عدم التراجع عن الحسم العسكري، تاركاً كرة الحيرة تتقافز على منصة المنظمة الأممية، لتعود الأزمة إلى مراوحة مكانها، ونعود نحن إلى ترديد مقولة:
وكأننا يا زيد لا رحنا ولا جئنا.
والله من وراء القصد.



