جلس “الوطن” يوما منهكا، يحتضن أبناءه تحت ظل شجرة ذابلة، ضربها التصحر كما ضربته أوجاعه. كانت الأرض حوله جرداء، والأشجار الباقية تئن تحت وطأة الجفاف. الفساد كان ريحا سموما تجتاح كل شيء، بينما السياسيون يرقصون في صخب، كأنهم سحرة الأساطير، يحاولون طمس الحقيقة تحت أقدامهم. كان “الوطن” يعلم أن الألم ليس فقط في الأرض، بل في قلوب أبنائه أيضا.
تنهد “الوطن” عميقا، وكأنه يخاطب أعماق جرحه:
“يا أبنائي، كم من السنين عشناها معا، وكم من الأزمات تتربص بنا كأنها قدر لا مفر منه. لم تكن الأوجاع كلها من الخارج، بل كانت بأيدي بعض أبنائنا هم من صنع كثيرا منها. ذواتنا استدعت الألم، وفتحت له أبوابها.”
أطرق “الشعب” رأسه، وكأنه يحاول أن يخفي دموعه، لكن أحدهم قال بشجاعة:
“نعرف ذلك، يا أبانا. نعلم أن أفعالهم تغذي الانقسامات، وأنهم غرسوا بيننا بذوراً هشّة. لكننا نحلم بوحدة تعيد إلينا ما فقدناه، وتسمو فوق هذه الهوية الضيقة.”
تصلبت ملامح “الوطن”، وكأن غضبه يحاول أن يتفلت، وقال بصوت مثقل:
“النخب كانت السبب. أو ربما كانت هي المرض بعينه. حملوا شعلة الفكر، لكنهم لم يروا في العالم إلا أنفسهم. كانوا غائبين عن وعيهم، لا يعالجون الأزمات إلا بتخبط وارتجال.”
هبت ريح ساخنة، كأنها جاءت لتُذكِّر “الشعب” بمأساته، فقال أحدهم:
“أما السياسيون، فقد أحبوا أنفسهم كما هام الشعراء بليلاهم. لكنهم لم يروا فيك إلا وسيلة لتحقيق غاياتهم، مهما كانت تلك الوسائل قبيحة ومشينة.”
كان “الوطن” كمن يحمل جبلا على كاهله، وأردف قائلا:
“والفساد، هذا الطوفان الأسود، كان ظلا يتبعهم أينما ذهبوا. تسلل إلى كل زاوية، كأنه الليل الذي لا يعرف الفجر. صار الفساد سلاحا في أيديهم، يحطم الإرادة، ويقتل القدرة على التغيير.”
أخذ الشعب نفسا عميقا، وحاول أن يخفف عن وطنه:
“لكننا نحبك يا وطن. نحبك كحب المثاليين للصورة. أنت بالنسبة لنا “ليلى”، لكنك لم تكن يوما امرأة، بل كنت فكرة. فكرة مثالية يصعب الوصول إليها وسط هذا الواقع الملوث بالمصالح.”
سقطت دمعة حارة من عيني “الوطن”، وكأنها تحمل وجعه كله، وقال:
“طرقتم أبواب التغيير. طرقتموها حتى تهالكت عزائمكم. ومع كل محاولة، كان الإحباط ينمو في نفوسكم، مثل زرع سقته يد الواقع المرير. وكما كان سيبويه حائرا من أمر “حتى”، ظللتم أنتم حائرين أمام أنانية النخب واستشراء الفساد.”
رد “الشعب”، وصوته يملؤه الأسى:
“سيبويه قالها: “أموت وفي نفسي شيء من حتى.” أما نحن، فقد أصبحت “حتى” ملاذنا. تارة ترفعنا لنحلم، وتارة تخفضنا لواقعنا المرير. هي العبث الذي يطاردنا كلما حاولنا الهروب.”
صمت “الوطن” طويلا، ثم رفع رأسه ونظر إلى الأفق البعيد. كانت الشمس تغرب خلف الجبال، تاركة خلفها وهجا أحمر كأنه دمعة أخيرة. قال بصوت هادئ لكنه حازم:
“لا تجعلوا “حتى” قيدا، يا أبنائي. إن كنتم قد عرفتم حيرتها، فاستخدموها لاجتياز هذا العبث. الحكاية لم تنته بعد، والريح وإن عصفت، لا بد أن تحمل معها يوما بذور الأمل.”



