


المعضلة الكبرى في السودان ليست في غياب الحوار السوداني ـ السوداني، ولا في صعوبة الاتفاق حول قضايا السلطة والثروة والعدالة والتنمية. هذه قضايا جوهرية، لكن قبل أن نجلس لتقسيم المستقبل، علينا أن نتوقف أمام سؤال أخطر: من المسؤول عن الكارثة التي أوصلت البلاد إلى هذه الحرب؟ من يحاسب الذين اوصلوا السودان إلي الكارثة ؟!
فالحرب لم تهبط على السودان فجأة، وإنما سبقتها قرارات سياسية وعسكرية وتشريعية صنعت واقعاً مختلاً داخل الدولة، ومن أخطرها منح قوات الدعم السريع وضعاً قانونياً وسياسياً وعسكرياً مكّنها من التمدد حتى أصبحت قوة موازية للقوات المسلحة، ذات نفوذ واسع في مواقع الدولة ومفاصلها.
وهنا لا بد من السؤال بلا مواربة: من اتخذ تلك القرارات؟ ومن منحها الغطاء؟ ومن تجاهل التحذيرات حتى انفجر الخطر حرباً؟
هذه ليست دعوة للانتقام، وإنما حق الشعب في معرفة المسؤولية ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون. فلا يجوز أن يتحول الحوار إلى وسيلة لمحو المسؤولية السياسية، ولا أن يعود من ساهم في صناعة الأزمة إلى المشهد السياسي وكأن شيئاً لم يحدث.
يا سعادة الرئيس البرهان.. «الغفلة» لا تكفي لتفسير الكارثة!
السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان..
إذا كانت «الغفلة» قد أسهمت في الوصول إلى هذه الكارثة، فإن حجم المأساة أكبر من أن يُختصر في توصيف عابر.
فقد كانت هناك تحذيرات وتقارير ومؤشرات، ومع ذلك استمر المسار الذي انتهى إلى حرب دفعت فاتورتها البلاد دماً ودماراً ونزوحاً ولجوءاً وانهياراً اقتصادياً واجتماعياً.
وأنتم، باعتباركم جزءاً من المكوّن العسكري الذي شارك في إدارة الدولة واتخاذ القرار خلال تلك المرحلة، تتحملون مسؤولية سياسية ومؤسسية عن القرارات التي كانت في نطاق سلطتكم، حتى مع اختلاف النيات والظروف.
المطلوب ليس جلد الذات، وإنما استخلاص الدرس: لا دولة بلا محاسبة، ولا انتقال حقيقي مع إعادة تدوير أسباب الكارثة.
وبعد استرداد الخرطوم.. ماذا بعد؟
بعد استرداد العاصمة وعودة مؤسسات الدولة، لا ينبغي أن ينتهي السؤال عند الانتصار العسكري.
السؤال الآن: ما شكل الدولة التي ستخرج من هذه الحرب؟
هل ستُسلَّم السلطة إلى مجلس مدني بمهام واضحة وسقف زمني محدد، ينتهي بانتخابات حرة ونزيهة؟
هل ستُعاد صياغة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية على أساس مؤسسي يمنع تكرار تجربة الجيوش الموازية؟
وهل ستُفتح ملفات المسؤولية عن الحرب والانتهاكات والقرارات التي قادت إلى الانهيار، بعيداً عن الانتقائية أو الحماية السياسية؟
فالشعب السوداني لا يريد أن يستبدل حرباً بحرب، ولا أن يستعيد العاصمة ثم يعيد إنتاج أسباب سقوط الدولة.
الحوار مطلوب، لكن الحوار بلا محاسبة يتحول إلى إعادة تدوير للأزمة.
والمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة دولة لا أشخاص، مؤسسات لا مراكز نفوذ، انتخابات لا تمديد، ومحاسبة لا حصانات سياسية.
فالانتصار العسكري الحقيقي يكتمل عندما يصبح السودان قادراً على بناء دولة تمنع تكرار الكارثة، لا دولة تنتظر الكارثة القادمة. ثم ماذا بعد !!!



