
كتب: المستشار معاوية أبوالريش
كثيرًا ما يظن الإنسان أن الابتلاء نقمة، وأنه علامة على غضب الله عليه أو بُعده عن رحمته، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير وأجمل. فالله سبحانه وتعالى لا يقدّر على عبده أمرًا إلا وفيه خير له، حتى وإن بدا في ظاهره ألمًا وحزنًا ودمعًا. فالحنين ابتلاء، والفراق ابتلاء، والمرض ابتلاء، والموت ابتلاء، وكل أمر يزعج النفس ويعكر صفو الحياة وينزل الدمع من العين، هو في حقيقته اختبار إلهي دقيق، يقيس فيه الله صدق إيمان عبده، وقوة يقينه، ومدى تعلّقه بربه في وقت الشدة كما في وقت الرخاء.
النعمة التي لا نراها لأننا مشغولون بما فقدناه
من أعظم أسباب الطمأنينة في هذه الحياة أن يلتفت الإنسان إلى ما بين يديه من نعم، لا إلى ما فاته أو ينقصه. فأنت تملك ما يفتقده غيرك، وأنت بخير بينما يتألم سواك، وأنت في صحة وعافية بينما يصارع آخرون المرض على أسرّة المستشفيات، وأنت تبتسم بينما يغرق كثيرون في بحار الحزن، ولديك عائلة تحتضنك وتؤويك بينما هناك من فقد هذا الدفء منذ نعومة أظفاره. إن نعم الله على الإنسان لا تُحصى ولا تُعد، مهما حاول جردها وعدّها، ولهذا كان أحرى بنا أن يكون لسان حالنا ومقالنا دومًا: الحمد لله على كل حال، في العسر كما في اليسر، وفي الضيق كما في الفرج.
الصبر.. عبادة تُؤدى والقلب ينزف
وحين يشتد الابتلاء ويطول أمد الانتظار، وتتعثر الأيام بالهموم، يجب أن يستقر في القلب يقين لا يتزعزع: أن تأخر الفرج ليس عجزًا من الله عن تحقيق مراد عبده، فهو سبحانه القادر على أن يبدّل الحال في طرفة عين، وما ذلك عليه بعزيز. غير أنه جل جلاله لا تخفى عليه دموع الراجين في جوف الليل، ولا زفرات المهمومين في خلواتهم، وهو سبحانه يحب من عباده أن يلحّوا عليه بالدعاء، وأن يتحلّوا بالصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع. ولذلك خصّ الله الصابرين بأجر لم يُعطه لغيرهم، فقال جل شأنه: “إني جزيتهم اليوم بما صبروا”، ولم يقل بما صلّوا، ولا بما صاموا، ولا بما تصدقوا، بل خصّ الصبر وحده بالذكر، لأنه أثقل العبادات وأعظمها أجرًا ، إذ هو عبادة تُؤدى والقلب ينزف وجعًا، والنفس تصارع الألم في صمت.
اختر بحكمة.. لمن تهب نفسك وعمرك
ومن وهب نفسه وجهده وسنوات عمره للدنيا وزينتها، لم تمنحه في نهاية المطاف إلا قطعة أرض ضيقة يُدفن فيها، ويُطوى فيها كل ما جمع وما بنى. أما من وهب نفسه لله، وسلّم أمره إليه، ووثق بحكمته في كل ما يقدّره، فإن الله يهبه في المقابل جنة عرضها السماوات والأرض، أُعدّت للمتقين الصابرين.
لا تنم وقلبك مثقل بالهم
وأخيرًا، إياك أن تأوي إلى فراشك وأنت مثقل بالهم أو منكسر بالحزن، فلك رب كريم رحيم، لا يُعجزه أن يفرّج كربك من أوسع الأبواب، ومن حيث لا تحتسب. وكل ما عليك أن تفعله في تلك اللحظة هو أن ترفع يديك، وتقول بصدق: يا رب.



