
د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
دائماً ما يتبادر إلى الأذهان استنتاج غير صحيح إطلاقاً، وهو أن حركة السودان الأخضر تقف ضد الأحزاب، أو ضد الحياة الحزبية، أو أنها تنادي بإلغاء الأحزاب في السودان.
وهذا استنتاج خاطئ تماماً.
فحركة السودان الأخضر ليست ضد الأحزاب، بل ترى أن التنظيمات السياسية والحزبية الراسخة تمثل إحدى ركائز الممارسة المدنية الديمقراطية، كما هو معروف في التجارب الديمقراطية حول العالم.
غير أن الدور الأساسي الذي تتبناه الحركة هو:
رفع الوعي، ونشر الثقافة الديمقراطية، والمساهمة في بناء مجتمع قادر على ممارسة الديمقراطية بصورة حقيقية تنعكس إيجاباً على الوطن والمواطن.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى فترة انتقالية نعمل خلالها على نشر الثقافة الديمقراطية، وترسيخ مفاهيمها الحقيقية في وجدان المجتمع، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات والمشاركة والمسؤولية ( العقد الاجتماعي الأخضر).
ما هو الحزب السياسي؟
حين نتساءل: ما هو الحزب السياسي؟
يمكن تعريف الحزب السياسي بأنه تنظيم مؤسسي ديمقراطي مستقر، يضم مجموعة من المواطنين الذين تتقارب رؤاهم الفكرية والسياسية والبرامجية، ويسعون إلى الوصول إلى السلطة بطرق سلمية وديمقراطية عبر صناديق الاقتراع، بهدف خدمة *الصالح العام* وتنفيذ برامج تنموية واقتصادية واجتماعية معلنة.
ولكن يبرز السؤال الجوهري:
هل ينطبق هذا التعريف على ما يُسمى مجازاً بـ«الأحزاب» في السودان؟
هنا نحتاج إلى وقفة نقدية صريحة.
وفق رؤيتنا، فإن معظم، إن لم يكن كل، التنظيمات السياسية السودانية، في واقعها التاريخي والراهن، لم تستوفِ شروط الحزب المؤسسي الديمقراطي؛ إذ ظلت أسيرة لزعامات تاريخية، أو لروابط طائفية وقبلية وجهوية، أو لشبكات من المصالح والنفوذ، مع ضعف واضح في الممارسة الديمقراطية الداخلية وتداول القيادة.
ومن أبرز علل الحياة السياسية في السودان، سواء في الأحزاب التقليدية أو العقائدية، ومن أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وما بينهما، ضعف الممارسة الديمقراطية الداخلية، وغياب الانتخابات الدورية، أو تحولها أحياناً إلى إجراءات شكلية، وتأثير المال والنفوذ، واستمرار القيادات لفترات طويلة، حتى إن بعضها استمر حتى الوفاة، بما يحد من فرص التجديد وظهور قيادات جديدة، وبالتالي الحداثة والتطور.
وفي بعض الحالات، تتحول العلاقة بين الحزب و«الزعيم» إلى علاقة شديدة الارتباط بشخص واحد، أو أسرة واحدة، أو مجموعة من الأصدقاء، حتى يبدو الحزب وكأنه ملكية سياسية خاصة، بدلاً من أن يكون مؤسسة ديمقراطية عامة تتداول فيها القيادة بصورة دورية ومنتظمة، وفق حد أقصى تنص عليه وثائق الحزب.
كما أن الصراعات الشخصية بين القيادات والزعامات وما يُسمّى بـ«الرموز» لعبت دوراً في إضعاف التنظيمات السياسية، وأسهمت في الانقسامات والتشظيات المتكررة؛ وهي انقسامات لا تكون دائماً نتيجة لخلافات فكرية أو برامجية حقيقية، بقدر ما ترتبط، في كثير من الأحيان، بتقاطعات شخصية، ومصالح، ونفوذ، وصراعات على القيادة.
ولأن الأحزاب جزء من المجتمع، فإن أزماتها لا تبقى داخلها، بل تنعكس على المجتمع والدولة.
وعندما تفتقد التنظيمات السياسية الممارسة الديمقراطية داخلها، يصبح من الصعب عليها أن تبني دولة ديمقراطية حقيقية ومستقرة.
وفاقد الشيء لا يعطيه.
ومن هنا تبدأ المشكلة الأكبر:
هل يمكن بناء دولة ديمقراطية بمؤسسات سياسية لا تمارس الديمقراطية داخل مؤسساتها؟
من أين تبدأ جذور الأزمة الحزبية التاريخية في السودان؟
في رؤيتنا، فإن أزمة الحياة السياسية السودانية ليست وليدة اللحظة، وإنما لها جذور تاريخية عميقة تعود إلى نشأة الحياة الحزبية نفسها، وإلى الظروف السياسية والاجتماعية التي تشكلت في ظلها التنظيمات الأولى.
فقد نشأت الأحزاب في بيئة استعمارية شديدة التعقيد، وتأثرت منذ بداياتها بالطائفية والإدارات الأهلية والطرق الصوفية والعلاقات الأسرية والجهوية، وبالتنافس بين النفوذين البريطاني والمصري، وهي عوامل تركت آثاراً عميقة على بنية الحياة السياسية السودانية.
كما نشأت عبر التاريخ شبكات من التحالفات والعلاقات المتداخلة بين الأحزاب والتنظيمات السياسية من جهة، والإدارات الأهلية والقبلية والرموز المجتمعية والأسر ذات التأثير والطرق الصوفية والجماعات الدينية من جهة أخرى، إلى جانب دوائر مرتبطة بالمال والأعمال. وقد أسهمت المصالح المشتركة وتداخل النفوذ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في استمرار بعض هذه الشبكات وتطورها عبر مراحل مختلفة من التاريخ السوداني.
ومؤخراً، أضيف إلى هذا المشهد فاعل جديد يتمثل في بعض التشكيلات والميليشيات المسلحة، التي تجاوز نشاطها، في بعض الحالات، المجال العسكري إلى مجالات اقتصادية وشبكات نفوذ ومصالح مختلفة. ومن بين ذلك ممارسة بعض الأنشطة الاقتصادية خارج الأطر القانونية والرقابية، بما في ذلك التعدين العشوائي، وتهريب المخدرات والاتجار غير المشروع، وما قد يصاحب هذه الأنشطة من استخدام مواد أو ممارسات ضارة بالبيئة والصحة العامة، فضلاً عن مقاومة الرقابة أو ضعف القدرة على فرضها في مناطق النفوذ المسلح.
وبذلك أصبح النفوذ في بعض الحالات مرتبطاً ليس بالقوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فحسب، وإنما أيضاً بالسيطرة على الموارد ومصادر الدخل، بما يضعف مؤسسات الدولة والرقابة القانونية، ويزيد من صعوبة بناء دولة مدنية مؤسسية تقوم على سيادة القانون وحماية الموارد والبيئة وتكافؤ الفرص.
وفي ظل هذه البيئة، ترسخت أحياناً ثقافة المحاباة والولاء، وبرزت مقولة «ده ولدنا» على حساب الكفاءة والمساواة، وامتدت آثار ذلك إلى مؤسسات الدولة والخدمة المدنية والعسكرية، بما أضعف مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، وولّد إحساساً بالغبن والظلم أسهم، بصورة أو بأخرى، في تفاقم الحروب والنزاعات والصراعات.
كما أن ارتباط بعض القوى السياسية تاريخياً بقوى أو دول خارجية، وتأثرها بمصادر تمويل ونفوذ خارجية، ظل يمثل تحدياً أمام استقلال القرار الوطني، خصوصاً عندما تتحول العلاقات الخارجية من تعاون يخدم المصالح الوطنية إلى أداة للتأثير في القرار الداخلي.
وهذه ليست دعوة إلى رفض العلاقات الدولية، وإنما إلى وضع المصلحة الوطنية واستقلال القرار السوداني فوق المصالح الحزبية والشخصية والخارجية.
هل الانقلابات العسكرية هي المسؤولة وحدها؟
غالباً ما يُطرح الانقلاب العسكري باعتباره أحد أهم أسباب تعطيل المسار الديمقراطي في السودان، وما ترتب على ذلك من اضطراب سياسي وتدهور اقتصادي واجتماعي، واتساع دوائر الفقر، حتى أصبح السودان، رغم ما يمتلكه من موارد وإمكانات كبيرة، وطناً طارداً لكثير من أبنائه. وهذا صحيح من حيث الأثر المباشر للانقلابات في تعطيل الحياة السياسية والمؤسسات الديمقراطية وإضعاف استمراريتها.
لكن السؤال الأعمق هو:
هل كانت المؤسسة العسكرية وحدها هي التي صنعت الانقلابات، أم أن القوى السياسية ساهمت في تمهيد الطريق إليها أو دعمها؟
لقد شهد التاريخ السوداني حالات تداخلت فيها أدوار المؤسسة العسكرية مع مواقف قوى سياسية ومدنية في أزمات تغيير السلطة، مع اختلاف الظروف والأطراف والأيديولوجيات من حالة إلى أخرى. ويبرز انقلاب 17 نوفمبر 1958 مثالاً تاريخياً مهماً على هذه العلاقة، كما أن انقلاب مايو 1969 ارتبط بظروف سياسية وصراعات حادة داخل النظام المدني آنذاك. أما انقلاب 30 يونيو 1989، فقد نفذته مجموعة من ضباط القوات المسلحة المنتمين إلى الجبهة الإسلامية القومية بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير، في إطار تنظيم وتخطيط الجبهة الإسلامية القومية بقيادة الدكتور حسن الترابي.
ومن هنا، فإن المشكلة لا يمكن اختزالها في العسكريين وحدهم.
فالانقلاب العسكري قد يكون نتيجةً لبيئة سياسية ومجتمعية تضعف فيها مكانة العمل المدني والمؤسسي، ويصبح اللجوء إلى المؤسسة العسكرية خياراً مطروحاً في معالجة الأزمات السياسية.
كما أن القوى السياسية التي تستدعي المؤسسة العسكرية إلى المجال السياسي لتحقيق مكاسب عاجلة قد تكتشف لاحقاً أن القوة التي استعانت بها أصبحت أقوى منها.
وتوجد في التاريخ السوداني شواهد على أن العلاقة بين بعض القوى السياسية والمؤسسة العسكرية لم تكن دائماً علاقة مواجهة أو فصل واضح بين المجالين. ومن أبرز الأمثلة ما ارتبط بانقلاب 17 نوفمبر 1958، وما ورد في شهادات وروايات تاريخية بشأن دور رئيس الوزراء آنذاك عبد الله خليل في العلاقة مع الجيش وتسليم السلطة إليه.
ولا يعني ذلك تحميل جميع القوى السياسية أو جميع القيادات المسؤولية عن الانقلابات، وإنما يشير إلى أن ظاهرة الانقلابات في السودان لا يمكن فهمها من خلال دور المؤسسة العسكرية وحدها، بل ينبغي أيضاً دراسة المواقف السياسية التي سبقت تلك الانقلابات، والظروف التي دفعت بعض القوى إلى النظر إلى التدخل العسكري باعتباره مخرجاً من أزماتها السياسية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من سؤال: من يحكم السودان؟*
إنه سؤال:
كيف نعيد بناء الثقافة التي تنتج الحكم نفسه؟
التربية والتعليم والثقافة: الجذر الأعمق للأزمة
ترى حركة السودان الأخضر أن أزمات السياسة والانقلابات ليست منفصلة عن أزمة التربية والتعليم والثقافة المجتمعية.
فعندما ينشأ الطفل على تقديس الضابط والرئيس والزعيم والرمز، بينما يُنظر إلى المعلم والمزارع والعامل والمنتج والمبدع نظرة أقل من مكانتهم الحقيقية في بناء المجتمع، فإننا نعيد إنتاج الاختلال نفسه جيلاً بعد جيل.
لقد أصبح من الضروري إعادة الاعتبار إلى العمل والإنتاج والعلم والبحث والإبداع، وإلى كل وظيفة تؤدي دوراً حقيقياً في بناء الدولة.
فالضابط له احترامه ودوره، كما أن المعلم له احترامه ودوره، والمزارع والمهندس والطبيب والعامل والباحث والمنتج لهم جميعاً أدوار أساسية لا تقوم الدولة الحديثة من دونها.
إن بناء الإنسان هو البداية.
ولهذا فإن إصلاح التربية والتعليم ليس ملفاً جانبياً في مشروع التغيير، بل هو جوهر عملية التغيير نفسها:
التغيير الإيجابي الانسيابي الإبداعي الأخضر.
الاتفاق الإطاري ومبادرة «نحو إسكات صوت البنادق»:
في خضم الأزمة السياسية السودانية، جاء الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022 ليطرح مساراً نحو انتقال مدني، وتضمن المسار قضايا من بينها إصلاح القطاع الأمني والعسكري ودمج القوات. وقد أكدت الأمم المتحدة أن إصلاح القطاع الأمني ودمج القوات كانا من القضايا الأساسية التي ظلت موضع خلاف في المرحلة التالية من العملية السياسية.
وقد اختلفت الآراء حول الاتفاق؛ فمن رأى فيه خطوة نحو معالجة الأزمة، ومن رأى أنه لم يعالج جذور المشكلة بالشكل الكافي، ومن حمّله مسؤوليات مختلفة في مسار الأحداث اللاحقة.
أما رؤية حركة السودان الأخضر فتنطلق من أن معالجة قضية السلاح لا ينبغي أن تبدأ فقط من سؤال:
كيف ندمج القوات؟
بل يجب أن تسبق ذلك أسئلة أعمق:
ما هي العقيدة العسكرية؟
وما هو دور المؤسسة العسكرية في الدولة؟
وما هي البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى حمل السلاح؟
وكيف نحول القوة البشرية التي تحمل السلاح من عنصر استنزاف إلى عنصر إنتاج وبناء؟
ومن هذا المنطلق، طرحت حركة السودان الأخضر مبادرة:
«نحو إسكات صوت البنادق»
انطلاقاً من رؤية ترى أن معالجة ظاهرة الميليشيات لا ينبغي أن تقوم على الحل الأمني وحده.
وكان المقترح أن يتم إدماج أفراد تلك المجموعات في مسارات إنتاجية وتنموية، من خلال الجمعيات التعاونية الإنتاجية، ومنح الأراضي الزراعية، وتوفير المعدات والآليات البسيطة للصناعات التحويلية، والتدريب، وإنشاء مساكن لائقة مع الخدمات اللازمة للحياة الأسرية الكريمة.
والفكرة الأساسية هي تحويل الدعم الدولي من مسار الاستهلاك والإغاثة العابرة إلى مسار الإنتاج الحقيقي:
” الدعم الإنتاجي بدلاً عن الدعم الاستهلاكي.”
فالسلام لا يتحقق بمجرد إسكات البندقية أو دمج حاملها في مؤسسة مسلحة؛ وإنما يحتاج إلى بديل اقتصادي واجتماعي يجعل الحياة المنتجة أكثر جدوى من الحرب.
فالفرد الذي نُدربه على الزراعة، ونمنحه أرضاً ووسائل إنتاج، ونوفر له سكناً كريماً ومدرسة لأطفاله، نكون قد فتحنا أمامه طريقاً مختلفاً عن طريق الحرب والخراب والتبعية لأمراء الحروب.
وهذا، في نظر الحركة، ليس مجرد إنفاق على السلام، بل
استثمار في السلام والتنمية وزيادة الدخل القومي.
أزمة التربية والتعليم والمجتمع القبلي:
إن الأمراض التي أصابت الأحزاب والمجتمع تقودنا إلى جذور أعمق تتمثل في أزمة التربية والتعليم والثقافة المجتمعية.
فالتربية السائدة، في كثير من الأحيان، تنشئ الفرد على تقديس الضابط والزعيم والرئيس والرمز المجتمعي، ضمن مجتمع تقليدي أبوي تتداخل فيه السلطوية مع النفوذ القبلي والاجتماعي والاقتصادي.
وفي المقابل، طال التهميش دور المعلم ورسالته، وتراجعت مكانة المنتج والمزارع والعامل والمبدع والباحث، في الوقت الذي ارتفعت فيه مكانة السلاح والنفوذ والسلطة.
بدلاً من أن يُربى الطفل على أن المعلم هو أحد بناة الأجيال، وأن المزارع والمنتج والعامل والعالم والباحث جميعهم شركاء في بناء الوطن، يُزرع في وجدانه أحياناً أن صاحب القوة أو النفوذ هو الأعلى مكانة.
وهذا خلل في منظومة القيم نفسها، ولا يمكن بناء دولة حديثة مع استمرار هذا الخلل.
إن تربية وتعليم وتنشئة المدنيين والعسكريين معاً، وعلى قدم المساواة، على احترام العمل والزمن والإنتاج والعلم والقانون والمواطنة والمساواة، تمثل أساساً مهماً لمعالجة جذور الأزمة، وبناء إنسان يؤمن بأن نهضة الوطن لا تقوم على القوة أو النفوذ، وإنما على العلم والعمل والإنتاج واحترام القانون والمواطنة.
وحركة السودان الأخضر تؤمن بأن بناء الإنسان هو البداية لبناء دولة المؤسسات، الدولة التي يشعر فيها الجميع بالمساواة، ويحظى فيها كل مواطن بحقوقه كاملة، ويؤدي واجباته ومسؤولياته دون تمييز، وتكون فيها سيادة القانون فوق الأشخاص والانتماءات والنفوذ.
ما هو الحل العملي والبديل الأخضر؟
إن قضية السودان لا تُحل في فنادق وقاعات الخارج وحدها، بل بواسطة أصحاب الوجعة من الشعب السوداني، وبمبدأ:
ما يخصني لن يكون بدوني.
وبناءً على هذا الواقع، تقترح حركة السودان الأخضر فترة انتقالية مدتها ست سنوات، يركز الجزء الأول منها، وخاصة الشهور الستة والثلاثين الأولى، على:
التغيير الإيجابي الانسيابي الإبداعي الأخضر.
ويبدأ هذا التغيير من التربية والتعليم، ونشر الثقافة الديمقراطية، وإعادة بناء الوعي المجتمعي، وتهيئة البيئة التي يمكن أن تنشأ فيها ممارسة ديمقراطية حقيقية.
لماذا تجميد التنظيمات الحزبية في المرحلة الأولى؟
إن تجميد التنظيمات الحزبية الحالية خلال الجزء الأول من الفترة الانتقالية لا يعني إلغاء الأحزاب، ولا إقصاء أعضاء الأحزاب، ولا مصادرة حق أي مواطن في الانتماء السياسي أو التعبير عن رأيه.
فأعضاء الأحزاب، باعتبارهم مواطنين سودانيين، جزء أصيل من الشعب، وسيشاركون مثل غيرهم في المصالحات المجتمعية القاعدية الشاملة، وفي الحوار المجتمعي، وصياغة العقد الاجتماعي، ووضع الدستور، وتحديد نظام الحكم الذي يختاره الشعب، وغيرها من الآليات والوثائق التي ترسي أساس الوطن الذي نريده جميعاً.
لكن الحركة تميز بوضوح بين
المواطن المنتمي إلى حزب
وبين
الحزب بوصفه شخصية اعتبارية وتنظيماً سياسياً قائماً بصورته الحالية.
فالمرحلة الأولى ليست مرحلة صراع بين التنظيمات على السلطة، وإنما مرحلة تأسيس وبناء؛ ولذلك ترى الحركة ضرورة تجميد نشاط التنظيمات السياسية الحالية في إدارة الدولة وفي التنافس على السلطة خلال هذه المرحلة، حتى تتفرغ لإعادة بناء نفسها ومراجعة نظمها ومؤسساتها وممارساتها الداخلية.
وتنبع أهمية ذلك من أن استمرار التنظيمات الحالية بصورتها الراهنة في إدارة الدولة أو التنافس المبكر على السلطة قد يعيد إنتاج الانقسامات والصراعات والتشظي الذي عانى منه السودان طويلاً، في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى رتق الجراح، واستعادة الثقة، وبناء القواسم المشتركة ووحدة الهدف والمصير.
كما أن الصراع الحزبي في عصر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لم يعد محصوراً داخل المؤسسات السياسية؛ بل يمكن أن يمتد سريعاً إلى المجتمع، ويزيد من الاستقطاب والانقسام.
ولذلك فإن تجميد النشاط التنظيمي للأحزاب في هذه المرحلة يمثل، في رؤية الحركة:
إجراءً تأسيسياً لحماية المجتمع من إعادة إنتاج الصراع، وليس إلغاءً للحياة الحزبية.
وخلال هذه الفترة، تعمل الأحزاب على إصلاح أوضاعها الداخلية، وتجديد مؤسساتها وقياداتها، وترسيخ الممارسة الديمقراطية داخلها، ومراجعة مصادر تمويلها وآليات اتخاذ القرار والانتخابات الداخلية، وإعداد برامجها السياسية على أساس جديد.
وفي الوقت نفسه، يعمل الشعب كله على بناء الأساس الجديد للدولة من خلال المصالحات المجتمعية القاعدية، والعقد الاجتماعي، والدستور، ونظام الحكم، وبناء المؤسسات من الأسفل إلى الأعلى.
وبذلك تكون المشاركة في المرحلة الأولى مشاركة شعبية شاملة لا مشاركة حزبية تنافسية؛ فالمواطن يشارك بوصفه مواطناً، أياً كان انتماؤه السياسي، بينما تُؤجل عودة الأحزاب بصفتها التنظيمية إلى المجال التنافسي إلى حين اكتمال الأساس الدستوري والقانوني والمؤسسي الجديد.
بناء الدولة من القاعدة إلى القمة:
يتم بناء الدولة من القاعدة إلى قمة الهرم، عبر البديل القاعدي والمجالس البلدية والمحلية.
في كل قرية وحي وحارة، ينتخب السكان مجالس محلية تدير شؤونهم بمشاركة مختلف فئات وقطاعات المجتمع، وليس باعتبارها امتداداً لنفوذ النخب أو الأسر أو جماعات المصالح.
وتتصاعد هذه البنية تدريجياً من المستوى المحلي إلى مستويات الولاية، ثم إلى المجلس القومي الفيدرالي، بما يضمن أن تكون الشرعية السياسية نابعة من المجتمع نفسه، وأن يكون المواطن شريكاً حقيقياً في بناء الدولة وصناعة القرار.
وفي هذه العملية يجب وضع الضوابط التي تحد من تأثير المال والنفوذ والقبلية والاستغلال الديني وسائر أدوات التأثير التي يمكن أن تفرغ الديمقراطية من مضمونها.
وهكذا يصبح المواطن شريكاً في صناعة الدولة من قاعدتها، لا مجرد متلقٍ لقرارات تأتيه من القمة.
وهنا يتجسد مبدأ:
*ما يخصني لن يكون بدوني.
العقد الاجتماعي والدستور ونظام الحكم:
لا يمكن أن تنجح المرحلة الانتقالية بمجرد تغيير الأشخاص أو الحكومات.
نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يحدد بوضوح الحقوق والواجبات، ويعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة، ويضع الأساس للمصالحة المجتمعية، وجبر الضرر والتعويضات، والحوار القاعدي، ووحدة الهدف والمصير.
كما يحتاج السودان إلى دستور جديد ونظام حكم يقرره الشعب، ويضمن الحقوق والحريات، والمساواة، وسيادة القانون، وتوزيع السلطة والثروة بصورة عادلة، ويجعل مؤسسات الدولة خادمة للمجتمع لا متحكمة فيه.
وماذا عن الأحزاب بعد المرحلة الانتقالية؟
في النصف الثاني من الفترة الانتقالية، تعود التنظيمات السياسية إلى العمل السياسي وفق قانون جديد للأحزاب والتنظيمات السياسية، ودستور جديد، وعقد اجتماعي أقره الشعب.
ويجب أن يضمن القانون ديمقراطية الأحزاب من الداخل، وشفافية مصادر التمويل والإنفاق، والانتخابات الدورية للقيادات، وتكافؤ الفرص، والمساءلة، مع وجود مؤسسات مستقلة للرقابة وفق القانون.
كما ينبغي أن تخضع مصادر تمويل الأحزاب وإنفاقها للرقابة القانونية والمالية، بما يحصن الحياة السياسية من المال غير المشروع والتأثيرات الخارجية، ويحافظ على استقلال القرار الوطني.
وعندها تصبح المنافسة السياسية قائمة على الأفكار والبرامج وخدمة الوطن، لا على الأشخاص والجهوية والصراعات الشخصية، بما يفتح الطريق أمام دولة مدنية ديمقراطية حقيقية تقوم على الكفاءة والمساواة.
من يصنع الحل؟
إن الدعوة إلى الحوار الوطني الجاد والفعلي لإخراج السودان من دوامة الحقد والكراهية والحروب يجب ألا تقتصر على النخب السياسية التي ظلت تدور في الدائرة نفسها وتحاول الحل بالعقليات والآليات نفسها.
بل يجب أن تكون القواعد المجتمعية الحية طرفاً أساسياً في صناعة الحل.
فالحل لا يصنع في الغرف المغلقة وحدها، وإنما حيث يعيش الناس، ويعملون، وينتجون، ويتعلمون، ويواجهون آثار الحرب والأزمة كل يوم.
إن الشعب الذي يتحمل نتائج القرارات يجب أن يكون شريكاً في صناعة تلك القرارات.
وهذا هو جوهر المبدأ:
ما يخصني… لن يكون بدوني.
حركة السودان الأخضر ليست حزباً:
وهنا نؤكد أن حركة السودان الأخضر ليست حزباً يسعى للمنافسة أو المحاصصة في السلطة.
إن عملها الأساسي هو :
نشر الوعي، والمثاقفة، والتنوير، وصناعة التغيير الإيجابي الانسيابي الإبداعي الأخضر من القاعدة إلى القمة.
وهي لا تهدف إلى المشاركة في الحكم، وإنما إلى تمكين المواطن ليكون هو الأساس والفاعل الحقيقي في بناء الدولة، وليس متفرجاً وناقداً فحسب.
إن السودان الذي يسعنا جميعاً هو السودان الذي نشارك في بنائه جميعاً؛ السودان الذي تكون فيه الكفاءة والعلم والخبرة والإنتاج والإبداع أدوات أساسية لبناء المستقبل، وليس حكراً على السياسيين الساعين إلى السلطة.
ومؤمنين يقيناً بأننا:
#سوا_بنقدر
#مايخصني_لن_يكون_بدوني
د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
خادم في حركة السودان الأخضر من أجل الوطن وللوطن



