الأعمدة

الحوار لا يغسل خطايا الحرب . ( 2 )

السؤال في السودان اليوم ليس فقط: متى يبدأ الحوار؟
بل السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً: مَن يتحمل مسؤولية القرارات والسياسات التي أوصلت الدولة إلى هذه الكارثة؟
الحوار السوداني ـ السوداني ضرورة إذا كان هدفه معالجة جذور الأزمة.لكن الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى غسّالة سياسية تُغسل فيها المسؤوليات، وتُعاد من خلالها الوجوه نفسها إلى المشهد وكأن الحرب لم تقع.
المسؤولية السياسية لا تعني بالضرورة ارتكاب جريمة جنائية.
هي تتعلق بالقرارات والسياسات والمواقف التي اتخذها مسؤولون أو قوى سياسية وعسكرية، وبمدى مساهمتها في خلق البيئة التي قادت إلى الأزمة.
وهنا يجب أن تُطرح الأسئلة السياسية بلا خوف
إنها مسؤولية سياسية وتاريخية تحددها الوثائق، والمواقف المعلنة، والقرارات، والاتفاقات، والسجل العام .
وقد يترتب على هذه المسؤولية أن يفقد صاحبها الثقة السياسية أو أن يُستبعد من أي ترتيبات انتقالية أو سياسية وفق قواعد يحددها القانون والدستور .
السودان يحتاج إلى مسارين متوازيين:
مسار سياسي يراجع القرارات والسياسات والمواقف التي قادت إلى الانهيار، ومسار قانوني يحقق في الجرائم والانتهاكات ويحاسب من تثبت مسؤوليته أمام القضاء.
لا «عفو سياسي» عن المسؤولية ولا «إدانة إعلامية» قبل القضاء
المشكلة أن السودان كثيراً ما يخلط بين السياسة والقانون.
فيتم أحياناً استخدام السياسة لحماية أشخاص من المساءلة، وفي أحيان أخرى تُستخدم المنابر الإعلامية لإدانة أشخاص قبل اكتمال التحقيق.
والاثنان خطر على الدولة.
المطلوب ليس انتقاماً سياسياً، ولا إفلاتاً سياسياً.
المطلوب دولة تقول بوضوح:
السياسي يُسأل عن قراراته ومواقفه سياسياً، والمجرم يُحاسب أمام القضاء جنائياً، ولا حصانة لأحد من القانون، ولا إدانة لأحد خارج القانون.
والسؤال الذي لا يجوز دفنه تحت شعار الحوار
إذا كان السودان ذاهباً إلى حوار جديد، فعليه أن يفتح الملفات لا أن يغلقها.
الحوار الذي يتجاهل هذه الأسئلة بالوثائق والتواريخ والقرارات ، لا بالشائعات ولا بالتخوين ، قد ينتج تسوية سياسية مؤقتة، لكنه لن يعالج جذور الأزمة.
أما الحوار الذي يواجه الماضي بشجاعة، ويفصل بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية، ويضع السلاح والمؤسسات والعدالة تحت سقف الدولة، فهو وحده القادر على فتح الطريق أمام دولة لا تتكرر فيها المأساة.
السودان لا يحتاج إلى حوار يطلب من الشعب أن ينسى…
يحتاج إلى حوار يتذكر، ويحقق، ويفهم، ويصل إلى الحقيقة.
فالمصالحة لا تعني محو المسؤولية السياسية،
والحوار لا يعني إسقاط القانون،
والسلام لا يعني الإفلات من العدالة.
من أخطأ سياسياً يُحاسب سياسياً وفق القواعد والمؤسسات.
ومن ارتكب جريمة تثبت عليه، يُحاسب قانونياً أمام القضاء.
وبين الاثنين، تبقى الحقيقة هي الشرط الأول لأي سودان جديد. ثم ماذا بعد ؟!

زر الذهاب إلى الأعلى