الأعمدة

مهندس يقطع الكهرباء عن وطن !!

بقلم / طارق عبدالرحمن محمد ود الفكي
عندما يتخرج الطبيب في مصر لا يسمح له بلمس مريض إلا بعد عامين كاملين يقضيهما متدربا في المستشفيات تحت إشراف الأطباء الكبار يتعلم كيف يشخص وكيف يعالج وكيف يتصرف في لحظة الخطر لأن الدولة تعرف أن خطأ طبيب واحد قد يكلف حياة إنسان.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة في السودان لماذا لا نطبق نفس القاعدة على مهندس الكهرباء.
في السودان يتخرج المهندس اليوم ويتسلم غدا مفاتيح محطة أو شبكة توزيع تغذي مدينة كاملة وهو لم ير في حياته محولا على الطبيعة ولم يصعد عمود ضغط عالي ولم يتعلم كيف يتعامل مع حمولة زائدة في عز الصيف.
النتيجة نراها كل يوم. كهرباء قاطعة لأسباب وصفها المواطن السوداني ساخرا بأنها أسباب فمية. فمي يصرح وفمي يبرر وفمي يعد بعودة التيار بعد ساعة ولا يعود إلا بعد يوم.
الحقيقة أن أزمة الكهرباء في السودان ليست أزمة توليد فقط بل هي في المقام الأول أزمة كفاءة وصيانة وتوزيع. محطات موجودة وطاقة منتجة لكنها تهدر بسبب أخطاء فنية قاتلة في التوصيل والتحميل وغياب الصيانة الوقائية. وهذا كله سببه أننا نمنح الخريج الجديد سلطة القرار الفني الكامل قبل أن يتعلم.
الحل بسيط ومجرب. عامان كاملان من التدريب الإلزامي بعد التخرج يقضيهما المهندس متنقلا بين محطات التوليد وخطوط النقل ومراكز التوزيع وغرف التحكم والطوارئ يعمل بيديه تحت إشراف مهندس خبير يتعلم كيف يشم رائحة العطل قبل وقوعه وكيف يتصرف في الظلام حين تنهار الشبكة. وبعد هذين العامين يمنح الترخيص الهندسي من قبل المجلس الهندسى الذي يسمح له بالتوقيع والعمل.
بهذه الخطوة وحدها سنوقف نزيف التعيين بالواسطة وسنحول المهندس من موظف أوراق إلى فني خبير يده في الشحم وعقله في الميدان وسنحمي وطننا من عبث من لا يعرفون الفرق بين الضغط المنخفض والمتوسط.
إن حياة مريض تتوقف على طبيب لكن حياة مدينة كاملة ومصنع ومستشفى وموسم زراعي تتوقف على مهندس كهرباء فلماذا نحمي الأول ونهمل الثاني.

زر الذهاب إلى الأعلى