الأعمدة

الصادر السوداني.. أين تضيع الحصيلة؟

منى رباح
نتحدث كثيراً عن نقص الدولار وارتفاع سعر الصرف، بينما السودان يملك موارد تصديرية كبيرة: الذهب، المواشي، القطن، السمسم وغيرها.
والمشكلة ليست وليدة الحرب وحدها؛ فمسألة تهريب بعض السلع والموارد التصديرية ظلت مطروحة منذ سنوات، وتستحق اليوم أن تُقاس بالأرقام لا أن تُترك للتقديرات.
وهنا يأتي السؤال المصرفي المباشر:
إذا كانت إجراءات الصادر ميسرة، وسلع الصادر معفاة من الرسوم الجمركية في الأصل مع وجود استثناءات محددة، فما الذي يجعل بعض السلع لا تصل إلى منافذ التصدير الرسمية؟
هل المشكلة في إعادة حصيلة الصادر؟ أم في سعر الصرف؟ أم في الالتزامات المرتبطة بالنشاط؟ أم أن الحلقة المفقودة تبدأ قبل ذلك، عندما تتحرك السلعة من منطقة الإنتاج دون أن تدخل في منظومة تمكّن الدولة من تتبعها ومطابقة حركتها مع الصادر والحصيلة؟
إذا لم تكن لدى الدولة منظومة تمكنها من معرفة حجم ما يُنتج فعلياً، وما يتحرك من مناطق الإنتاج إلى الأسواق ومنافذ التصدير، فكيف يمكنها أن تقارن بين الإنتاج، والحركة، والصادر، والحصيلة المصرفية؟
الرقابة على الصادر لا ينبغي أن تبدأ من الميناء فقط؛ بل من المنبع.
في الثروة الحيوانية مثلاً، لماذا لا تكون هناك منظومة بسيطة لتعريف القطيع وتتبع حركته من مناطق الإنتاج إلى أسواق التجميع ثم المحاجر والموانئ؟
وبذلك نستطيع أن نعرف: ما الذي تحرك؟ وما الذي وصل إلى منافذ التصدير؟ وما الذي صدر رسمياً؟
والأمر نفسه يمكن تطبيقه على الذهب والمنتجات الزراعية، بحيث نستطيع في النهاية أن نطابق بين حجم الإنتاج، وما تم تصديره رسمياً، وما عادت حصيلته إلى الجهاز المصرفي.
وهنا لا نتحدث عن إنشاء بيروقراطية جديدة، وإنما عن استخدام الرقمنة لتقليل التدخل البشري، وربط البيانات، وتمكين الدولة من معرفة حركة مواردها بصورة أدق.
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
لماذا نصدر الخام ونترك القيمة المضافة لغيرنا؟
القطن يمكن أن يتحول إلى غزل ونسيج، والمواشي إلى لحوم مصنعة وجلود، والسمسم إلى زيوت ومنتجات غذائية.
كلما زادت القيمة المضافة داخل السودان، ارتفعت قيمة الصادر، وزادت فرص بقاء جزء أكبر من العائد داخل الاقتصاد.
لكن زيادة الصادرات تبدأ من تكلفة الإنتاج.
صحيح أن المصدر لا يتحمل في الأصل رسوماً جمركية على الصادر، لكن المنتج قد يعتمد على آلات وقطع غيار ومدخلات إنتاج مستوردة. لذلك يجب النظر إلى تكلفة هذه المدخلات وسعر الصرف والأعباء المرتبطة بها، لأنها تدخل في تكلفة المنتج النهائي وقدرته على المنافسة.
وهنا يجب ألا نخلط بين تكلفة مدخلات الإنتاج وبين ما يعرف بالدولار الجمركي، الذي يرتبط بالواردات وليس بالصادرات.
إذا كنا نريد زيادة الصادرات، فلا يكفي أن نقول للمنتج: أنتج وصدّر.
علينا أن نسأل:
كم تكلف السلعة السودانية حتى تصبح جاهزة للتصدير؟ وهل تستطيع منافسة المنتج في الأسواق الخارجية؟
المطلوب إذن ليس فقط تشجيع الصادر، وإنما تشجيع الإنتاج الذي يسبق الصادر، وتسهيل مدخلاته، وتشجيع التصنيع، ومراجعة الأعباء التي ترفع التكلفة دون أن تضيف قيمة حقيقية.
أما حصيلة الصادر، فهي في النهاية قضية مصرفية واقتصادية بامتياز.
نحتاج إلى أن نعرف بالأرقام:
كم أنتج السودان؟
كم تحرك من مناطق الإنتاج؟
كم تم تهريبه؟
كم صدر رسمياً؟
كم عادت حصيلته إلى الجهاز المصرفي؟
وكم من القيمة المضافة بقي داخل السودان؟
هذه ليست أسئلة نظرية.
فجزء من الدولار الذي نبحث عنه في سوق الصرف قد يكون موجوداً أصلاً في موارد السودان، لكن التحدي هو أن يتحول هذا المورد إلى صادر رسمي، وحصيلة مصرفية، وقيمة مضافة داخل الاقتصاد السوداني.
السودان لا يحتاج فقط إلى أن يصدّر أكثر؛ بل يحتاج إلى أن يعرف ماذا ينتج، وما الذي يخرج منه، وكيف يخرج، وأين تذهب حصيلته، وكيف يحصل الاقتصاد السوداني على القيمة الحقيقية لما يخرج.

زر الذهاب إلى الأعلى