الأعمدة

*من الحرب والتدمير إلى الإعمار والسلام والتنمية المستدامة** *خارطة طريق لتسليم السلطة للشعب*

*المجالس البلدية والقروية: البديل الديمقراطي لنظام المحليات وبوابة التغيير*

د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
إن الانتقال من الحرب والتدمير إلى الإعمار والسلام والتنمية المستدامة لا يمكن أن يتحقق بمجرد تغيير الحكومات أو استبدال الأشخاص، وإنما يحتاج إلى تغيير أعمق في فلسفة الحكم، وفي العلاقة بين المواطن والدولة، وفي الطريقة التي تُدار بها شؤون المجتمع والدولة.
ومن هنا تأتي فكرة *المجالس البلدية والقروية المنتخبة*، ليس باعتبارها مجرد تغيير في أسماء الوحدات الإدارية أو إعادة توزيع لبعض الصلاحيات، وإنما باعتبارها مدخلًا لإعادة بناء الدولة من القاعدة إلى القمة، وإعادة السلطة إلى مصدرها الحقيقي: *الشعب.*
فالمواطن الذي تخصه القرارات يجب أن يكون حاضرًا في اتخاذها، وفي تنفيذها، وفي مراقبتها، وفي محاسبة المسؤولين عنها، وفي تقييم نتائجها.

*«ما يخصني لن يكون بدوني»*.

وهذا هو جوهر ما تطرحه حركة السودان الأخضر من خلال ما تسميه *«الطريق الثالث الأخضر»*، القائم على:

*التغيير الإيجابي الانسيابي الإبداعي الأخضر*.

*إنها رؤية تسعى إلى الانتقال من ثقافة الفرجة والتلقي والشكوى واللوم إلى ثقافة المشاركة والمسؤولية والإنتاج والبناء، ومن دولة تُدار من أعلى إلى أسفل إلى دولة يشارك شعبها في إدارة شؤونه من القاعدة إلى القمة.*

ومن هنا يمكن أن يتشكل ما نسميه: *«العقد الاجتماعي الأخضر»*، الذي يصبح فيه المواطن شريكًا في بناء الدولة، وليس مجرد تابعٍ لها، وتصبح السلطة وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع، وتحقيق التنمية والسلام والعدالة.

*«سوا بنقدر».*

*∆ المجالس البلدية والقروية والحكم اللامركزي وجسر الوصول إلى الولايات السودانية المتحدة:*

إن بناء المجالس البلدية والقروية من القاعدة يمكن أن يكون مدخلًا عمليًا لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، وتحقيق معاني الحرية والعدالة والمساواة من خلال إعادة هيكلة حقيقية للدولة، والانتقال من أنماط الحكم القديمة التي ارتبطت طويلًا بالنخب والشلليات والطائفية ومجموعات المصالح وهيمنة القلة، إلى حكم يشارك فيه الشعب بصورة فعلية.

كما يفتح هذا الطريق المجال أمام الشباب، الذين كانوا في مقدمة الحراك الشعبي والثورات، ودفع كثير منهم ثمن التغيير من دمائهم، ليكونوا جزءًا أساسيًا من بناء الدولة الجديدة، وليس مجرد وقود للتغيير ثم إبعادهم عن صناعة القرار.

*والغاية ليست سياسية وإدارية فقط، وإنما اقتصادية واجتماعية أيضًا؛ إذ نريد الانتقال بالسودان من الاعتماد على المساعدات إلى الإنتاج والابتكار والسلام والأمن والتنمية.*

فالمجتمع الذي ينتج قوته، ويمتلك موارده، ويشارك في إدارتها، يصبح أكثر قدرة على امتلاك قراره.

*«امتلك قوتك تمتلك قرارك».*

وهذا ما نطلق عليه *«الاستقلال الثاني»*؛ فاستقلال القرار السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي وإنتاجي، يمكّن المجتمع من الاعتماد على قدراته وموارده، ويعزز قدرته على صناعة مستقبله.

*∆ لماذا المجالس البلدية والقروية؟*

يمكن أن تحقق المجالس البلدية والقروية عددًا من الأهداف الأساسية، من أهمها:

– *أولًا: التدريب العملي على الحكم اللامركزي:*
فالديمقراطية والحكم اللامركزي لا يمكن أن ينجحا بمجرد النص عليهما في الدساتير والقوانين، وإنما يحتاجان إلى ممارسة فعلية. ومن خلال المجالس البلدية والقروية يمكن للمجتمع أن يتعلم عمليًا كيفية إدارة شؤونه، واتخاذ القرار، والتخطيط، والرقابة، والمساءلة، والتعامل مع الموارد.

كما يمكن أن تكون هذه الممارسة الشعبية الواسعة مدخلًا للتفكير في الشكل الأنسب للدولة السودانية، سواء كان نظامًا اتحاديًا أو كونفدراليًا أو صيغة أخرى قد يبدعها السودانيون بما يتناسب مع طبيعة بلادهم وتنوعها، بما في ذلك النقاش الشعبي حول قضايا الوحدة وتقرير المصير، بدل أن تبقى هذه القضايا حكرًا على النخب.

– *ثانيًا: المشاركة الشعبية في صناعة مستقبل الدولة:*
فالمواطنون، من خلال ممثليهم المنتخبين، يجب أن يكون لهم صوت فاعل في المؤتمرات الخاصة بالحكم، وفي صياغة الدستور، وفي تحديد شكل الدولة، وفي القرارات المصيرية خلال الفترة الانتقالية، بدل أن تظل هذه القضايا محصورة في القوى السياسية والنخب وجماعات المصالح، أو تقوم على المحاصصات.

– *ثالثًا: بناء حماية ديمقراطية من الانقلابات والاستبداد:*
إن وجود مجالس منتخبة ذات شرعية شعبية حقيقية في كل قرية وحي ومدينة وبلدية وولاية، *يجعل الديمقراطية ممارسة يومية متجذرة في المجتمع، وليس مجرد نظام سياسي في قمة الدولة يمكن تعطيله بسهولة*.

– *رابعًا: إدارة القضايا المحلية:*
فالمجلس المحلي هو الأقرب إلى المواطن، والأكثر معرفة بتفاصيل حياته واحتياجاته وتحدياته اليومية، ولذلك يمكن أن يكون الإطار الذي تتكامل من خلاله مختلف قضايا الحياة المحلية، بما يحقق مجتمعًا أكثر أمنًا وصحةً وإنتاجًا وتماسكًا وازدهارًا.
ويشمل ذلك قضايا الأمن والسلام والمصالحة المجتمعية، والصحة والتعليم، والمياه والطاقة والطرق والمواصلات، والأسواق والتجارة والخدمات، والزراعة والثروة الحيوانية والإنتاج المحلي، وفرص العمل والتدريب، والشباب والمرأة والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، والبيئة والأشجار والخضرة وحماية الموارد الطبيعية، والنظافة وإدارة النفايات والصرف الصحي، والثقافة والفنون والآداب والتراث والهوية المحلية، والرياضة والأنشطة الشبابية، ودعم المبادرات المجتمعية والتعاونيات، إلى جانب التخطيط العمراني والتنمية المحلية والسياحة والاستثمار المحلي، وغيرها من القضايا التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
ولا يعني ذلك أن المجلس سيحل محل الشرطة أو وزارة الصحة أو وزارة التربية والتعليم أو المؤسسات الثقافية والرياضية أو غيرها من الجهات المتخصصة، وإنما يكون دوره في تحديد الأولويات المحلية، والتخطيط والتنسيق، ونقل صوت المواطنين، ودعم المبادرات، ومتابعة التنفيذ، والرقابة والتقييم، وربط المجتمع بالمؤسسات والجهات المختصة.
وبذلك لا يكون المجلس مجرد جهاز لإدارة الخدمات اليومية، وإنما منصة مجتمعية متكاملة تشارك من خلالها مختلف فئات المجتمع في تحديد احتياجاتها وأولوياتها، وفي بناء بيئة محلية آمنة ومنتجة ومتعاونة، تحافظ على الإنسان والموارد والثقافة والهوية، وتفتح المجال للإبداع والتنمية المستدامة.

∆ *الأمن والسلام: السلام يبدأ من المجتمع:*

السلام ليس مجرد اتفاقات بين القوى السياسية أو الحركات والميليشيات المسلحة، بل يجب أن يتحول إلى واقع معاش في الأحياء والقرى والمجتمعات المحلية.

وهنا يمكن للمجالس البلدية والقروية أن تؤدي دورًا محوريًا في رتق النسيج الاجتماعي عبر *المصالحة المجتمعية القاعدية الشاملة*، بمشاركة المواطنين ومختلف مكونات المجتمع، والعمل على معالجة أسباب النزاعات والخلافات من جذورها، وتشجيع الحوار والتسامح والتعايش، وإعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع ومكوناته.

*وفي ظل الحديث عن لجان للحوار*، تبرز الحاجة إلى أن يكون الحوار نفسه جزءًا من التغيير، لا أن يُدار بالعقليات والآليات ذاتها التي أسهمت في إنتاج الأزمة. فالحوار الذي نحتاجه يجب أن يكون *حوارًا مجتمعيًا قاعديًا شاملًا، لا حوارًا صفويًا محصورًا في النخب والقوى السياسية والشلليات وجماعات المصالح.*

فالحوار الأبقى والأضمن هو الحوار الذي يشارك فيه الشعب بجميع قطاعاته وفئاته ومكوناته، من القاعدة إلى القمة؛ لأن مشاركة أصحاب الشأن في صناعة الحلول لا تمنحها شرعية مجتمعية فحسب، وإنما تزيد من فرص الالتزام بها وتنفيذها واستدامتها.

ومن هنا يمكن للمجالس البلدية والقروية أن توفر الإطار المحلي لهذا الحوار، بحيث يشارك المواطنون في تحديد مصادر النزاع ومظاهر التوتر، وطرح قضاياهم ومخاوفهم ومقترحاتهم، ودعم مبادرات المصالحة والحوار المحلي والتعايش السلمي، والتنسيق مع أجهزة الدولة المختصة في قضايا الجريمة وحماية المرافق والأسواق، دون أن تتحول المجالس نفسها إلى أجهزة أمنية.

وبذلك تصبح المجالس البلدية والقروية جسرًا بين المواطن والدولة، وأداة لبناء الثقة، ورعاية المصالحة المجتمعية من القاعدة، بحيث لا تكون المصالحة اتفاقًا فوقيًا مؤقتًا، وإنما عملية مجتمعية مستمرة يشارك فيها الناس أنفسهم، ويشعرون بأنهم شركاء في صنع السلام وحمايته وتنفيذه.

فالسلام الذي يبدأ من القاعدة يمكن أن يصنع سلامًا مستدامًا على مستوى الوطن.

∆ *الصحة والتعليم:*

لقد أدت الحرب إلى تدمير واسع للخدمات الصحية والتعليمية، وأصبحت مناطق كثيرة تعاني من نقص المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والعاملين والمعدات والخدمات الأساسية.

كما أن إدارة هذه القطاعات من مستويات بعيدة عن الواقع المحلي قد لا تعكس دائمًا الاحتياجات الفعلية لكل مجتمع.

وهنا يمكن للمجالس البلدية والقروية أن تقوم بحصر الاحتياجات، وتحديد الأولويات، ومتابعة إعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية، ومراقبة جودة الخدمات، وربط المجتمع بالوزارات والجهات المختصة، ومتابعة التنفيذ والتقييم، دون أن تحل محل المؤسسات الصحية والتعليمية المتخصصة.

فالوزارات تضع السياسات والمعايير العامة، بينما تنقل المجالس الواقع المحلي الحقيقي وتتابع تنفيذ الخدمات على الأرض.

∆ *المغتربون والمهاجرون شركاء في إعادة الإعمار:*

لقد ظل السودانيون في الخارج، والمغتربون والمهاجرون، يساهمون بالفعل في بناء المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية وغيرها من الخدمات في مناطقهم، كما ظل كثير منهم يحتفظون بعلاقاتهم الاجتماعية والأسرية ومجتمعاتهم المحلية، ويتابعون أوضاع مناطقهم واحتياجات أهلهم رغم بُعد المسافات.

ومن هنا ينبغي النظر إلى المغتربين والمهاجرين باعتبارهم جزءًا من مجتمعاتهم المحلية وشركاء في تنميتها وإعمارها، وليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية.

ويمكن للمجالس البلدية والقروية أن تفتح قنوات تواصل دائمة ومنظمة مع أبناء مناطقها في الخارج، وأن تنشئ آليات واضحة للتعاون والتنسيق معهم، بحيث يشارك المغتربون والمهاجرون في التعرف على احتياجات مجتمعاتهم، وتحديد أولويات المشروعات، والمساهمة في تمويلها أو تنفيذها أو توفير الخبرات والتقنيات اللازمة لها.

ولا ينبغي أن تقتصر هذه الشراكة على المشروعات الخدمية أو التبرعات، بل يمكن أن تمتد إلى مشروعات تنموية وإنتاجية تحقق منفعة متبادلة للمجتمع المحلي وللمغتربين والمهاجرين أنفسهم، وفق أسس واضحة وشفافة *” شراكات خضراء”.*

فيمكن، على سبيل المثال، إنشاء مشروعات زراعية وتعاونية، ومشروعات للتصنيع الغذائي وحفظ المنتجات الزراعية، ومشروعات الثروة الحيوانية والدواجن، والطاقة الشمسية، والمياه، والخدمات الرقمية، والتدريب المهني، والسياحة المحلية، وغيرها من المشروعات التي تستفيد من موارد المنطقة وسوقها المحلي، وفي الوقت نفسه توفر للمساهمين من أبناء المنطقة في الخارج فرصة للاستثمار المشروع وتحقيق عائد اقتصادي، مع خلق فرص عمل ودخل وتنمية للمجتمع المحلي.

كما يمكن للمغتربين والمهاجرين أن يسهموا بخبراتهم المهنية والعلمية والإدارية، وأن يربطوا مجتمعاتهم المحلية بالخبرات والتجارب والتقنيات والأسواق الموجودة في البلدان التي يعيشون فيها، بما يحول الهجرة إلى جسر للمعرفة والخبرة والاستثمار والتعاون.. *” بنك استثمار الخبرات”*.

ويكون المجلس البلدي أو القروي هو حلقة الوصل المؤسسية بين أبناء المنطقة في الداخل والخارج، فيساعد على تحديد الاحتياجات والفرص، وتنسيق التواصل مع المجتمع، وتوفير المعلومات المحلية، ومتابعة الالتزام بالأنظمة والقوانين، وقياس الأثر التنموي للمشروعات، مع ضمان الشفافية وعدم تضارب المصالح.

وبذلك تصبح العلاقة بين المجتمع المحلي وأبنائه في الخارج علاقة شراكة تنموية مستمرة، لا تقتصر على إرسال الأموال عند الأزمات أو المناسبات، وإنما تمتد إلى الاستثمار والإنتاج وتبادل المعرفة والخبرات وبناء المشروعات وخلق فرص العمل.

فالمغترب يستفيد من وجود فرصة استثمارية واضحة وبيئة محلية تعرف احتياجاتها ومواردها، والمجتمع يستفيد من رأس المال والخبرة والعلاقات والأسواق التي يمتلكها أبناؤه في الخارج.

وهكذا يتحول رأس المال البشري والمالي للسودانيين في الخارج إلى قوة إنتاج وتنمية داخل السودان، بدل أن يظل دوره مقتصرًا على معالجة آثار الأزمات.

وهذا يجسد بصورة عملية مبدأ:

*«ما يخصني لن يكون بدوني».*

كما يجسد *«سوا بنقدر»*؛ لأن بناء المجتمع مسؤولية مشتركة بين من يعيشون فيه ومن يعيشون خارجه، ويمكن أن تتحول هذه الشراكة إلى قوة تنموية يستفيد منها الطرفان والمجتمع والدولة.

∆ *المجالس البلدية والقروية والحوكمة البيئية وحماية السودان من التصحر والتدهور البيئي:*

*إن البيئة ليست قضية تجميلية أو رفاهية، وإنما هي قضية حياة وإنتاج وصحة واستقرار وأمن قومي، وهي أعمق وأهم مما قد يفهمه البعض من آثارها القريبة والبعيدة على حياة الإنسان والمجتمع والدولة.*

فالحفاظ على صحة البيئة يعني، من بين أمور أخرى، الحد من تكاثر البعوض والحشرات ومصادر الأمراض، وتحسين الصحة العامة والوقاية من الأمراض، وهو ما ينعكس إيجابًا على التعليم والتنمية والإنتاج. فكلما استثمرنا في الوقاية البيئية، خففنا أعباء المرض والعلاج، وحافظنا على صحة الإنسان ووقته وقدرته على التعلم والعمل والإنتاج. فدرهم الوقاية ينعكس أضعافًا على الصحة والتعليم والتنمية والإنتاج.

ومن هنا فإن البيئة ليست ملفًا منفصلًا عن بقية قضايا المجتمع، بل هي جزء أساسي من منظومة الصحة والأمن والتنمية والإنتاج، ولذلك فإن *البيئة قضية أمن قومي تتطلب وعيًا مجتمعيًا وإدارة محلية مستمرة، لا حملات موسمية أو إجراءات متفرقة.*

والمجلس البلدي أو القروي هو الأقرب إلى المواطن والأرض والمياه والمراعي والمزارع والأسواق، ولذلك يمكن أن يكون خط الدفاع الأول عن البيئة والموارد الطبيعية.

ويمكن للمجالس أن تساهم في مواجهة الأنشطة الضارة بالبيئة، مثل التعدي العشوائي على الأراضي، والأنشطة التعدينية والاستخراجية غير المنظمة، وقطع الأشجار، وإزالة الغطاء النباتي، وتلوث المياه، والتمدد العمراني العشوائي، وإلقاء النفايات بصورة غير منظمة.

كما يمكنها أن تضع خططًا محلية لمكافحة التصحر والزحف الصحراوي، وحماية الأشجار القائمة، وإنشاء الأحزمة الخضراء، واستعادة الغطاء النباتي، وحماية المراعي، وتنظيم الرعي، وتشجيع زراعة الأشجار المنتجة والمحلية.

ولا ينبغي أن يكون التشجير مجرد حملات موسمية، بل جزءًا من خطة تنمية مستدامة لكل مدينة وقرية وحي، تشمل الحدائق والمساحات الخضراء، وتشجير الشوارع والميادين والمدارس والمرافق العامة، وحماية المجاري المائية ومصارف السيول، والحفاظ على الأراضي الزراعية والزراعة داخل المدن وحولها.

كما تشمل الحوكمة البيئية إدارة النفايات وإعادة استخدامها وتدويرها، والحد من الحرق المكشوف، وتحسين الصرف الصحي، وحماية مصادر المياه.

وتحتاج هذه الحوكمة إلى قواعد واضحة، ومتابعة مستمرة، ورقابة شعبية، ومساءلة قانونية، مع توزيع المسؤولية بين المواطن والمجلس والتعاونيات والقطاع الخاص والمجتمع المدني وأجهزة الدولة والسلطات المركزية.

كما يمكن أن تصبح البيئة مدخلًا للتنمية الاقتصادية من خلال المشروعات الخضراء، والزراعة المستدامة، والمشروعات الإنتاجية، والتشجير المنتج، والاستفادة من النفايات، وخلق فرص عمل للشباب.

*فالخضرة إنتاج، والبيئة صحة، وحماية الموارد حماية للمستقبل*.

وبذلك تصبح المجالس البلدية والقروية حلقة الوصل بين البيئة والإنتاج، لأن حماية الأرض والمياه والغطاء النباتي والمراعي هي في جوهرها حماية لمصادر الإنتاج ومستقبل الأجيال.

∆ *المجالس البلدية والقروية: من إدارة الخدمات إلى قيادة التنمية:*

لا ينبغي أن تظل المجالس البلدية والقروية محصورة في النظافة والطرق وشبكات المياه والصرف والخدمات الأساسية فقط، بل يمكن أن يكون لها دور أوسع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي الحد من البطالة وزيادة الإنتاج.

ويمكن لكل مجلس أن يضع خطته التنموية القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى، في إطار الخطة العامة للدولة، وبناءً على الأولويات الفعلية للمجتمع المحلي.

وفي بعض التجارب توجد وحدات أو إدارات للتنمية المحلية داخل المجالس، ويمكن الاستفادة من هذه الفكرة بما يتناسب مع السودان.

كما يمكن للمجالس بناء شراكات مع التعاونيات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، مع الاعتراف بأن موارد المجالس محدودة، ولذلك ينبغي توجيهها نحو المشروعات ذات الأثر المستدام، وتشجيع الاستثمار المحلي والإنتاجي.

ويشارك المواطنون في التخطيط والتنفيذ وتقييم الأثر، بحيث لا تكون التنمية مشروعًا يأتي من خارج المجتمع، وإنما مشروعًا يصنعه المجتمع ويشارك في تنفيذه ويراقب نتائجه.

∆ *تجذير ثقافة الديمقراطية: الديمقراطية التشاركية الانسيابية:*

إن الديمقراطية الحقيقية لا تبدأ فقط من الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، وإنما تبدأ من الحي والقرية والمدينة، حيث يعيش المواطن ويتعامل بصورة مباشرة مع قضايا مجتمعه واحتياجاته اليومية.
ومن خلال المجالس البلدية والقروية يمكن أن تتحول الديمقراطية إلى ممارسة يومية، يتعلم فيها المواطن كيفية اختيار ممثليه ومراقبتهم ومحاسبتهم وتقييم أدائهم، والمشاركة في تحديد الأولويات وصناعة القرارات التي تمس حياته ومجتمعه.

وهذا يخلق ما نطلق عليه *«الديمقراطية التشاركية الانسيابية»*؛ ديمقراطية تتدفق فيها المشاركة في اتجاهين، من القاعدة إلى القمة، ومن القمة إلى القاعدة، في حلقات متصلة ومستمرة.

فالمواطنون يشاركون في تحديد الاحتياجات والأولويات وصناعة القرار، وتصعد آراؤهم ومقترحاتهم إلى المستويات الأعلى، ثم تعود السياسات والخطط والموارد والقرارات إلى المجتمع في صورة برامج ومشروعات وخدمات قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم.

ولا تتوقف الدورة عند التنفيذ، بل يعود المجتمع مرة أخرى بالملاحظات والنتائج والتقييمات إلى مؤسسات الحكم، فتتم مراجعة القرارات والخطط وتصحيح الأخطاء وتحسين الأداء، ثم تبدأ دورة جديدة من المشاركة وصناعة القرار والتنفيذ والتقييم.

وهكذا لا تكون المشاركة مجرد عملية تصعد إلى الأعلى ثم تتوقف، وإنما حركة مستمرة ذهابًا وإيابًا بين المجتمع ومؤسسات الحكم، يتبادل فيها الطرفان المعلومات والآراء والمسؤوليات والنتائج، ويكون المواطن شريكًا في القرار والتنفيذ والمتابعة والتقييم والتحسين.

وبذلك تصبح الديمقراطية ممارسة يومية في إدارة الشأن العام، وليست مجرد مشاركة موسمية تقتصر على الانتخابات.

وترتبط هذه العملية بمبدأ: *التحسين المستمر*؛ فالمجلس لا يكتفي بتنفيذ خطة، وإنما يراجع نتائجها باستمرار، ويستمع إلى المواطنين، ويقيس أثرها، ويصحح الأخطاء، ويطور الأداء، ثم يعيد إشراك المجتمع في تحديد الأولويات والخطوات التالية.

وهكذا تصبح الديمقراطية التشاركية الانسيابية دورة حية لا تنقطع:

مشاركة → قرار → تنفيذ → تقييم → تصحيح وتحسين → مشاركة من جديد.

إنها ديمقراطية لا تسير في اتجاه واحد، وإنما تتحرك باستمرار بين المجتمع ومؤسسات الحكم، من القاعدة إلى القمة ومن القمة إلى القاعدة، حتى يصبح المواطن شريكًا دائمًا في إدارة الشأن العام، لا مجرد ناخب يظهر دوره في مواسم الانتخابات.

*∆ إعداد قيادات جديدة وتجديد الحياة السياسية:*

تتيح المجالس البلدية والقروية فرصة لتدريب أجيال جديدة من القيادات، وخاصة الشباب، على العمل العام وإدارة الموارد واتخاذ القرار والتفاوض والتخطيط والمساءلة.

كما يمكن أن تراعى في تشكيل المجالس مختلف قطاعات المجتمع، بما يضمن مشاركة المهنيين والمزارعين والرعاة والأشخاص ذوي الإعاقة والشباب والنساء وغيرهم، بما يحقق تمثيلًا متوازنًا للمجتمع.

وهذا من شأنه أن يفتح الطريق أمام تجديد القيادة السياسية والإدارية، وإدخال العلم والخبرة والحداثة إلى إدارة الشأن العام.

∆ *تمويل الأحزاب وربطها بالقواعد الشعبية:*

من الأفكار التي سبق طرحها في الندوات وورش العمل أن يتم تمويل الأحزاب من الخزانة العامة وفق معايير واضحة وشفافة، ومن بينها تخصيص نسبة محددة ترتبط بما تحصل عليه الأحزاب من أصوات أو مقاعد في الانتخابات البلدية، مع وجود آليات للشفافية والرقابة.

ويعاني السودان من كثرة الأحزاب، ومن انقسامات وتشرذمات أدت في بعض الحالات إلى نشوء أحزاب صغيرة جدًا قد لا يتجاوز عدد أعضائها أو قياداتها بضعة أشخاص. ولذلك فإن الاحتكام المستمر إلى ثقة المواطنين في القاعدة يمكن أن يكون معيارًا عمليًا للحضور السياسي الحقيقي، بدل أن تكون شرعية الحزب مرتبطة بمجرد وجود اسمه أو إعلانه.

فالحصول على مقاعد في المجالس البلدية والقروية يمكن أن يصبح طريقًا عمليًا لاختبار حضور الأحزاب وقدرتها على كسب ثقة الناس، ومع تكرار الانتخابات والممارسة الديمقراطية قد يؤدي ذلك طبيعيًا إلى بقاء الأحزاب التي تثبت حضورًا شعبيًا حقيقيًا، بينما تتراجع الأحزاب التي لا تجد لها قاعدة شعبية، دون إلغاء التعددية السياسية أو فرض عدد محدد من الأحزاب.

وبذلك تصبح المقاعد البلدية مؤشرًا عمليًا على وجود الحزب وقوته في القواعد الشعبية، مع التمييز بين الوزن السياسي على المستوى القومي وبين الحضور الحقيقي على المستوى المحلي والولائي.

كما يمكن أن تساهم قواعد واضحة لتمويل الحملات والإنفاق الانتخابي في الحد من تأثير المال والنفوذ في الانتخابات، وإتاحة فرصة أوسع للمشاركة السياسية، بدل أن تتحول الانتخابات إلى ما يشبه نظام الأسلاب والغنائم.

∆ *معالجة التهميش والعنصرية والعنصرية المضادة:*

ارتبطت كثير من الصراعات والحروب في السودان بقضايا التهميش والعنصرية والعنصرية المضادة، وبالإحساس بالظلم والغبن، وما قد ينشأ عنهما من كراهية، نتيجة عدم المشاركة والعدالة في توزيع السلطة والثروة.

*ويمكن للمجالس البلدية والقروية أن تفتح المجال أمام مشاركة جميع مكونات المجتمع، وأن تجعل الاختلافات الاجتماعية والثقافية والسياسية مجالًا للمشاركة السلمية، بدل أن تتحول إلى أسباب للصراع.*

*كما تحقق هذه المجالس مبدأ المساواة في المشاركة السياسية جغرافيًا.*

فلا يكون صوت المواطن في حيٍّ بوسط الخرطوم أكثر قيمة من صوت مواطن في قرية نائية في أقصى غرب السودان أو شرقه أو شماله، بل يكون لكل مواطن ومجتمع محلي حق المشاركة في إدارة شؤونه والتأثير في القرارات التي تخصه، وفق نظام عادل وواضح.

*فالمشاركة الواسعة من الحي والقرية إلى المدينة والمحلية والولاية ثم المستوى القومي تتيح لكل مجموعة أن تشعر بأن لها مكانًا وصوتًا ودورًا في الدولة.*

وهكذا يمكن الانتقال تدريجيًا من ثقافة الصراع إلى ثقافة المشاركة السياسية السلمية، ومن الإحساس بالتهميش والغبن إلى الإحساس بالشراكة والانتماء والمسؤولية.

∆ *من ثقافة اللوم إلى ثقافة المشاركة والمسؤولية:*

من المشكلات التي تعمقت في المجتمع السوداني ثقافة إلقاء اللوم، حيث يحمل كل طرف الآخرين مسؤولية ما يحدث، بينما تبقى المسؤولية المشتركة غائبة أو ضعيفة.

لكن المشاركة الحقيقية تغير هذه المعادلة؛ فعندما يصبح المواطن شريكًا في اتخاذ القرار وتنفيذ المشروعات ومراقبة الأداء، فإنه لا يشارك فقط في صنع القرار، وإنما يصبح شريكًا في المسؤولية عن النتائج.

وهكذا ننتقل من ثقافة تحميل الآخرين المسؤولية إلى ثقافة المسؤولية المشتركة، ومن المواطن المتفرج والناقد إلى المواطن الشريك والمسؤول.

∆ *التعاونيات والإنتاج وملكية المجتمع لموارده:*

يمكن للمجالس البلدية والقروية أن تكون داعمًا أساسيًا للحركة التعاونية، وخاصة التعاونيات الإنتاجية، وأن تساعد المجتمع على تنظيم موارده والعمل الجماعي والاستفادة من إمكاناته.

فالعمل الجماعي لا يعني إلغاء الملكية الفردية، وإنما يمكن أن يفتح مجالات واسعة للملكية المجتمعية والاستثمار المشترك، وإدارة الموارد بصورة أكثر كفاءة، وخلق مشروعات إنتاجية توفر فرص العمل وتزيد الدخل.

وهنا تلتقي هذه الرؤية مع عدد من مبادرات حركة السودان الأخضر، التي تسعى إلى تحويل العمل الجماعي من مجرد شعار إلى نماذج عملية للإنتاج والتنمية، وفي مقدمتها:

*«البيت التعاوني الإنتاجي الإبداعي الأخضر»*

و *«المدرسة التعاونية الإنتاجية الإبداعية الخضراء»*

و *«القرية التعاونية النموذجية التخصصية الإبداعية الخضراء»*

و *«الصندوق الأخضر للإنتاج التعاوني»* بوصفه مبادرة يمكن أن تسهم في توفير التمويل ودعم المبادرات والمشروعات التعاونية الإنتاجية.
ويمكن للمجالس البلدية والقروية أن توفر لهذه النماذج البيئة المحلية المناسبة للتنظيم والتنسيق، وربطها باحتياجات المجتمع وموارده، وتشجيع المبادرات الإنتاجية والتعاونية، بما يجعل المواطن شريكًا في الإنتاج والتنمية، وليس مجرد متلقٍ للخدمات.
وبذلك تصبح المجالس جزءًا من منظومة تربط المشاركة بالديمقراطية، والبيئة بالإنتاج، والإنتاج بالتنمية، والتنمية بالسلام والاستقرار.
*سوا بنقدر.*
∆ *الموارد المحلية وعائد المشروعات القومية:*
وترى حركة السودان الأخضر أن ملكية المجتمع لموارده لا تكتمل بمجرد المشاركة في إدارتها، وإنما يجب أن ينعكس استغلال هذه الموارد بصورة مباشرة على تنمية المناطق التي توجد فيها.
*ومن هنا تطرح الحركة مبدأ أن يعود ما لا يقل عن ربع عائد المشروعات القومية القائمة على موارد المنطقة، مثل التعدين والموانئ والبترول وغيرها من المشروعات القومية، إلى المنطقة نفسها، ليُخصص لتنميتها وإعمارها وتحسين خدماتها وبنيتها الأساسية وحماية بيئتها.*
فمن غير المنطقي أن تُستخرج الموارد من منطقة، بينما تظل المنطقة التي تحملت آثار استخراجها تعاني من الفقر وضعف الخدمات والتدهور البيئي.
ويمكن أن تكون المجالس البلدية والقروية طرفًا أساسيًا في تحديد أولويات استخدام هذا العائد، ومتابعة المشروعات، والرقابة على تنفيذها وقياس أثرها، بما يضمن أن يتحول نصيب المنطقة من الموارد إلى مدارس ومراكز صحية ومياه وطاقة وطرق وتشجير ومشروعات إنتاجية وفرص عمل.
وبذلك يرتبط حق المجتمع في موارده بمسؤوليته عن تنميتها، وتتحول الموارد الطبيعية من مصدر للصراع والتهميش إلى أداة للإعمار والسلام والتنمية المتوازنة.
وهذا ينسجم مع مبدأ *«امتلك قوتك تمتلك قرارك»*، ومع فلسفة *«الاستقلال الثاني»*.
∆ *المجالس البلدية والقروية وجسر العلاقة بين مستويات الحكم:*
من المشكلات الأساسية في الدولة السودانية وجود فجوات بين المستوى المركزي والولايات والمستويات المحلية، بحيث تصبح العلاقة بين هذه المستويات في كثير من الأحيان غير واضحة أو غير منسقة.
ويمكن للمجالس البلدية والقروية أن تكون جسرًا عمليًا لردم هذه الفجوة، بحيث تنتقل احتياجات المواطن ومطالبه من القاعدة إلى الأعلى، وفي الوقت نفسه تصل السياسات والموارد والخطط من المستويات العليا إلى المجتمع بصورة أكثر وضوحًا وتنسيقًا.
وهذا مهم بصورة خاصة في السودان، بحجمه الجغرافي الكبير وتنوعه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
فالمجالس البلدية والقروية يمكن أن تكون أحد أعمدة إعادة بناء السودان على أساس: المشاركة واللامركزية والحكم الرشيد والشفافية والمساءلة والتنمية المتوازنة.
∆ *تسليم السلطة للشعب:*
إن أهداف أي فترة انتقالية، من الحرب إلى السلام، ومن الانقلاب العسكري إلى دولة مدنية ديمقراطية، لا يمكن تحقيقها بصورة حقيقية دون مشاركة شعبية واسعة في الحكم والإدارة والتنمية.
ولهذا فإن جوهر الفكرة هو:
*«تسليم السلطة للشعب، وهو صاحبها الحقيقي»*.
ولا يعني ذلك القفز فوق المؤسسات أو القوانين، وإنما بناء مؤسسات شرعية تبدأ من القاعدة وتستمد شرعيتها من المواطنين.
ومن هنا يمكن للقوى السياسية والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية أن تتوافق على قانون ينظم المجالس البلدية والقروية وصلاحياتها وعلاقاتها بمستويات الحكم الأخرى، وعلى وثيقة دستورية مؤقتة تنظم المرحلة الانتقالية.
كما يمكن الاستفادة من الدعم الفني واللوجستي والمالي من المنظمات الإقليمية والدولية والدول الصديقة، دون أن يعني ذلك التخلي عن القرار الوطني.
∆ *حكومة الخبراء: حكومة الجسر*
يمكن أن يكون الانتقال من الحكم العسكري إلى *«دولة الشعب»* عبر حكومة خبراء، أو «حكومة جسر»، يكون دورها الأساسي الإشراف على عملية تأسيس المجالس البلدية والقروية، وتوفير البيئة القانونية والمؤسسية اللازمة لقيامها، مع ضمان الحياد والنزاهة والاستقلال عن الصراعات الحزبية.
ولا تكون مهمة هذه الحكومة أن تحل محل الشعب، وإنما أن تهيئ الطريق لكي يمارس الشعب سلطته بصورة منظمة وقانونية.
من القاعدة إلى القمة
يمكن أن يبدأ البناء من:
*المواطنون*
*مجالس الأحياء والحارات والقرى*
*المجالس البلدية والقروية*
*المجالس البلدية للمدن والمحليات*
*مجالس الولايات*
*المجلس القومي للسودان*
*الدستور ونظام الحكم والعقد الاجتماعي*
*الاستفتاء الشعبي*
وبهذه الطريقة يصبح المواطن حاضرًا في كل مستوى من مستويات صناعة القرار.
ويمكن أن تنتخب مجالس القرى ممثليها، كما تنتخب مجالس الأحياء والحارات ممثليها، وتشارك هذه المجالس في اختيار ممثليها في المجالس البلدية ومجالس المدن والمحليات، ثم تنتقل التمثيلات إلى مجالس الولايات، وصولًا إلى المجلس القومي.
ويشارك المجلس القومي في الإشراف على القضايا القومية الكبرى، بما فيها الدستور ونظام الحكم والعقد الاجتماعي والأسس التي تقوم عليها الدولة، ثم تُعرض القضايا المصيرية على الشعب للاستفتاء.
أما على مستوى الولاية، فيمكن أن يكون لمجلس الولاية دور أساسي في تشكيل ومراقبة السلطة التنفيذية الولائية، وفق القانون والدستور، وبما يحقق التوازن بين السلطة المنتخبة والإدارة التنفيذية.
وهذه مجرد صيغة أولية قابلة للنقاش والتطوير، وليست قالبًا نهائيًا مغلقًا.
∆∆ *ماذا بعد؟*
إن بناء هذه المنظومة يحتاج إلى نقاش واسع يشارك فيه خبراء القانون الدستوري، والحكم والإدارة، والعلوم السياسية، والاقتصاد والمالية العامة، والبيئة والتنمية المحلية، إلى جانب المواطنين أنفسهم.
كما يحتاج إلى إطار دستوري وقانوني مؤقت يحدد الصلاحيات والعلاقات بين مستويات الحكم، ويعالج القضايا التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة.
ومن القضايا المهمة التي تحتاج إلى نقاش:
– كيفية تكوين حكومة الجسر؟
– كيف تكون العلاقة بين الوزارات القومية ووزارات الولايات؟
– هل تقتصر الوزارات القومية على الوزارات السيادية وبعض الاختصاصات القومية؟
– كيف تنظم العلاقة بين الوزير الاتحادي ووزير الولاية؟
– هل يكون دور الوزير الاتحادي تنسيقيًا أم تنفيذيًا أم رقابيًا؟
– وكيف توزع الميزانيات والموارد بصورة عادلة وشفافة بين المركز والولايات والمستويات المحلية؟
– وكيف تضمن الدولة أن تستفيد المناطق من مواردها، مع مساهمة عادلة من الولايات في الإنفاق القومي، وفق نظام مالي واضح وشفاف يحقق التضامن الوطني والتنمية المتوازنة؟
هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى دراسة متخصصة وحوار وطني واسع.
ولذلك لا تقدم هذه الرؤية تفاصيل جامدة في هذه المرحلة، حتى تظل الفكرة مفتوحة للنقاش والتطوير والاستفادة من الخبرات المختلفة.
∆∆∆ *من الحرب والتدمير إلى الإعمار والسلام والتنمية المستدامة:*
*إن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع والدولة.*
وإعادة الإعمار ليست مجرد إعادة بناء المباني والطرق، وإنما إعادة بناء الثقة والنسيج الاجتماعي والمؤسسات والاقتصاد والبيئة والخدمات.
والمجالس البلدية والقروية يمكن أن تكون إحدى الأدوات العملية لتحقيق ذلك، لأنها تبدأ من المكان الذي يعيش فيه الإنسان، وتمنحه فرصة أن يكون جزءًا من الحل.
من خلالها يمكن أن نعيد بناء المدرسة والمركز الصحي، ونرتق النسيج الاجتماعي، ونحمي البيئة، ونزرع الأشجار، ونطور الإنتاج، وننشط التعاونيات، ونوفر فرص العمل، ونشارك المغتربين والمهاجرين، ونبني السلام من القاعدة.
ومن خلالها أيضًا يمكن أن يتعلم المواطن ممارسة الديمقراطية، ويتعلم المسؤول أن السلطة مسؤولية وخدمة، ويتعلم المجتمع أن الاختلاف يمكن أن يتحول من مصدر للصراع إلى مصدر للتنوع والإبداع.
*إن الطريق من الحرب إلى السلام، ومن التدمير إلى الإعمار، ومن الفقر إلى الإنتاج، ومن التهميش إلى المشاركة، ومن الاستبداد إلى الديمقراطية، لا يمكن أن يبنى من القمة وحدها.*
*بل يجب أن يبدأ من الإنسان والمجتمع، من القرية والحي والمدينة، ثم يصعد إلى الولاية والدولة.*
وهذا هو جوهر:
*الطريق الثالث الأخضر.*
*التغيير الإيجابي الانسيابي الإبداعي الأخضر.*
*وهو طريق يقوم على المشاركة، والإنتاج، والسلام، والعدالة، وحماية البيئة، والتنمية المستدامة.*
*فالسلطة ليست غنيمة، والدولة ليست ملكًا لفئة أو حزب أو جماعة.”*
*الدولة ملك للشعب، والسلطة أمانة عنده.*
*وإذا كان المواطن هو صاحب الحق في هذه الدولة، فمن الطبيعي أن يكون حاضرًا في بنائها وإدارتها ومراقبتها.*
*«ما يخصني لن يكون بدوني».*
*«سوا بنقدر».*
د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
استشاري إدارة جودة وتكاليف إنتاج وخبير حوكمة
خادم حركة السودان الأخضر،
من أجل سودان أخضر وأنضر وأثمر

زر الذهاب إلى الأعلى