




كتب: المستشار معاوية أبوالريش
“مدينة أعارته اسمها فأعارها مجده”
في مايو من عام 1969، شدّ كسلا رحاله مع أسرته متجهاً نحو تلك المدينة التي لم يكن يعلم يومها أن القدر يُعدّ له فيها ما هو أكبر من مجرد إقامة، وأعمق من مجرد محطة عابرة في سلسلة محطات. مدينة كسلا، تلك الجوهرة الشرقية المتربّعة على بُعد نحو خمسمائة كيلومتر من العاصمة الخرطوم، لم تكن في حسابات الفتى الصغير سوى مقرّ جديد أملته وظيفة الأب، لكنها في حسابات الزمن كانت الرحم التي ستحمل اسمه وتمنحه هويّته التي عرفه بها العالم من بعد.
تلك المدينة التي يسكنها ما يزيد على ثمانمائة ألف نسمة، تمتلك من أسباب الجمال ما يجعل الزائر يتساءل كيف تجمّع كل هذا الحسن في بقعة واحدة من الأرض. جبالها السامقة تُطلّ على الأفق كشواهد صامتة على حضارة عريقة، وبساتينها الكثيفة الغنّاء تفوح منها روائح البرتقال والليمون حتى ليخيّل للمارّ أنه يسير في حديقة الجنة لا في شارع من شوارع الدنيا. أما نهر القاش الموسمي المنحدر من الهضبة الأثيوبية فيُكمل هذه اللوحة البديعة حين يُطوّق خاصرة المدينة في موسمه كعقد من الزمرد يُعانق عنق حسناء، فيُحيل الأرض الظامئة إلى بساط من الخضرة يبهر الأبصار ويُسعد الأرواح.
وكانوا قبل ذلك يزورون تلك الجنة الخضراء بين الفينة والأخرى، يتسلّون بين أشجار نخيلها الفارعة وقطف ثمار البرتقال والليمون، ويسعدون باللهو بين أشواط الدافوري غير آبهين بحرارة الشمس أو تصاعد الغبار، تلك اللامبالاة الجميلة التي لا يمتلكها إلا الأطفال والعاشقون. أما هذه المرة فقد أصبحت المدينة وجهة دائمة لا زيارة عابرة، يحمل كسلا في جعبته أوراق تحويله كلاعب من نادي “أهلي مدني” إلى نادي “أهلي كسلا”، غير عالم أن هذه الأوراق لن تكون مجرد وثائق إدارية جافة، بل ستكون مفتاحاً لباب لم يكن يعرف حتى أنه موجود.
وللأهلي كسلا جذور قبلية تمتد في أعماق التاريخ كامتداد جذور النخل في باطن الأرض. فنادي “أهلي كسلا” قام على أكتاف أبناء قبيلة “الحلنقة”، تلك القبيلة التي ترجع في أصلها العربي إلى قبيلة هوازن المضرية العدنانية، التي شدّت رحالها من الجزيرة العربية في منتصف القرن السابع الميلادي، وساقها القدر عبر الأراضي الحبشية إلى تلك المنطقة التي آثرت أن تُقيم فيها إقامة الجذر لا إقامة الضيف، فاختلطت دماء الأجداد بدماء الأحباش الذين تزاوجوا معهم، ونشأت من هذا الاختلاط الجميل هوية فريدة لا تُشبه سواها. ومن فروع القبيلة الرئيسية “القاضندا” أي آل القاضي، وهو اسم جدّ كسلا من أبيه الذي يحمل اسمه في وثائقه الرسمية بفخر واعتزاز: “القاضي محمد حسين”. وقد أشار البروفيسور عون الشريف في موسوعته القيّمة عن القبائل والأنساب إلى أن أجدادهم قدِموا من حيث تنحدر منابع نهر القاش من “مأرب”، وأستقروا في منطقة كانت تسمى ” حلانقيت ” ومن هنا جاء لفظ “الحلنقة” الذي لا يزال يُعرَّف به أبناء تلك المنطقة حتى اليوم.
وعلى الرغم من سمات التمييز القبلي التي كانت طاغية في ذلك الحين، فإن النادي ضمّ في قائمته لاعبين من مدن أخرى ومن أصول مختلفة، أدّوا واجبهم بالإخلاص التام، وكان من هؤلاء: أمين، والسنجك، وجوزيف، ومحمد بخيت، وغيرهم. أما بالنسبة لكسلا فلم يكن هناك مجال للتردد أو السؤال، فقد كان فريق “الأهلي” هو أهله في كل الأحوال، وكان اللعب تحت رايته شرفاً عظيماً و واجباً لا مناص منه ولا تهاون فيه.
“هدف مبكّر في أول مباراة.. وموقف لا يُنسى”
وجد كسلا نفسه فجأة في كشوفات النادي وتحت ضغط نفسي هائل، فقد كان فريق “الأهلي” يواجه أمامه مباراة فاصلة ضد فريق “القاش” بعد أيام قلائل، والخاسر فيها محكوم عليه بالهبوط إلى الدرجة الثانية. يا له من موقف يُلقي فيه القدر بلاعب جديد وسط هذا الاختبار العسير!
وقد راحت الأفكار تتخايل أمام كسلا بكل ثقلها: هو القادم من مدينة “ود مدني” حيث كرة رفيعة المستوى تُضاهي أندية العاصمة من حيث العراقة والقوة، وها هو يجد نفسه في مواجهة منافس لم يسبق له أن رأى لعبه، ولم يملك عنه أدنى تصوّر لإمكاناته الفنية والبشرية. لكن الأمر الواقع لا يرحم، والمجازفة كانت القرار الوحيد الممكن.
وفي يوم المباراة، كان الجوّ داخل العربة التي تحمل لاعبي الفريق مشحوناً بالتوتر والشدّ العصبي الهائل، تلك اللحظات التي يعرفها كل لاعب حقيقي ويعيشها كالسنوات، حين يتصبّب العرق بارداً وتتجمّد الأطراف، وتبدأ الهرمونات بإفرازاتها التي تعصف بكل أنظمة الجسم وكأنها تستعدّ لمعركة وجود لا لمجرد مباراة كرة. وفي خضمّ ذلك التوتر المحتقن أراد كسلا أن يُخفّف من وطأة الجوّ الثقيل، فالتفت ضاحكاً إلى زميل كان يجلس بجانبه، مُشيراً إلى أحد الواقفين في نهاية أحد الصفوف الطويلة على جانب الطريق:
– ينتابني إحساس قوي بأنني سأُحرز اليوم هدفاً ساحراً.. ذو الطاقية الحمراء لن يتمكّن من مشاهدته!
وكان أحد المرافقين للفريق لم يكن بعيداً، ويبدو أنه قد سمع ما قيل، فردّ رافعاً يديه نحو السماء في هدوء الواثق من ربّه:
– إن شاء الله.
ابتُلعت الدعابة في صمت، وعاد الجميع إلى ذلك الصمت المهيب الذي لا يكسره إلا أزيز العجلات على الأرض.
ثم نزلوا مباشرة إلى أرض الملعب وابتدأت المباراة، وكان من حظ كسلا الكبير أن يُسجّل هدفاً في مرمى فريق “القاش” في أولى دقائق المباراة! وبالطبع لم يتمكّن ذلك الواقف خارج الملعب الذي أشار إليه بدعابته من رؤيته. وبفضل الله وتوفيقه وبتضافر جهود كوكبة لامعة من اللاعبين حُسِم الفوز لصالح الأهلي، وكانت تلك الكوكبة تضمّ: أمين، وبشير شرف الدين، والسنجك، وجرنوس، وسليمان، وحسين، وأوشيك كرّار، ودقش، وجوزيف، وبابكر آدم، ومحمد الحسين أوشيك، وعبدالله يعقوب، وعلي أوشيك وآخرون. وبقي “الأهلي” في الدرجة الأولى للمرة الأولى والأخيرة في حياة كسلا الكروية، حيث يعترف بصدق ودهشة أنه لا يذكر أن شيئاً مماثلاً قد تكرّر طوال مسيرته كلاعب!
“رحلة فريق المدرسة.. ومصادفة غيّرت مسار التاريخ”
كان فريق مدرسة كسلا الثانوية في تلك الحقبة من القوة والتماسك بحيث استطاع أن يُنازل فرق الصدارة بالمدينة ويهزمها جميعاً وبفوارق كبيرة في الأهداف، وكان يضمّ نخبة من النجوم الذين أشعّ ذكرهم في سماء كسلا الرياضية: عبدالله يعقوب، والسنجك مهندس الوسط وسيف الخير من أبرع صانعي هجوم فريق كسلا، ومحمد الحسين أوشيك الفنان الهادئ الذي يخدع الخصوم بهدوئه قبل أن يُدمّرهم بفنّه، والسر حاج عثمان، وعبدالدائم، وبابكر آدم، وكانوا جميعاً يتناثرون على أرض الملعب كالشياطين المدرّبة، يهزّون الشباك بلا رحمة ويُحيلون الاستاد إلى مهرجان من البهجة. وكان كسلا ورفاقه يجلّونهم إجلال التلاميذ لأساتذتهم الكبار، ويُحيّونهم بالهتاف والتصفيق كلّما مرّوا.
وفي ديسمبر من عام 1969، حمل ذلك الفريق المجنّح رحاله إلى مدينة القضارف في رحلة كانت بالنسبة لكسلا أكثر من مجرد رحلة رياضية، فالقضارف تسكن وجدانه منذ أن غادرها طفلاً في التاسعة من عمره، وتبقى في ذاكرته كصورة من صور الجنة التي يتوق إلى العودة إليها: غيومها العابرة وسحابها الرحّال، ورائحة دعاشها المبلّلة بماء المطر، وطعم النبق والسدر والحميض والتبش والعنكوليب، تلك المذاقات الطفولية التي لا يعرف سرّها إلا من نشأ في كنفها وشرب من مائها.
قدّم الفريق في القضارف عروضاً كروية جميلة أرضت عشّاق المستديرة بأرض السمسم السمراء ، وفي إحدى أمسيات تلك الرحلة البهيجة، جرت مصادفة بدت عابرة لكنها كانت في حقيقتها نقطة تحوّل في حياة كسلا لم يكن يتوقّعها. فقد التقى بالأخ جلال سعيد، أحد أبناء الأسر العريقة في المدينة التي تربطه بها وشائج المودة والنسب منذ أيام الطفولة. وبعد أن توالت عبارات الترحيب وطالت الجلسة وأوشكت أن تنتهي، قال له جلال وهو يهمّ بالانصراف كمن يُلقي حجراً في بحيرة ساكنة:
– ما رأيك في اللعب لفريق الهلال؟
نظر إليه كسلا مستغرباً:
– كيف ألعب للهلال وأنا أعيش وأدرس بعيداً عنكم بكسلا؟
فردّ جلال ضاحكاً بابتسامة من يعرف ما يقول:
– أنا أقصد الهلال الكبير.. هلال العاصمة!
فقال كسلا وابتسامة تعلو محيّاه:
– هذه دعابة لطيفة ولا شك يا جلال. ستتركني على الأقل أحلم أحلاماً سعيدة!
وافترقا على أمل اللقاء. وانتهت الرحلة الرائعة وعاد الجميع إلى مدينة كسلا لمواصلة الدراسة والنشاط الرياضي، ونسي كسلا كل شيء حتى مزحة جلال الظريفة تلك، غير عالم أن تلك المزحة العابرة كانت البذرة الأولى لشجرة ستُظلّل بعد قليل حياته كلّها.
“سرّ الرسالة العاصمية.. حين تَنطق المصادفات بلغة القدر”
وفي صبيحة أحد الأيام التي لا تتميّز في مخيّلة الطالب عن سواها، سمع كسلا ساعي البريد ينادي باسمه في فناء المدرسة فاندهش. لم تكن المراسلة في ذلك الوقت من هواياته البتة، ولم يكن يكتب لأحد، فكيف إذن تصله رسائل من أحد؟ ربّما من أحد الأقارب في العاصمة، لكنهم لم يكتبوا من قبل قط، فما الذي استجدّ؟
فتح الظرف بأصابع مرتعشة وأسرعت عيناه تبحثان عن التوقيع أولاً، وكانت المفاجأة الكبرى التي جعلت الأرض تدور من تحته والسماء تدنو من فوقه: “سبت دودو”، حارس مرمى الهلال والفريق الأهلي السوداني، الذي أصبح فيما بعد يُعرف رسمياً بالفريق القومي السوداني! ذلك العملاق الذي لم تقف شهرته عند حدود السودان، بل تجاوزتها إلى آفاق رحبة: ففي سوريا أطلقوا عليه لقب “صقر قريش”، وفي كينيا “الصقر الأسود”، وفي موسكو “المارد الأسود”، وفي الصين “الجنرال”!
لم يجد كسلا الكلمات الكافية لوصف ما اكتنفه في تلك اللحظة من دوّامة الأحاسيس والانفعالات المتشابكة. فهو الطالب الصغير المحبّ والعاشق للكرة، يتلقّى فجأة رسالة شخصية من أسطورة بحجم سبت دودو، كأن السماء أرادت أن تُعلّمه أن الأحلام الصادقة لا تموت بل تنتظر لحظتها المقدّرة. قرأ الرسالة مرتين وثلاثاً وأكثر بهدوء متكلَّف لا يُخفي الرعشة التي تسري في أنامله، ولكنّ عبارة واحدة بقيت عالقة في ذهنه كأنها مكتوبة بماء الذهب لا بمداد القلم: “كتب لنا صديقنا جلال سعيد عنك من القضارف، وعرفنا أنّك هلالابي ويسعد الهلال أن تنضمّ إلى صفوفه”.
هنا فقط أدرك كسلا أن مزحة جلال تلك لم تكن مزحة أصلاً! وأن ذلك الأخ الكريم لم يُلقِ حجراً عابراً في بحيرة ساكنة، بل أطلق قذيفة نحو هدف كان يعرفه جيداً. غمرت كسلا فرحة بلا حدود وطفق يُحلّق في سموات من خيال لا قرار له: هل يمكن أن يحدث هذا في الدنيا الفانية؟ هل يمكن لهذا الطالب الصغير أن يلعب يوماً للهلال العظيم الذي ملأ أحلامه وطفولته وصباه؟ ستغمره الأضواء وسيُصبح ملء الأسماع والأبصار، الصحف والإذاعة والتلفزيون والشهرة والمجد! ولا يكتم كسلا اعترافه بصدق ودهشة أنه لم يفهم شيئاً ممّا كان يُلقّنه إياه أستاذه في حجرة الدراسة في ذلك اليوم الذي أصبح في حياته علامة فارقة لا تُمحى.
وما يُعمّق دلالة هذه اللحظة في تقديري أن الرسالة لم تكن مجرد دعوة رياضية عابرة، بل كانت درساً بليغاً في كيفية عمل القدر: فمزحة عابرة في أمسية قضارفية ، تتحوّل إلى رسالة من أسطورة، تتحوّل إلى حياة بأكملها. وفي هذا ما يذكّرنا بأن اللحظات الكبرى في حياة الناس لا تأتي دائماً بطبول وأبواق، بل كثيراً ما تتسلّل إليهم في هيئة مزحة أو رسالة أو كلمة قالها أحدهم وهو يهمّ بالانصراف.
” الفريق القومي يزورنا.. وقرار يُربك الفرحة”
وقبل أن يجف حبر الرسالة في ذاكرة كسلا، جاءه القدر بفرصة أخرى لم يكن يتوقّعها. فبعد أيام قلائل كان منتخب مدينة كسلا يستعدّ للقاء الفريق القومي السوداني في مباراة تجريبية، كان المرجوّ منها أن تُبرز مواهب جديدة تستحق الانضمام لمعسكر الفريق القومي بالعاصمة، استعداداً لخوض نهائيات بطولة أمم أفريقيا التي كانت مقرّرة في فبراير من عام 1970 بالخرطوم وودّ مدني.
وعقب اللقاء الذي انتهى لصالح الفريق القومي السوداني بأربعة أهداف دون ردّ، جاء من يُخطر كسلا بأنه قد تمّ اختياره لمعسكر الفريق القومي. غير أنّه وبالرغم من الفرحة الغامرة التي كادت تحمله على أجنحتها بعيداً، آثر الاعتذار بشكر عميق وامتنان حقيقي، لأسباب وجيهة كان في طليعتها ظروفه الدراسية، فضلاً عن أنّه لم يكن قد تخطّى بعد مرحلة الإقليمية المحلية، وعمره في ملاعب الدرجة الأولى لم يتجاوز عاماً واحداً، وتكوينه الجسماني لم يكن بعدُ بالمستوى الذي يُقنعه هو قبل أن يُقنع سواه.
وفي صدق نادر يتّسم به أصحاب الشخصيات الكبيرة الحقيقية، يعترف كسلا أن اختياره في تلك المرحلة لم يكن في تقديره إلا ضرباً من التشجيع لموهبة في مُقتبل عمرها الكروي. فالفريق القومي كان يعجّ بعمالقة حقيقيين يقف أمامهم الرقم عاجزاً عن الوصف: عبدالعزيز عبدالله، وجكسا، وأمين زكي، ونجم الدين حسن، وسمير صالح، وبابكر سانتو، وجيمس، وكوكا، وكاوندا، وقاقارين، والدحيش، والإسيد، وحسبو الصغير، وعبد الكافي، وبُشرى، وبُشارة. ومن أمام هذه الكوكبة الاستثنائية يستطيع أن يُجادل بأنه الأكثر استحقاقاً للمكان؟
بيد أن ما لفت الأنظار أن مدير الفريق القومي السيد عبد الفتاح حمد نشر بعد عودته تصريحاً أشاد فيه بالمواهب الكروية لكسلا، وكان ذلك في حدّ ذاته شهادة من رجل خبير تساوي في نظر كسلا أكثر بكثير من كثير من الألقاب والجوائز، لأنها جاءت من رجل يعرف قيمة ما يقول، وفي ذلك كان حافزاً يكفيه للتطلّع نحو الأمام بثقة أكبر وخطوات أثبت.
وفي هذا الاعتراف الشجاع تتجلّى واحدة من أنبل سمات كسلا الإنسان قبل اللاعب: تلك الواقعية الصادقة في تقييم الذات التي لا تنفي الطموح بل تمنحه أساساً صلباً يقف عليه. فالذي يعرف وزنه الحقيقي في كل مرحلة هو وحده القادر على أن يُثقّل ميزانه في المرحلة التي تليها.
“اتصالات مريخية.. والصراع على أشدّه بين ضلوع رجل”
لكنّ القدر الذي لا يأتي بهدية واحدة بسيطة حين يريد أن يمتحن صاحبه، أراد أن يجعل هذه المرحلة من حياة كسلا أكثر تعقيداً وأعمق دلالة وأثقل وطأة على القلب. فعقب انتهاء إحدى مباريات الأهلي، تقدّم نحوه شخص لم تسبق له معرفته، عرّفه بنفسه بهدوء وبقدر رفيع من التهذيب باسمه “أحمد الفكي”، ثم انحنى جانباً كمن يُفضي بسرّ لا يريد للريح أن تحمله، وقال له بوضوح لا يحتمل التأويل:
“إنني رجل أعمال أُقيم هنا منذ فترة طويلة، وأنا ذو ميول مريخية عريقة وصريحة، وقد اتصلتُ بإدارة نادي المريخ العاصمي موصياً بضرورة ضمّك لصفوفه، وقد فوّضوني لإجراء هذا الاتصال بك، والمهم موافقتك المبدئية، وستتولى إدارة المريخ الاتصال بك تأكيداً خلال الأيام القليلة القادمة”.
عاد كسلا إلى منزله وكأنه يحمل على كتفيه ثقل قرار لم يتخذه بعد، وراح يُقلّب الأمور ويوازنها من كل جانب بعقل يُحاول أن يكون بارداً وقلب يرفض أن يُطفأ جمره. قضى ليالي طوالاً لا يهنأ فيها بنوم ولا يغمض له جفن، والصراع يستعر في أعماقه ويبلغ أشدّه: نعم لقد أحبّ الهلال منذ أن فتح عينيه على هذا العالم، ولم يكره المريخ يوماً، فلا يجد في نفسه مبرّراً وجيهاً لكراهية شعاره، فالأمر لا يعدو أن يكون سوى انتماء رياضي بمحض الاختيار، والرياضة أصلاً لغتها المودة والمحبة والتنافس الشريف. لكن السؤال الحقيقي الذي كان يُؤرّقه ولا يجد له جواباً شافياً هو: هل يريده الهلال بالجدية ذاتها التي يُبديها المريخ؟ أم أن رسالة الكابتن “سبت دودو” كانت مجرد بادرة لطيفة لا تعدو كونها تشجيعاً لموهبة صغيرة في مدينة بعيدة؟
وكانت الاتصالات المريخية تتوالى بإلحاح لا يهدأ ولا يفتر، حركة دائبة وحفاوة متجدّدة يومياً، في حين بقي الهلال على صمته الذي كان يحتمل كل التأويلات ولا يُجيب عن أيّ منها. وفي هذا التباين الصارخ بين صخب المريخ وصمت الهلال كان قلب كسلا يُعاني ما يُعاني، لأن الصراع لم يكن بين ناديين بل بين وفائين: وفاء لحبّ قديم راسخ في الوجدان كالجذور في الأرض، ووفاء لرجال كرام أبدوا من الاهتمام والحرارة ما يُصعب على صاحب الشيم أن يتجاهله أو يردّه.
“ليلة القرار.. مسافر على حساب المريخ وقلبه معلق بالهلال”
في حضن ليل دافئ وبعد أن أوى كسلا إلى فراشه متعباً من صراع طويل أنهك روحه قبل جسده، راح يُسافر بخياله بعيداً عن كل هذا الثقل: تخيّل نفسه مرتدياً الشعار الأزرق للهلال العظيم وسط جماهير هادرة كالبحر في عاصفة ليلية. ثم تخيّل نفسه منفرداً بحارس مرمى المريخ، يُرسل الكرة من فوقه كأنه يُرسل رسالة إلى السماء، فتطير عالية في قوسها الجميل ثم تنحني وتتهادى بهدوء متعمّد لتعبر خطّ المرمى المقدّس، فيقفز رافعاً يديه نحو السماء مبتهلاً شاكراً وسط الهتاف والنيران والجماهير التي تذوب في لحظة النشوة الكبرى. ثم هدأت أنفاسه وانتظمت دقات قلبه، وعندما حلّق طائر الكرى فوق أجفانه المتعبة وأطبق عليها بجناحيه الناعمين، لم يعد يُحسّ بشيء في هذا العالم.
وحين لاحت أشعة الفجر تلوّن حواف السماء بالذهب والبرتقال، كان كسلا قد اتخذ قراره: إذا كان الهلال حقاً لا يُبادر ولا يُلحّ بالجدية التي تستحقها الموهبة الحقيقية، وإذا كان صمته يعني ما يوحي به من عدم الاكتراث، فسيوقّع للمريخ. وبعد الاتصال الهاتفي التالي مع إدارة المريخ، قال للأخ أحمد الفكي بحسم من وجد أخيراً ما يبحث عنه: “أنا موافق”.
فجاء الردّ بلهفة من كان ينتظر هذه الكلمة:
– إذن متى ستكون مستعداً للسفر؟
– بعد نهاية العام الدراسي وفي بداية العطلة الصيفية.
– كل شيء مرتّب ومنظّم، ستغادر بالطائرة على حساب المريخ وسأقوم بتسليمك التذكرة قبل يوم من موعد السفر، وهناك من سيستقبلك بمطار الخرطوم فلا تقلق.
ولم يكن اختيار تاريخ السفر مصادفة خالية من المعنى، فقد كان كسلا ينوي الرحلة إلى العاصمة أصلاً لحضور حفل زفاف أحد كرماء خاله الشاعر المعروف محمود أبوبكر، وكان في حاجة عميقة إلى التغيير والترويح بعد عام دراسي مجهد ومُضنٍ، وربّما ستساعده بهجة العرس على أن يستعيد خفّة روحه ومرحه الذي غيّبه القلق الطويل.
استلم التذكرة من الأخ أحمد الفكي في الموعد المحدد، وكما وعد فقد كان كل شيء مرتّباً ومنظّماً حتى ذلك الحين. وأقلعت به الطائرة نحو الخرطوم وهو يحمل في جيبه تذكرة سفر على حساب المريخ، وفي صدره قلباً لا يزال يهتف باسم الهلال. وفي هذه المفارقة الطريفة المُوجعة ما يُلخّص بأبلغ ما يكون التلخيص جوهر هذا الإنسان المُركّب العجيب: كان مسافراً على حساب المريخ، ومسافراً بقلبه إلى الهلال!
وأثناء تلك الساعة التي استغرقتها الرحلة الجوية بين كسلا والخرطوم، كان كسلا لا يُفكّر في المريخ ولا في الهلال، بل كان يتساءل في صمت كيف سيتأقلم مع ضجيج العاصمة التي لم يكن يُطيقها، وكيف ستتعلّم تلك الروح المحبّة للهدوء أن ترقص على إيقاع جديد صاخب لم تعتده من قبل. وكأنه كان يعرف في قرارة نفسه أن ما ينتظره في العاصمة ليس مجرد انتقال من نادٍ إلى نادٍ، بل انتقال من حياة إلى حياة، ومن كسلا الذي كان إلى كسلا الذي سيكون.



