تقارير

أسواق السودان بين الجبايات والركود واتساع الاحتجاجات

تشهد الأسواق السودانية خلال أسابيع متتالية موجة من الإضرابات والإغلاقات والاحتجاجات، في عدد من المدن، وسط شكاوى من ارتفاع الضرائب والرسوم والجبايات، إلى جانب مشكلات تنظيم الأسواق وتعدد جهات التحصيل.

ومن الدويم إلى عطبرة وكسلا وشندي، تتكرر التحركات الاحتجاجية في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل، وتراجع القوة الشرائية، ما يضع النشاط التجاري أمام ضغوط متزايدة.

وتثير هذه التحركات تساؤلات حول قدرة الأسواق على الاستمرار في ظل الأعباء المتراكمة، وما إذا كانت المطالب المحلية المتفرقة قد تتقاطع مستقبلاً في احتجاجات أوسع.

الدويم.. الضرائب والجبايات في الواجهة

في مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض، دخل التجار في إضراب شامل يومي 4 و5 أغسطس، احتجاجاً على الرسوم والجبايات.

وكان التجار قد دعوا إلى جولة ثانية من الإضراب يومي 12 و13 أغسطس، غير أن قراراً بتجميد الغرفة التجارية بالمدينة صدر قبل موعد الإضراب، ما أدى إلى توقف الخطوة الاحتجاجية.

وقال الناطق باسم الغرفة التجارية بالدويم، حاتم علوب، إن قرار التجميد صدر قبل ساعات من موعد الإضراب الثاني.

وأوضح أن الغرفة التزمت بالقرار، وأصبحت منذ ذلك الوقت بلا صلاحيات أو دور في إدارة النشاط التجاري أو التفاوض باسم التجار.

وأكد علوب أن تجميد الغرفة لم يغير أسباب الاحتجاج، مشيراً إلى أن الرسوم والجبايات ظلت قائمة ولم تنخفض «جنيهاً واحداً».

وأوضح أن جوهر المشكلة، بحسب تقديره، يتمثل في ارتفاع الرسوم والجبايات وتعدد جهات التحصيل، في وقت تعاني فيه الأسواق من ضعف القوة الشرائية.

وأضاف أن ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل والتحصيل ينعكس في النهاية على أسعار السلع، ما يضع التجار والمستهلكين معاً أمام ضغوط متزايدة.

ويرى علوب أن معالجة الأزمة لا ترتبط بتجميد الغرفة التجارية، وإنما بمراجعة منظومة الرسوم والجبايات، وإنهاء تعدد جهات التحصيل، وفتح حوار مباشر مع التجار.

عطبرة.. إغلاقات متكررة

وفي ولاية نهر النيل، شهدت مدينة عطبرة سلسلة من الإغلاقات والاحتجاجات خلال فترة قصيرة، قبل أن تمتد التحركات إلى مدينة شندي.

وأغلق التجار محالهم في عطبرة يوم 24 أغسطس، احتجاجاً على الرسوم والجبايات وتجديد عقود المحال.

وتجددت الاحتجاجات في 30 أغسطس، قبل أن يدخل التجار في إضراب واسع يومي 6 و7 سبتمبر، احتجاجاً على التقديرات الضريبية والرسوم والجبايات.

وعقب الاحتجاجات، عقدت الغرفة التجارية في عطبرة اجتماعاً ضم التجار ومدير عام الضرائب بالولاية ومدير إدارة الشؤون الاقتصادية، لمناقشة التقديرات الضريبية وإجراءات الاستئناف.

وقال الأمين العام للغرفة التجارية بعطبرة، سيف الدين مقلد، إن الاجتماع ناقش عدداً من مطالب التجار واستفساراتهم، واتُفق خلاله على تسهيل إجراءات الاستئناف الضريبي وإزالة العقبات أمام التجار.

وأوضح أن الاجتماع ناقش أيضاً تسهيل دفع نسبة الـ25% المطلوبة للدخول في الاستئناف، مع إمكانية خفضها وفقاً للإجراءات المتاحة.

وأضاف أن من بين التفاهمات التوسع في المظلة الضريبية، بما يساعد على تخفيف التقديرات وتوزيع العبء على قاعدة أوسع من الممولين.

وأكد أن الغرفة التجارية ستتابع تنفيذ مخرجات الاجتماع، سعياً إلى معالجة القضايا التي دفعت التجار إلى الإغلاق والاحتجاج.

كسلا.. احتجاجات في سوق الذهب

في كسلا، اتخذت الاحتجاجات مسارات مختلفة، إذ ارتبط بعضها بتنظيم سوق الذهب، بينما تعلق بعضها الآخر بمصير العاملات في سوق النسوان.

وفي سوق الذهب، دخل أصحاب المحال في إضراب مفتوح احتجاجاً على ما وصفه الصاغة بممارسات غير قانونية تقوم بها مجموعات تعمل خارج الأطر الرسمية أو تنتحل صفة الصاغة.

وقال شيخ الصاغة بسوق ولاية كسلا، عبود أحمد عيسى، إن محال الذهب أغلقت أبوابها أمام حركة البيع والشراء، احتجاجاً على نشاط مجموعات قال إنها تعمل خارج الأطر القانونية.

وأوضح أن المشكلة تعود، بحسب إفادته، إلى عام 2019، واستمرت خلال السنوات التالية، مشيراً إلى وجود مجموعات قال إنها تمارس عمليات احتيال باسم الصاغة.

وأضاف أن هذه الممارسات ألحقت أضراراً بالتجار النظاميين، وأثرت على سمعة السوق وثقة المواطنين.

وأشار إلى أن استمرار هذه الأنشطة جعل من الصعب أحياناً التمييز بين التجار الذين يعملون وفق الإجراءات القانونية وغيرهم.

وقال إن الصاغة النظاميين ظلوا يتحملون تبعات تصرفات أشخاص لا يمثلونهم.

وبعد تصاعد الأزمة وإغلاق المحال، تدخلت حكومة وسلطات الولاية، وجرى التوصل إلى تفاهمات أسهمت في إعادة فتح السوق واستئناف حركة البيع والشراء.

لكن عيسى شدد على أن إنهاء الإضراب لا يمثل حلاً نهائياً، مطالباً بتنظيم سوق الذهب، ومنع انتحال صفة الصاغة، وحماية التجار والمواطنين، واستعادة الثقة في القطاع.

سوق النسوان.. مخاوف من فقدان مصادر الدخل

ولم تتوقف الاحتجاجات في كسلا عند سوق الذهب.

ففي 13 سبتمبر، احتجت بائعات وعاملات في سوق النسوان، المعروف محلياً باسم «سوق السكسك»، على إجراءات إزالة مواقعهن، عقب بيع الموقع والشروع في ترتيبات لنقلهن إلى موقع آخر.

وقالت مصادر إن العاملات لم يتسلمن الموقع البديل حتى ذلك الوقت، ما أثار مخاوف بشأن فقدان مصدر دخل تعتمد عليه أعداد كبيرة منهن في إعالة أسرهن.

شندي.. الإضراب ينتهي بالتفاهم

وفي شندي بولاية نهر النيل، دخل التجار في إضراب يومي 9 و10 سبتمبر، احتجاجاً على الزيادات في التقديرات الضريبية والرسوم والجبايات.

وقال تجار إن نسبة الالتزام بالإضراب بلغت نحو 98%، قبل أن ينتهي بعد التوصل إلى تفاهمات مع مسؤولي الضرائب والجهات الحكومية بالولاية.

وأوضح التجار أن بعض التقديرات الضريبية ارتفعت إلى نحو ستة أضعاف مقارنة بالسابق.

وأشاروا إلى مطالبات ضريبية وصلت في بعض الحالات إلى تريليون جنيه، وأخرى إلى 275 مليار جنيه، معتبرين أنها لا تتناسب مع حجم النشاط التجاري أو الأرباح الفعلية للمحال.

كما اشتكى التجار من رسوم التصاديق وتصاريح العمل ومطالبات الزكاة.

وقال أحد التجار إن بعض مطالبات الزكاة تبدأ بين خمسة وسبعة مليارات جنيه، قبل أن تنخفض بعد المراجعة إلى نحو مليار و200 مليون جنيه.

ويرى التجار أن المشكلة لا تتعلق بمبدأ الضرائب أو الزكاة، وإنما بطرق التقدير والتحصيل.

وطالبوا بأن تستند المطالبات المالية إلى أسس واضحة تراعي حجم النشاط والدخل الفعلي، إلى جانب حالة الركود التي تشهدها الأسواق.

وأسفر اجتماع ضم مسؤولين في حكومة ولاية نهر النيل وديوان الضرائب وممثلين للغرفة التجارية والتجار عن اتفاق على رفع الإضراب.

كما شملت التفاهمات التوسع في المظلة الضريبية، ومنح التجار مهلة للدخول في لجان الاستئنافات الضريبية، ومواصلة الطعون على التقديرات المفروضة عليهم.

من احتجاجات مطلبية إلى ضغوط اقتصادية أوسع

ومع تكرار الإضرابات والإغلاقات في الدويم وعطبرة وكسلا وشندي خلال فترة قصيرة، برز سؤال حول طبيعة هذه التحركات.

هل هي مطالب محلية منفصلة، لكل مدينة أسبابها الخاصة؟ أم أنها تعكس ضغوطاً اقتصادية أوسع يعيشها القطاع التجاري في السودان؟

ويرى عضو الحزب الشيوعي، قرشي عوض، أن دخول التجار إلى دائرة الاحتجاج يمثل تطوراً جديداً.

ويقول عوض إن التجار كانوا في السابق قادرين على تمرير جزء من ارتفاع تكاليفهم إلى المستهلك عبر رفع أسعار السلع.

لكنه يرى أن التراجع الحاد في القوة الشرائية حدّ من قدرة التجار على استخدام هذه الآلية، ما جعلهم أكثر تأثراً بالضرائب والرسوم وارتفاع تكاليف التشغيل.

ويصف عوض الوضع الاقتصادي بأنه دخل مرحلة «الركود الانكماشي»، مع تراجع قدرة المواطنين على الشراء، الأمر الذي يضع التجار أمام معادلة أكثر تعقيداً.

وبحسب تحليله، لم تعد معالجة الأزمة مرتبطة فقط برسوم محددة، وإنما أصبحت مرتبطة بالسياسات المالية والاقتصادية للدولة.

ويرى أن معالجة التضخم وربط الاقتصاد بالإنتاج تمثل جزءاً من الحلول التي تحتاج إليها الأسواق، إلى جانب مراجعة السياسات المالية والضريبية.

كما يتوقع عوض استمرار الاحتجاجات واتساعها إذا ظلت أسباب الأزمة الاقتصادية قائمة، محذراً من أن الإجراءات الأمنية وفتح البلاغات لا تعالج الأسباب الاقتصادية التي تدفع إلى الاحتجاج.

أسواق تحت الضغط

وبينما تختلف مطالب التجار والعاملين من مدينة إلى أخرى، تكشف التحركات الأخيرة عن ضغوط مشتركة تواجه النشاط التجاري.

فالضرائب والرسوم والجبايات تتقاطع مع ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل، بينما يفرض تراجع القوة الشرائية قيوداً إضافية على قدرة التجار على رفع الأسعار.

وفي ظل استمرار هذه المعادلة، يبقى مستقبل الأسواق مرتبطاً بمدى قدرة السلطات على معالجة شكاوى التجار، وتوحيد قنوات التحصيل، ومراجعة التقديرات المالية، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للنشاط التجاري.

أما استمرار الإضرابات والإغلاقات، فيضع الأزمة الاقتصادية في واجهة المشهد، ويجعل الأسواق واحدة من أبرز ساحات التعبير عن الضغوط التي يواجهها الاقتصاد السوداني

زر الذهاب إلى الأعلى