الأعمدة

” الخرطوم تستقبل أبو جهل… وبقال يحتضن من شتمه! “

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في مشهد لو عُرض على خشبة المسرح لرفضه الجمهور بحجة أنه “مبالغ فيه ولا يصدقه عقل”، هبط خالد أبو رهف على أرض الخرطوم قادماً من كندا الباردة، بجنسيتها وإقامتها وملف لجوئها السارية صلاحيته، ليُستقبَل استقبال الفاتح الذي طال انتظاره، والمنقذ الذي جاء أخيراً ليضع حداً لما عجزت عنه الجيوش والسياسيون والدبلوماسيون!
الرجل الذي غادر السودان يوماً هارباً من ويلات الحرب، حاملاً ملف لجوئه إلى بلاد الثلج والاستقرار، عاد اليوم وقد اشتعل فيه وقود الوطنية فجأة – أو ربما وقود شيء آخر لا نعلمه – ليُعلن انضمامه إلى القوات المشتركة ويبشر السودانيين بالفرج القريب. وكأن دارفور المنكوبة وكردفان المنهكة كانتا تنتظران تحديداً هذا اللايفاتي الكندي الجنسية ليُنجز ما عجزت عنه ثلاث سنوات من الحرب والدم والنزوح!
غير أن جوهرة هذا المشهد الفريد ليست في العودة ذاتها، بل فيمن جاء يستقبل العائد. فقد كان في مقدمة المرحبين المُحتفين رجل اسمه بقال – ذلك الرجل بالذات الذي نال من لسان أبو رهف ما يكفي لملء كتاب، وذاق منه من الشتائم والإهانات ما تستحي منه الريح لو سمعته. فتعانق الرجلان في مطار الخرطوم عناقاً طويلاً دافئاً متلاصقَ الصدرين، وكأنهما صديقان قديمان جمعتهما ذكريات جميلة لا خصمان أمضيا وقتاً طويلاً يتبادلان فيه ما لا يُكرَّر في صحيفة محترمة!
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل مسح بقال ذاكرته طوعاً قبل أن يأتي إلى المطار؟ أم أن الكرامة في قاموس هؤلاء القوم مجرد بضاعة بسعر السوق، ترتفع وتنخفض بحسب الحاجة والمصلحة؟ وهل تكفي عودة لايفاتي من كندا لتُمحى كل تلك السجلات الحافلة؟
لكن لا عجب. فأبو رهف لم يُبقِ في حياته على أحد – لا البرهان ولا مناوي ولا جبريل ولا غيرهم – وهاجم الجميع بنفس الحماس وبنفس اللسان الذي لا يكلّ ولا يهدأ. ثم ها هو اليوم يقف بينهم ضاحكاً مرحَّباً به، وهم يستقبلونه بالأحضان كأن الإنترنت اخترعه مجهول ولم يسمع به أحد، وكأن ذاكرة اليوتيوب والفيسبوك لا تحفظ ما قيل وما صِيح!
والحقيقة المرة التي يرفض أصحابنا الاعتراف بها: أن هذا المشهد كله ليس حادثة فردية طريفة، بل هو مرآة صادقة لسياسة الفلول التي لا تعرف مبادئ ثابتة ولا خطوطاً حمراء، وتجيد فن استخدام كل أداة متاحة في خدمة هدف واحد لا تحيد عنه: العودة إلى السلطة ولو على أجنحة من شتموهم بالأمس.
أبو رهف اليوم مفيد، وغداً قد يكون خصماً، وبعد غد قد يعود حليفاً – والجميع يعلم هذا ويسير في اللعبة بأعين مفتوحة وابتسامات عريضة أمام الكاميرات.
في هذا الزمن الغريب، لا يُسأل عن ماضيك ولا عما قلته، بل يُسأل فقط: هل أنت مفيد الآن؟ وإن كانت الإجابة نعم، فالأحضان جاهزة والمطار مفتوح.

زر الذهاب إلى الأعلى