الأعمدة

السودان يحتاج إلى «ترزي» للوطن كله.. خياطة الجرح تبدأ بالاعتراف

الجروح العميقة لا تندمل بالإنكار، والصفوف الممزقة لا تلتئم بالشعارات. والسودان اليوم ليس أمام جرح واحد، وإنما أمام جراح سياسية واجتماعية ووطنية تراكمت سنوات، ثم جاءت الحرب لتفتحها جميعاً دفعة واحدة.
لذلك فإن الحديث لا ينبغي أن يكون مصالحة بين الإسلاميين وحدهم، ولا بين الأحزاب وحدها، ولا بين النخب السياسية بعيداً عن الناس.
بل تشمل السودانيين جميعاً.
ولا يعني ذلك أن نخلط بين الجميع، ولا أن نسقط المسؤولية عن الجرائم والانتهاكات، ولا أن نطلب من الضحايا أن ينسوا ما حدث.
الجمع الحقيقي يبدأ بالاعتراف، ويستند إلى العدالة، وينتهي إلى التعايش.
ومن هنا تعود إلى الذاكرة قصة «الترزي» التي كتب عنها الصحفي والدبلوماسي عبد المحمود نور الدائم الكرنكي، متناولاً سيرة محمد الحسن محمد علي، أحد قدامى العاملين في الحركة الإسلامية، في مادة بعنوان: «مذكرات ترزي مناضل… النضال الإسلامي سكة حياتنا».
وتُروى في هذا السياق واقعة مفادها أن الشيخ إبراهيم السنوسي والعقيد محمد الأمين خليفة زارا الرجل في منزله، موفدين من الدكتور حسن الترابي، للاستماع إلى رأيه فيما جرى من صراع بين الإسلاميين عام 1999م.
وبحسب الرواية المتداولة، كان رده:
«أنا مع إخواني، ومع وحدة الحركة الإسلامية والعمل الإسلامي».
بعيداً عن تفاصيل تلك المرحلة واختلاف الناس حول أسبابها ومسؤوليات أطرافها، فإن المعنى الذي يمكن استخلاصه منها يتجاوز حدود الحركة الإسلامية نفسها:
الخلاف لا يجب أن يتحول إلى قطيعة أبدية، والاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية وطنية.
وهذا بالضبط ما يحتاجه السودان اليوم.
فإذا كان أبناء التيار الواحد قد احتاجوا إلى الاعتراف بالجرح ومحاولة رأب الصدع، فإن السودان كله يحتاج إلى ذلك بدرجة أكبر.
نحتاج أن نجلس كسودانيين، لا لكي يبحث كل طرف عن انتصار جديد على الآخر، وإنما لكي نسأل بصدق:
كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف تحولت خلافاتنا السياسية إلى خصومات اجتماعية؟ وكيف أصبحت الدولة ميداناً للصراع بدلاً من أن تكون مظلة للجميع؟ وكيف سمحنا للانقسام أن يكبر حتى وصل إلى الحرب؟
هذه الأسئلة لا تخص الإسلاميين وحدهم، ولا اليسار وحده، ولا الأحزاب المدنية وحدها، ولا العسكريين وحدهم، ولا الحركات المسلحة وحدها.
إنها أسئلة السودان كله.
وإذا أردنا أن نخرج من هذه الحرب بوطن قابل للحياة، فلا بد أن ننتقل من عقلية «نحن وهم» إلى عقلية «نحن السودانيين».
ليس المطلوب أن يتنازل الناس عن قناعاتهم.
المطلوب أن يتعلموا كيف يختلفون دون أن يهدموا الوطن.ليس المطلوب أن نلغي المحاسبة.
المطلوب أن تكون العدالة مستقلة وعادلة، لا أداة لتصفية الحسابات.ليس المطلوب أن ننسى الضحايا.
المطلوب أن نحفظ حقوقهم وكرامتهم، وأن نمنع تكرار ما حدث.المطلوب أن نبني سوداناً جديداً، تكون فيه السياسة منافسة لا معركة وجود، والاختلاف حقاً لا جريمة، والسلطة مسؤولية لا غنيمة.
وهنا تصبح «الخياطة» التي نتحدث عنها أكبر من خياطة صف سياسي أو تيار فكري.
إنها خياطة نسيج الوطن نفسه.
والنسيج السوداني لن يُصلح إذا حاول طرف أن يحتكر الإبرة، أو ادعى أنه وحده يملك الحقيقة.
نحتاج إلى الجميع، وقبل هؤلاء وبعدهم المواطن السوداني البسيط الذي دفع ثمن الحرب دون أن يكون له قرار فيها.
ولذلك فإن السودان يحتاج اليوم إلى «ترزية» من نوع آخر: رجالاً ونساءً يملكون شجاعة الاعتراف، ونظافة اليد، وسعة الصدر، والقدرة على الاستماع، والإيمان بأن الوطن أكبر من الحزب والتيار والقبيلة والمنطقة.
فالجرح السوداني كبير، ولا تكفيه غرزة واحدة.
لكن أول غرزة يمكن أن تكون بسيطة جداً: أن نعترف جميعاً بأن السودان جُرح، وأن نقرر جميعاً ألا نمزقه أكثر .
ثم ماذا بعد ؟!

زر الذهاب إلى الأعلى