


كتب: المستشار معاوية أبو الريش
في الرابع والعشرين من سبتمبر الماضي ، تدثّرت قاعة أوبرا مدينة الثقافة في تونس بعباءةٍ من الضوء والموسيقى، وأسدل المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في دورته السادسة والعشرين ستارتَه الأخيرة على عرضٍ أوركسترالي فاخر، أبدعه الموسيقار التونسي كريم الثليبي تحت عنوانٍ يفيض بالشاعرية: “سافر إليك وغنّ” وكان بين المشاركين في ذلك الحفل الاحتفالي الأنيق صوت سوداني شاب، حمل اسم مأمون سوار الذهب، وحمل معه ثقلَ أمةٍ لها في الغناء تاريخٌ يضيق عن استيعابه الوصف ويعجز عن استيفائه القلم.
منذ أن أُسدل ذلك الستار، والأقلام السودانية تتقاطع وتتنازع، وتشتعل جذوة النقاش بين مُشيدٍ يرى في تلك الليلة انتصاراً ثقافياً ناصعاً، ومعترضٍ يراها فرصةً ذهبية أُهدرت في غير موضعها. وليس من العدل أن نُسقط أحد الصوتين ونُعلي الآخر دون أن نتأمّل كلاً منهما في ضوء النظر المنصف والمحبة الصادقة للوطن.
أولاً: شاهدٌ من حضر وأبصر
كتب الإعلامي سامر العمرابي، وهو ممن حضروا تلك الأمسية بأم أعينهم لا ناقلاً عن بُعد، فنبّه إلى خلطٍ جسيم شاب كثيراً من التحليلات المتسرعة، إذ انطلق أصحابها من معلومة مغلوطة في أصلها، فظنوا أن المهرجان هو “مهرجان الأغنية العربية” المتوقف منذ سنين، فبنوا على هذا الوهم صرحاً من الأحكام المتهالكة. والحقيقة التي أكدها العمرابي أن المهرجان هو مهرجان الإذاعة والتلفزيون العريق، وأن فكرته تقوم على رحلة موسيقية تحتفي بتنوع الموروث الغنائي العربي عبر دمج التخت الشرقي بالأوركسترا السمفونية، وأن اختيار مأمون جاء بعد أن استمع إليه الموسيقار الثليبي بنفسه من بين عدد من الأصوات السودانية الشابة، فاصطفاه وفق المعايير ذاتها التي اختار بها سائر الأصوات العربية الخمسة الأخرى.
وأفاد العمرابي بأن أداء مأمون نال إعجاب الحاضرين، وأن كلمات أغنيته أيقظت فيهم الفضول، فأقبلوا عليه بعد العرض يرددونها معه ويستفسرون عن دلالاتها ومعانيها، وأن لقاءاتٍ إعلامية مكثفة مع وسائل إعلام عربية كبرى أعقبت ظهوره دليلاً على أن الرسالة وصلت بصورة أو بأخرى. ولفت إلى أن مأمون أدّى أيضاً الأغنية المصرية الشهيرة “سالمة يا سلامة” فوجد تجاوباً لافتاً من الزملاء المصريين، مما يكشف عن انسجامه العفوي مع المزاج العربي الجمعي في تلك الليلة. ورأى العمرابي في كل ذلك نجاحاً حقيقياً لفنانٍ قدّم لوناً غنائياً سودانياً مختلفاً في سياقٍ إنتاجي رفيع المستوى من حيث التوزيع الموسيقي والإضاءة وسائر عناصر الصورة المبهرة.
ثانياً: ناقدٌ أحبّ فجاهر
بيد أن ثمة صوتاً آخر لا يجوز إسقاطه أو التهوين منه، هو صوت الإعلامي القدير الأستاذ الطيب عبد الماجد، الذي كتب بلغة ناقدٍ يجمع بين الحدّة والمحبة والمسؤولية، تحت عنوانٍ لا يقبل المراوغة: “الأغنية الغلط في المكان الغلط”. وقد تناول الأستاذ الطيب جوهر الإشكالية من زاويةٍ فنية موسيقية صميمة، مُشيراً إلى أن الوقوف أمام خمسة وعشرين عازفاً محترفاً وكورالٍ متمرس وجمهورٍ عربي يترقّب لا يستقيم إلا بدراسةٍ مسبقة تُجيب عن سؤالٍ واضح: ماذا تريد أن تقول، ولمن تقول، وكيف تُوصِل؟
ورأى الطيب عبد الماجد أن الأغنية المختارة، بما تحمله من تكرارٍ لحني وطابعٍ شعبي مكثّف، تُعجز الأوركسترا عن الإبداع الحقيقي وتُخرج العزفَ عائماً مغترب الروح، فتضيع في تلك الفجوة جماليات التوزيع والقدرة التعبيرية للصوت معاً. واستشهد بذخيرة الغناء السوداني الكبير التي كان بالإمكان الاستناد إليها، أغانٍ تحمل عمقاً هارمونياً وبناءً لحنياً رحيباً يتنفس في فضاء الأوركسترا السمفونية ويرتقي بها ، من روائع وردي وكابلي إلى محمد الأمين وعبد القادر سالم، وكلها تُخاطب الأذن العربية والعالمية في آنٍ واحد وتترك في الوجدان أثراً لا يمحوه النسيان. وختم الطيب رأيه بعبارة تلخّص ما أراد إيصاله: التمثيل الثقافي ليس مجرد رفع شعار المحلية، بل هو كيفية تقديم هذه المحلية بلغة عالمية يفهمها الآخر ويحترمها.
ثالثاً: بين الحُجَّتين.. أين يقف الحق؟
من موقع التأمل المنصف، يبدو أن الرجلين لا يتناقضان تناقضاً جذرياً بقدر ما يتكاملان من زاويتين مختلفتين، فسامر العمرابي يُقرّر أن مأمون نجح كفنانٍ بما أتاحه له الموقف من صوتٍ وحضورٍ وشخصية آسرة، وهذا لا يجوز إنكاره. والطيب عبد الماجد يرى أن الاختيار لم يكن في مستوى المناسبة وما تستحقه ذاكرة الفن السوداني من عمق وشموخ، وهذا أيضاً لا يجوز التغاضي عنه.
وهنا بالضبط يكمن جوهر القضية الحقيقية: أن التمثيل الثقافي في المحافل الكبرى ليس قراراً فردياً يُترك لفنانٍ شاب وإن أوتي موهبةً وحسن نية، بل هو مسؤولية مؤسسية راسخة تستوجب لجاناً متخصصة تضم الموسيقيين والنقاد وأصحاب البصيرة، تدرس المناسبة وتفقه سياقها وتصطفي العمل الذي يُعبّر عن السودان بأرفع ما فيه لا بأيسر ما يُقدَّم.
والسودان يمتلك من الرصيد الموسيقي ما يجعله قِبلةً للدارسين ومثار إعجاب الموسيقيين العرب والعالميين. وقد كان عمار الشريعي، أحد أعمدة الموسيقى المصرية، يُجاهر بأن من أبدع موسيقى حقيقية في المنطقة العربية هو محمد الأمين، ذلك الباشكاتب الفذّ الذي أودع السودان خارطةَ الموسيقى العالمية بعمقٍ تعبيري لا ضفاف له. فكيف تكون بين يدي المسؤولين خزينةٌ بهذا الثراء الباذخ، ثم يؤثرون ما هو أدنى منها في منصةٍ لا تتكرر؟
لمأمون سوار الذهب نقول بكل صدقٍ ومحبة: صوتك ثروةٌ لم تُكتشف كل آفاقها بعد، وأمامك دروبٌ أرحب من أن يُضيّقها حكمٌ عابر أو خذلان لحظة. وما كان ينقص تلك الليلة الباهرة في قاعة الأوبرا التونسية لم يكن موهبتك التي شهد لها الحاضرون، ولا صوتك الذي أسكَر الأسماع، بل كان ذلك الاختيار المدروس الحكيم الذي يقول للعالم بلا استئذان: هذا هو السودان في أبهى تجلياته وأعلى قِمَمه.
أنت لم تكن مُقصّراً بقدر ما كانت المنظومة من حولك مُقصِّرة في حقك وفي حق الوطن معاً، فالفنان الشاب لا يُلقى به وحيداً في مواجهة جمهورٍ عربي يتطلع إلى صورة بلدٍ بأكمله، دون أن تسنده مؤسسةٌ واعية تحمل معه العبء وتُضيء له الطريق. وما حدث يستدعي مراجعةً صريحة لا مجاملةً تُنسي الجرح وتُبقي عليه.
وللمنظومة الثقافية والإعلامية السودانية كلها نقول: إن الفرص الكبرى لا تُنتظَر بل تُصنَع بالتخطيط والرؤية والإرادة. ويومَ تقف بلادنا من جديد على تلك المنصات العربية والعالمية، وبين يديها مفاتيح ذلك الإرث الموسيقي الهائل، فلا يكون ردّها إلا إرسال ما يُدهش الأسماع ويستوطن الوجدان ويُخلَّد في ذاكرة العرب والعالم.
فالأغنية التي تمثّل أمةً ليست مجرد ألحانٍ وكلمات، بل هي رسالةٌ حضارية تحمل في ثناياها عطر التاريخ ونبض الأرض وروح الإنسان. وحين تنطلق تلك الرسالة مكتملةً من صوتٍ سوداني حرٍّ في المقام الصحيح والمكان الصحيح والاختيار الصحيح، فسيعرف العالم حينئذٍ أن على ضفاف النيل شعباً غنّى للحياة قبل أن تعرف الحياة كيف تُغنّى.
ذلك هو رأيي، والحق أجلّ من كل رأي.



