الأعمدة

‏*نهاية المتاجرة بالسيادة وبداية عزل بقايا “النظام البائد” في السودان*

عبير ياسر
‏يأتي البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في سبتمبر 2026 بمثابة زلزال سياسي يقتلع “أوهام الشرعية” التي يتبجح بها طرفا الصراع في السودان، حيث أكدت واشنطن بوضوح لا لبس فيه: “لا القوات المسلحة السودانية، ولا قوات الدعم السريع، ولا قادة أيّ منهما، يمثّلون حكماً شرعياً ودستورياً للسودان”. هذا الموقف الحاسم لا يفكك فقط الغطاء السياسي عن جنرالات الحرب، بل يمثل ضربة قاضية لتيار “الإخوان المسلمين” (الحركة الإسلامية) الذين تسللوا خلف لافتة المؤسسة العسكرية لإعادة إنتاج نظامهم الاستبدادي البائد وإطالة أمد الحرب لضمان عودتهم إلى السلطة.
‏سياسياً وقانونياً، يضع هذا الإعلان حداً ل “الابتزاز السيادي” الذي مارسته قيادة الجيش؛ فالولايات المتحدة، ومن خلفها المجتمع الدولي، تدرك جيداً أن القرار العسكري والسياسي الحالي داخل بورتسودان بات مختطفاً من قِبل واشنطن تُسميهم “الشبكات التي تغذي الحرب”، وفي مقدمتها كتائب النظام القديم وعناصر الإخوان الذين لا يرون في استمرار الدولة أو دماء الشعب السوداني سوى وسيلة للثأر والانتقام. البيان الأمريكي أرسل رسالة واضحة: العالم لن يعترف بنظام يُعاد صياغته لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ديسمبر 2019، كما أنه يسقط تماماً أي محاولة لمنح شرعية دستورية لقوات الدعم السريع التي ارتكبت جرائم مروعة ضد المدنيين.
‏إن التلويح الأمريكي ب “رفع الكلفة” عبر حزمة عقوبات وملاحقات مالية ودبلوماسية يستهدف مباشرةً هذه “الشبكات” الإخوانية والمصالح التمويلية التي تقتات على استمرار النزاع. الخيار الوحيد المتبقي أمام السودانيين هو تجاوز هذه القيادات العسكرية التي ترهن قرارها لأجندات حزبية ضيقة، والتحرك نحو جبهة مدنية عريضة تستعيد الثورة، وتعزل دعاة الفتن والتمكين، لتبني سلطة شرعية حقيقية تعبر عن إرادة الشعب لا عن أطماع الجنرالات وتجار الدين.

زر الذهاب إلى الأعلى