الأعمدة

ولاية الجزيرة من سلة غذاء السودان إلى سلة غذاء الكيزان

✍️ مؤيد الأمين
ولاية الجزيرة ما كانت ولاية عادية في تاريخ السودان. كانت قلب الإنتاج النابض، وعنوان الخير والعطاء، وواحدة من أكبر المشاريع الزراعية البتعرفها القارة الأفريقية. كانت الجزيرة رمز لقدرة السودانيين على إطعام نفسهم، وتصدير الفائض للعالم.
لكن اليوم، وبعد سنين من العبث والفساد والحرب، تحولت الولاية العظيمة دي إلى نموذج مؤلم لكيفية تدمير الأوطان على يد الإسلامويين، البِقوا ما اكتفوا بإشعال الحروب، بل خلوا من معاناة المواطن مصدر دائم للثراء والنهب.
في الجزيرة اليوم، المواطن ما بحس إنو عايش في ولاية زراعية غنية، بقدر ما بحس إنو عايش جوة شبكة كبيرة من الجبايات والرسوم البتلاحقو في كل خطوة.
بصحى الصباح شايل همومو، وما بفكر كيف يحسن حياتو أو يطور شغلو، لكن بفكر بس كيف يقدر ينجو من قائمة طويلة من الرسوم البتنتهي وما بتنتهي.
رسوم المدارس بتزيد بلا سقف.
رسوم الخدمات بتتضاعف من غير مبرر.
رسوم الموية والكهرباء بتزيد، والخدمات ذاتها بتتراجع.
الضرائب بتلاحق الجميع.
والجبايات بتتكاثر زي الحشائش السامة.
أما الزكاة، البالمفروض تكون وسيلة للتكافل الاجتماعي، فتحولت في حالات كتيرة لوسيلة تانية لاستنزاف المواطن المرهق.
والنتيجة في النهاية واحدة:
المواطن بدفع أكتر، وباخد أقل.
بدفع للكهرباء، وبعد داك بقعد بالساعات في الظلام.
بدفع للموية، وبعد داك بفضل مستني وصولها بالأيام.
بدفع للتعليم، وبعد كل فصل دراسي بتطلع ليهو رسوم جديدة.
بدفع للدولة، ولما يحتاج الدولة، بكتشف إنها غايبة.
دي ما مجرد إدارة فاشلة، دي منظومة كاملة قائمة على استنزاف المواطن لحد آخر جنيه في جيبو.
الإسلامويون رجعوا للمشهد بالطريقة البعرفوها كويس: السيطرة على المؤسسات، والتغلغل جوة الإدارات، وإعادة بناء شبكات المصالح القديمة، وتحويل المرافق العامة لأدوات للتحصيل والجباية.
وفي الوقت البكان فيه المواطن بعد ثورة ديسمبر بحلم بدولة تخدم الناس وتحترم حقوقهم، كانت شبكات الكيزان شغالة في هدوء لإعادة بناء نفوذها داخل أجهزة الدولة ومراكز اتخاذ القرار.
والحرب، بطبيعتها، وفرت ليهم الغطاء المثالي للفوضى وغياب المحاسبة.
في زمن الحرب، التدقيق بختفي.
في زمن الحرب، الرقابة بتتراجع.
وفي زمن الحرب، بكون ساهل تمرير الفساد تحت لافتات الأمن والطوارئ والأزمات.
وده بالضبط الحصل.
معاناة المواطنين اتحولت لسوق مفتوحة للاستغلال، والمؤسسات بقت أشبه بنقاط جباية متحركة، والمواطن بقى هو الممول الوحيد لمنظومة ما بتقدم ليهو غير مزيد من الضغط والإذلال.
والموضوع ما وقف عند الجبايات الرسمية.
كتير من المواطنين بتكلموا عن واقع تاني أكتر قسوة: الرشوة البقت جزء من تفاصيل الحياة اليومية.
معاملة واقفة؟ ادفع.
ورقة رسمية؟ ادفع.
خدمة عامة؟ ادفع.
وكأن القانون الحقيقي البقى بحكم الحياة ما هو اللوائح والأنظمة، وإنما مقدار القروش البقدر المواطن يدفعها.
وفي المقابل، التنمية وين؟
مشاريع الري وين؟
تأهيل البنية التحتية وين؟
دعم المزارعين وين؟
تحسين المدارس وين؟
تطوير المستشفيات وين؟
والأموال البتتحصل كل يوم من المواطنين، مشت وين؟
دي أسئلة بتتكرر في المجالس والأسواق والشوارع، لكن ما بتلقى إجابات.
الجزيرة، البكانت بتنتج الغذاء، بقت بتنتج الأزمات.
الجزيرة، البكانت مصدر أمل، بقت مصدر للشكوى.
الجزيرة، البكانت بتضخ الخير لكل السودان، بقت بتنـزف تحت وطأة الفساد والجباية وسوء الإدارة.
لكن الأخطر من كل ده، هو حالة الصمت البدت تتمدد وسط الناس.
صمت ما سببو الرضا، لكن الإنهاك.
صمت ناتج من الإحباط.
وصمت سببو إحساس عند كتيرين إنو أصواتهم ما عادت مسموعة.
الحرب أنهكت المواطنين اقتصادياً ونفسياً.
دمرت مصادر الدخل، قفلت فرص العمل، رفعت الأسعار لمستويات غير مسبوقة، وخلت آلاف الأسر عاجزة حتى عن توفير أبسط احتياجاتها.
وفي وسط الخراب ده، جات جيوش الجبايات عشان تكمل الحصلتو الحرب.
المواطن الفقد شغلو مطلوب منو يدفع.
والمزارع الخسر محصولو مطلوب منو يدفع.
والمعلم البقى راتبو ما مكفي مطلوب منو يدفع.
والعامل البسيط البكافح عشان يأكل أسرتو مطلوب منو يدفع.
الجميع بدفع، إلا الفاسدين الصنعوا الواقع ده.
البيحصل في الجزيرة اليوم ما مجرد أزمة اقتصادية، بل جريمة سياسية وأخلاقية في حق مجتمع كامل.
جريمة بتترتكب باسم الإدارة والخدمات والتنظيم، لكن حقيقتها نقل ما تبقى في جيوب المواطنين إلى شبكات المصالح البعاشت لعقود على استغلال الدولة ومواردها.
التجربة السودانية أثبتت مراراً إنو الإسلامويين لما يفشلوا في كسب ثقة الناس، برجعوا للسيطرة عن طريق المؤسسات والموارد والاقتصاد.
ولما يخسروا السياسة، بحاولوا يعوضوا ده بالهيمنة على تفاصيل حياة المواطن اليومية.
لكن التاريخ برضو أثبت حقيقة تانية:
الشعوب ممكن تصبر طويلاً، لكن ما بتنسى.
والظلم مهما طال، ما بقدر يتحول إلى حق.
والذين حولوا ولاية الجزيرة من سلة غذاء السودان إلى سلة جبايات، ما ح يقدروا يهربوا من سؤال المسؤولية، مهما حاولوا يختبوا ورا الشعارات والخطب واللافتات.
الجزيرة تستحق ترجع زي ما كانت:
أرض للإنتاج، ما للنهب.
وموطن للكرامة، ما للإذلال.
ورمز للعطاء، ما نموذج للاستغلال.
أما المواطن البفضل ساكت كل السنين دي، فهو ما محتاج مزيد من الخطب والوعود.
المواطن محتاج دولة تحترم إنسانيتو، وتحمي رزقو، وتوقف النزيف المستمر البيلتهم حياتو ومستقبل أولادو يوم بعد يوم.

زر الذهاب إلى الأعلى