
حفلت أشعار أغاني الحقيبة بالعديد من القصائد التي تحتوي على الخمر ومسمّياتها العديدة وتبعاتها من سُكر، وكؤوس، ودِنَان ونَشْوة وندماء وإلى غير ذلك، شأنها شأن الشعر الصوفي الذي انتشرت فيه رمزية الدلالة للخمر وحالاتها ومجالسها ونَظموا فيها القصائد العِدَاد، بيد أن الخمر في الشعر الصوفي لا تعني الخمر الحِسِّيّة، وإنما تعد تعبيراً عن حبهم الإلهي، وبالتالي، يصبح الحب الإلهي هو الباعث الحقيقي على أحوال السُكر المعنوي والغيبة بالواردات.
يهدف هذا المقال الى تسليط الضوء على الدلالة الرمزية للخمر والابعاد الروحية لها في اشعار الحقيبة وأشعار المتصوفة، وتبيان أثرها الجمالي في تجاربهم الشعرية. وهو بالضرورة لا يتناول جميع اشعار الحقيبة وكذلك كافة اشعار المتصوفة، وإنما يتناول بعض النماذج منها لاستجلاء خفايا رمزية الخمر وكشف سبر أغوار محمولها الدلالي في اشعارهم.
يحيل الشاعر أحمد حسين العمرابي دلالة الخمر الحِسّيّة في قصيدته الغنائية “خمرة هواك يامي” إلى فضاء وجداني روحي، يتجاوز به مدلولها المادي، ويعضد ما أشرنا اليه وصفه لها بأنها مُشَعشَعة بصفاء الوجد وجليّة بنقاء الروح <>، مما يجعلها قادرة على استلاب العقل والقلب معاً، وهي بالضرورة لا تعني الخمر المادية ” الخمرة البابلية” التي تذهب بالعقل دون سواه <>، وبذلك تغدو الخمر رمزاً للاستغراق في عشق المحبوب، ومبعثاً للنشوة الروحية.
خمرة هواك يا مي صافية وجلية….. هي اللاعبة بالألباب لا البابلية
وهو ما يتسق – إلى حد كبير- مع الوجد العرفانيّ عند الصوفية، الذي يعد السُكر ثمرة للمحبّة الإلهيّة الخالصة التي تحدث عندما يتجلّى المحبوب في قلب المُحب قبل تجليه في عينيه، وعندها تنتابه حالة سّكر فجائية تعتري وجدانه وتشل حواسه وتعطّل حركته.
في قصيدته ” ما بنسي ليلة كنا تايهين في سمر” التي لحنها وغناها الفنان/ كرومة، يحتسي الشاعر/ محمد البشير عتيق خمر الحب الالهي والوجد العرفاني في جو مفعم بعناصر الجمال: النهر، والزهر، والبدر، والنور، فيتحول المشهد كله مُوشّى بعدد وافر من الايحاءات والرموز التي تعبّر عن شدة لوعة الشاعر وجَيشان عاطفته:
الجو سكر.. من ريك اتعطر خمر
ما بنسي ليلة كنا في شاطي النهر
نتعاطى خمر الحب بكاسات الزهر
الخمر في العرفانيّة الصّوفيّة، تعيد النفس إلى عالم الروح والحقائق اللّدنيّة، الأمر الذي جعل الجو يتعطر من رضاب المحبوب في قول الشاعر <>.
ولعل الشاعر/ محمد البشير عتيق في الابيات السابقة اقتفى أثر الشاعر الصوفي عمر بن الفارض (1181- 1234م) الذي شكّل من مجلس الخمر الزاخر بالرموز الكونية كالشمس، والكأس، والهلال مشهداً كونياً نورانياً، في قوله:
شَر ِبْنَا، على ذكرِ الحبيب مُدَامَةً
سَكِرنَا بها، من قبل أَن يُخلق الكرْ م
لها البدر كأس، وَهي شَمسٌ، يُديرها
هلّال، وكم يبدو إذا مُزجتْ نَجم
يُنشئ الشاعر/ محمد ود الرضي مفارقة تعبيرية رائعة في قصيدته “السلام يا روح البدن” حينما جعل للعشاق سُكراً دون أن يدور بينهم كأس خمر أو دنان <>، في إشارة منه إلى أن مصدر سكرهم ليس الخمر الحسية، وإنما يأتي وليداً للمحبة الخالصة والكشف الروحي، الذي يفقد العاشق إحساسه المعتاد بذاته، ومن ثم بالعالم من حوله.
غنى قمر الليل مرشدناً** أسكر العشاق غير دن
ولعل ذلك يتماهى مع فلسفة الشاعر الصوفي/ عبد الغني النابلسي التي تؤكد بأن خمرته تتعلق دلالياً بالمعارف اللدنية ويرتبط سُكره وجدانياً بالمشاهدات الروحية <>. وفي مشهد صوفي بديع يعكس الشاعر العلاقة بين العاشق والخمر؛ فلم يعد العاشق مجرد شارباً للخمر، بل يتحول إلى قنينة لها <>، وبالتالي يصبح العاشق روحياً بمثابة الوعاء، ويصير قلبه اناءً يُعصر فيه خمرة العشق الالهي والوجد الصوفي.
خمرنا خمرُ المعاني ** عُتِّقتْ من قبل آدم
ولها نحن القناني ** من زمانٍ قد تقادم
يجعل الشاعر /عبيد عبد الرحمن في قصيدته ” ولهان هامي دمعي “؛ من لحظ المحبوبة مجلساً تدور في أرجائه كؤوس الوجد، فتغدو النظرة إلى لحظها منهلاً ترتشف منه الأرواح الوَلْهَى، وحينها تمثل الكؤوس أوعية للمعاني والأسرار، ويغدو الخمر رمزاً للمحبة والوجد الصوفي <>. وعلى الرغم من أن الشاعر يبذل غاية طاقته في سبيل الارتواء من السُكر المعنوي، الا إنه لم يبلغ حد الارتواء منه، وذلك لأن نشوة المحبة قد استغرقت كلّ كيانه <>.
لحظك دار ﻛﺆﻭﺳﻪ … ﺭﺍﺡ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺳﻘﺎلي
كنت ﺳﻤﻴﺮ هناي …. ﻭ كنت نشيد مقالي
ﻗﺼﺪﻱ ﺃﺗﻢ ﺷﺮﺍﺑﻲ …… ﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﺑﻘﺎﻟﻲ
ﻋﻨﺐ ﺍﻟﺸﺎﻡ ﺑﺤﺒﻪ ….. ﺇﻻ ﻋﺼﻴﺮه غالي
يذهب الشاعر الشيخ عبد القادر الجيلاني (1077 – 1165 م) في قصيدته ” الغوثية” مذهباً بعيداً عندما جعل الحب هو الساقي الحقيقي له، وأن نظرات المحبوب قد غدت كؤوساً يرتشف منها العاشق خمر العشق والوجد، وبذلك تنتقل الخمر من كونها شراباً مادياً إلى رمز للنشوة التي تكون ثمرتها المباشرة هي القرب من المحبوب.
سقاني الحب كاسات الوصال** فقلت لخمرتي نحوي تعالي
سعت ومشت لنحوي في كؤوس**فهمت بسكرتي بين الموالي
الشاعر أبو صلاح في قصيدته من “قليبو الجافي لي قليبي الحان” يتفوق على العديد من قُرَنائه الشعراء حينما اضفى على عناصر الطبيعة حالة الوجد الصوفي، وأسبغ عليها طابعاً روحياً قوامه السماع والطرب والانتشاء بقوله:
الغصون تتناول منه خمر الحان
والطيور تتناشد رايق الألحان
الفروع تتمايل ميلة الفرحان
فالغصون في الابيات السابقة عند احتسائها ل «خمر المحبة»، تتسرب نشوتها إلى كل من الطيور والفروع، فتتجاوب الأولى معها بعذوبة إنشادها، والفروع بلُدُونة ميساها، وحينها لا تصبح الخمر شراباً حسياً فحسب، بل تتحول رمزاً للاستغراق في حضرة شهود الحق.
وكما سقى الحب الشاعر/ عبد القادر الجيلاني كاسات الوصال، رفد ايضاً لشيخ الشيوخ/ أبو مدين التلمساني (1115 م 1198 م) بكاس من الحب صافياً من الأكدار، خالياً من الأغيار، وخالصاً لوجه المحبوب دون سواه، ولذا يتمنى أن ينهل المحبوب من ذات الكأس التي سُقي منها “يبادله نفس الحب”.
سقاني الهوى كأساً من الحب صافياً
فيا ليتهُ لمّا سقاني سقاكُم
تُعد الخمر عند الشاعر عمر البنا في قصيدته «يا سيد الروح» رمزاً للمعرفة والكشف الروحي، ولا سيما في قوله: «ها هي حقيقة الأمر.. أنا ما بسكر من الخمر». ويكتسب استهلاله للبيت بعبارة «ها هي حقيقة الأمر» دلالة خاصة، إذ يبدو الشاعر وكأنه يزيح الستار عن حقيقة باطنية طالما خفيت وراء المعنى الظاهري للخمر، معلناً أن سُكره ليس ناتجاً عن الخمر الحسية، وإنما عن تجربة وجدانية وروحية أعمق، تتجاوز حدود الحس إلى فضاء المحبة والوجد.
ها هي حقيقة الامر انا ما بسكر من الخمر
ولا من صوت القمري لكن نظرات سيد عمري
تسكرني وتصحيني وتزيد أسرى
وتتجلى براعة الصورة الشعرية في انتقال الشاعر من الكأس الحسية إلى نظرة المحبوب، في قوله: «لكن نظرات سيد عمري»؛ فبعد أن كانت الخمر تُرتشف من الكأس، تصبح نظرة المحبوب ذاتها كأساً معنوياً يرتوي منها العاشق حد الثمالة. وهنا تصبح رمزية الخمر من كونها شراباً مادياً إلى كونها فيضاً معرفياً وجمالياً، فيغدو النظر إليها فعلاً من أفعال التذوق الروحي.



