الأعمدة

الكرة السودانية تُنادي: ارحلوا دعوة إلى مليونية كروية”

“


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
لم تعد شكوى الكرة السودانية همساً يتهامسه رواد المقاهي، ولا زفرةً عابرة تُطلقها المدرجات الخاوية، بل غدت صرخةً جماعية يرددها كل من عشق هذه اللعبة وسكنته تفاصيلها. فبعد سنواتٍ عجاف من التراجع وسوء التدبير، بلغ الأمر مبلغاً لا يليق به الصمت، ولا يُجدي معه التبرير.
مجدٌ صنعه الأوائل
كان السودان في طليعة من أوقدوا شعلة الكرة الأفريقية، فهو أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وعلى أرضه انطلقت النسخة الأولى من كأس الأمم الأفريقية عام 1957، ومن بعدها توّج منتخبه بلقبها عام 1970. وما انقطع عطاء هذه الأرض جيلاً بعد جيل، إذ أنجبت نجوماً وأنديةً عريقة رفعت اسم البلاد في المحافل عالياً.
واقعٌ لا يشبه ذلك التاريخ
أما اليوم، فنحن إزاء مفارقةٍ موجعة: ماضٍ مرصّع بالأمجاد، وحاضرٌ تتنازعه الفوضى الإدارية والقرارات المرتبكة وغياب الرؤية. وحلقات هذه الأزمة يأخذ بعضها برقاب بعض، فإذا غابت الخطة تعثّرت البنية التحتية، وإذا تعثّرت البنية التحتية ذبلت المواهب، وإذا ذبلت المواهب هبطت النتائج، وإذا هبطت النتائج انفضّ الجمهور وفقد الثقة، فيما تتحمل الأندية والمنتخبات وحدها كلفة الإخفاق. وتلك الحلقات تتجلى في ملاعب تقصر عن متطلبات اللعبة الحديثة، وفي غياب مشروعٍ جادّ يكتشف المواهب في القاعدة والفئات السنية، وفي جداول مضطربة وقراراتٍ مثيرة للجدل تزعزع الثقة في نزاهة المسابقات. ويزيد الطين بلّة فرصٌ تُهدر في الرعاية والتسويق رغم قاعدةٍ جماهيرية لا تُبارى، وضعفٌ في الشفافية والمساءلة يجعل الجمهور آخر العالمين بخطط اتحاده وموازناته.
المسألة إدارة لا موارد
قد يتذرّع متذرّع بشحّ الإمكانات، غير أن التجارب الأفريقية تدحض هذه الحجة. فقد سبقتنا دولٌ تشاركنا ضيق ذات اليد، وربما تقلّ عنا إرثاً وجماهير، لأنها رسمت خطةً بعيدة المدى، وغرست في الأكاديميات وكرة الشباب، وأدارت مسابقاتها بانتظامٍ ونزاهة. فلم يكن الفارق في خزائن المال، بل في بُعد النظر وحسن الإدارة. وإذا كانت العلّة في الإدارة، فإن المسؤولية تبدأ من رأس الهرم.
المسؤولية تبدأ من القمة
وحين تتعاقب الإخفاقات وتتوارى الإنجازات، يغدو من حق الجماهير، بل من واجبها، أن تسأل: من المسؤول؟ وأن تطالب أصحاب القرار بحمل تبعات قراراتهم. فالاستقالة في الأعراف المؤسسية الراشدة ليست هزيمةً ولا مهانة، بل موقفٌ نبيل يفسح الطريق لدماءٍ جديدة ورؤى مختلفة.
وقد يُقال: ليس الوقت وقتها
وسيقول قائل إن البلاد تمرّ بظروفٍ استثنائية، وإن للكرة مقاماً دون مقام الهموم الكبرى. وجوابنا أن الظروف الاستثنائية أحوج ما تكون إلى قيادةٍ كفؤة تُحسن تدبير الشحيح من الموارد، ولا تصلح مسوّغاً لإدامة العجز. ثم إن الكرة في زمن المحن ليست ترفاً، بل هي متنفّس شعبٍ أثقلته الخطوب.
نداءٌ إلى كل الجماهير
ومن هنا، ندعو جماهير الكرة السودانية، على اختلاف انتماءاتها وألوانها، إلى الخروج في مسيرةٍ مليونية سلمية تتجه إلى مقر الاتحاد السوداني لكرة القدم، مطالبةً قيادته بتقديم استقالتها. دعوةٌ يلتقي عندها الهلال والمريخ وسائر الأندية على كلمةٍ سواء: أن مصلحة الكرة الوطنية أسمى من الأشخاص والمناصب. ولكي تبلغ غايتها وتصون نبلها، فلتقم على السلمية التامة فلا تُمسّ ممتلكاتٌ عامة ولا خاصة، وعلى وحدة الصف فلا مكان فيها لعصبية الأندية، وعلى وضوح المطالب، وعلى التنسيق مع الجهات المختصة حفاظاً على سلامة المشاركين.
الطريق النظامي أقوى وأحمى
ولأننا نريد لكرتنا أن تنهض لا أن تُعاقَب، وجب التنبيه إلى أن لوائح «فيفا» تحظر تدخل الحكومات في شؤون الاتحادات، وقد تجرّ المخالفة على الكرة السودانية عقوبة الإيقاف. فالضغط الجماهيري السلمي حقٌّ مشروع، أما إقالة الاتحاد بقرارٍ سلطوي فليست مطلبنا. إنما نريد أن تتحول المسيرة إلى قوةٍ تدفع نحو المسار النظامي: دعوة الجمعية العمومية إلى الانعقاد، وطرح سحب الثقة عبر قنوات الاتحاد ولوائحه، فيكون التغيير مشروعاً آمناً، محصّناً من كل طعن.
ماذا بعد الاستقالة؟
ولأن الهدم وحده لا يشيّد بناءً، فإننا نضع بين يدي الجمهور رؤيةً لما بعد الرحيل. تبدأ بلجنةٍ مؤقتة محايدة تدير المرحلة الانتقالية وتكفل استمرار المسابقات، تعقبها مراجعةٌ مالية وإدارية تُعلن نتائجها على الرأي العام، ثم انتخاباتٌ نزيهة شفافة في أجلٍ مسمّى معلن، وتُختتم بخطة المئة يوم الأولى للإدارة المنتخبة، تُنظَّم فيها المسابقات، ويُطلق مشروعٌ وطني لكرة الشباب، ويُفتح باب الرعاية والاستثمار على مصراعيه بشفافية.
خاتمة
إن الكرة في السودان ليست لعبةً تُلعب فحسب، بل هي من الخيوط القليلة التي ما زالت تنسج وجدان أبناء الوطن. ومن حق هذا الشعب أن يرى كرته بين أيدٍ أمينة تردّها إلى مكانتها الأولى. فلنخرج صفاً واحداً، بصوتٍ عالٍ وخُلُقٍ حضاري، ولتكن هذه الكلمات عنوان حملتنا:
#الكرة_السودانية_تستحق_الأفضل

زر الذهاب إلى الأعلى