ظاهرة تعدد الجيوش في السودان: منذ صناعتها بواسطة نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية… إلى إعادة إنتاجها بعد ثورة ديسمبر
، ثمَّ الإستمرار والتوسع في ذلك من بعد إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023‼️

✍️ محمد الفاتح حضرة
💣 كيف يخوض السودان حرباً أهلية مدمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات بسبب وجود جيشين في البلاد…
ثم نجد قيادة الجيش السوداني تواصل الإستمرار علي ذات النهج الخاطيء في صناعة جيوش موازية أخري جديدة؟! 🤔
🫵هذا هو السؤال الذي أراه أهمَّ من كل الأسئلة التي تدور حول الحرب الدائرة في السودان.
لأن القضية ليست فقط:
من الذي بدأ الحرب؟!
ومن يقاتل من؟!
ومن يسيطر على هذه المدينة أو تلك؟!
القضية الأعمق هي:
🤔ما هو شكل الدولة التي سيتم ولادتها بعد هذه الحرب؟!
🛑 لنبدأ من الحقيقة التي يجب ألا نختلف حولها:
🫵الدولة ليست هي الجيش.
🫵والجيش ليس هو الدولة.
الجيش لا يجب أن يكون حاكماً للبلاد ، بل حارساً للمدنيين ومحافظاً علي ترابها .
إن وظيفة القوات المسلحة، في الدول الدستورية، هي حماية البلاد والشعب والدستور، وتنفيذ السياسة الدفاعية للدولة تحت السلطة المدنية الدستورية.
ولذلك فإن الحديث عن «جيش يحكم السودان» هو في ذاته خلط خطير بين مؤسسة عسكرية وظيفتها حماية الدولة، وسلطة سياسية مدنية وظيفتها حكم الدولة.
🤔لكن كيف وصلنا إلى هذه الفوضى في السودان؟!
🧐 وهنا يجب ان نعود إلى أصل الحكاية.
إن نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني لم يقبل بالجيش السوداني كمؤسسة عسكرية وطنية وحيدة للدولة..
بل اتجه نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية إلى صناعة قوات مسلحة موازية للجيش الوطني .
نظام الإنقاذ قام في حوالي العام 2003 بصناعة وإستخدام ميليشيا الجنجويد ضد خصومه السياسيين في دارفور وميليشاتهم المسلحة ، ثم قام لاحقاً بتقنين ميليشيا الجنجويد وشرعنة وضعها وأطلق عليها إسم:
قوات الدعم السريع.
🫵هكذا..صار هنالك جيشان في السودان و أصبحت الدولة السودانية أمام أكثر من مركز للقوة المسلحة.
🫵ولعل هذه هي الخطيئة الكبرى التي قادت السودان في النهاية إلى كارثة الحرب العبثية التي نعيشها اليوم.
💢 🫵 السؤال الأخطر:
هل انتهى هذا النهج بسقوط نظام الإنقاذ وإنتصار ثورة ديسمبر؟!
للأسف…
الوقائع تقول إن الإجابة هي:
لأ ‼️.
فمنذ عام 2019، واصل الجنرال البرهان وقيادة الجيش تبني ذات أدوات ومنهج نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية في صناعة الجيوش الموازية للجيش الوطني ‼️.
بدلاً من أن يكون الهدف المركزي بعد سقوط عمر البشير هو:
جيش وطني واحد…
وسلاح واحد…
ومؤسسة عسكرية مهنية واحدة…
إستمرت ظاهرة وجود قوات مسلحة متعددة خارج البنية التقليدية للقوات المسلحة.
🛑 بعد سقوط نظام الإنقاذ تمَّ صناعة قوات «درع السودان» أو الكيكلاب .
والتي قد تأسست في عام 2022 بقيادة أبو عاقلة كيكل، وهو ضابط سابق في القوات المسلحة السودانية، وذلك في سياق سياسي وعسكري كانت فيه البلاد أصلاً تعاني من تعدد القوى المسلحة. وتشير تحليلات بحثية إلى أن ميليشيا درع السودان قد ارتبطت في بدايتها بتوازنات عسكرية وسياسية سبقت الحرب تتعلق بحركات دارفور المسلحة وإتفاقية سلام جوبا.
إذن…
لا نستطيع أن نقول إن ظاهرة التمدد والتوسع في دعم وصناعة الميليشيات الموجودة الآن في السودان قد جاءت بسبب إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023..
بل هي ظاهرة كانت موجوداً قبل إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 .
🫵وهذه هي النقطة الجوهرية التي يجب الإنتباه إليها :
صناعة الجيوش الموازية في السودان، فيما يبدو هي منهج وعقيدة وليست مجرد أخطاء ‼️
بعد ان إندلعت الحرب…
ربما يقول أحد منكم :
🤔 «يا أخي، ماذا تريد من قيادة الجيش أن تفعل؟!
الحرب إندلعت فجأة…
والقوات المسلحة تحتاج إلى جنود مشاة…
وقوات الدعم السريع لسنوات طويلة كانت وحدها هي التي تمثل الجنود المشاة لدي الجيش السوداني…
والجيش بعد تمرد قوات الدعم السريع يحتاج إلى من يقاتل على الأرض…
إذن من الطبيعي أن يستعين بالمستنفرين والحركات المسلحة والكتائب والقوى الشعبية».
🫵وأنا أقول لك :
نعم… هذا التفسير يمكن أن يكون مفهوماً في الأيام والأسابيع الأولى للحرب.
لكن…
🧐 هل يمكن أن يكون تفسيراً مقبولاً بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات ونصف منذ إندلاع الحرب في السودان ؟!
🫵وهكذا..
يجب ان يبدأ السؤال الحقيقي ..
إذا كانت المشكلة هي نقص أعداد الجنود المشاة لدي الجيش السوداني…
فلماذا لم تتحول هذه السنوات الطويلة بعد الحرب إلى مشروع قومي واضح لتجنيد الشباب السوداني وتشجيعهم وإغرائهم لأجل الإلتحاق بالقوات المسلحة السودانية بدلاً عن إنشاء الميليشيات ودعم حركات دارفور المسلحة وصناعة الجنجويد الجُدد ؟!
🫵لماذا لم تصنع أبواب واسعة لإغراء الشاب السوداني :
تعال إلى القوات المسلحة…
تدرب…
تأهل…
احصل على مرتبك ومخصصاتك…
وأخدم وطنك جندياً في جيش الدولة؟!
بدلاً من أن تذهب أموال الدولة إلى الصرف علي حركات دارفور المسلحة وعلي عشرات التشكيلات المسلحة الاخري خارج الجيش؟!
💣 وهنا المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها:
قائد الجيش يقول إن الدولة تحتاج إلى المستنفرين ..
والشباب السوداني يعاني البطالة ويحتاج إلى العمل والدخل..
والخزينة العامة تنفق أموالاً ضخمة على الحرب..
فلماذا لا تكون الأولوية لتوسيع القوات المسلحة نفسها، وتدريب الشباب السوداني وإدخالهم في مؤسسة عسكرية وطنية واحدة؟!
🤔لماذا جعلوا الطريق إلى المشاركة في حكم السودان عبر :
الحركات المسلحة…
أو المليشيا…
أو المقاومة الشعبية…
أو القوة القبلية…؟!
🛑 وهنا تكمن الخطورة.
لأننا لا نتحدث عن ظاهرة عسكرية مؤقتة فقط..
بل نحن نتحدث عن فلسفة ومنهج وعقيدة وإستراتجية داخل المؤسسة العسكرية السودانية ‼️💢.
🫵 طالما هذه هي الفلسفة :
كلما احتجنا إلى مقاتلين نصنع ميليشيا جديدة…
فكيف سيكون شكل السودان بعد عشر سنوات؟!
🧐 ماذا فعل البرهان بعد إندلاع الحرب 🤔
بدلاً من أن تتجه قيادة الجيش إلى إنهاء ظاهرة الجيوش الموازية من جذورها، ظهرت تحالفات وقوات جديدة إلى جانبها.
قوات الحركات المسلحة في دارفور.
القوة المشتركة.
المقاومة الشعبية.
كتائب البراء بن مالك.
قوات درع السودان.
وقوات أخرى ذات طابع قبلي أو جهوي أو أيديولوجي.
توثق التقارير اعتماد القوات المسلحة على عدد من هذه القوى المسلحة وتنسيقها معها في الحرب.
ازداد الامر واستفحل وبلغ الأمر إلى درجة إعادة فتح الباب أمام شخصيات وقوى ارتبط تاريخها بتجربة صناعة الجنجويد والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية..
🛑 وهكذا ظهر مرة أخري إسم الناظر موسى هلال ‼️
موسى هلال ليس إسماً عادياً في تاريخ صناعة الجنجويد في السودان ، بل هو المؤسس والقائد ، قبل ان ينقلب عليه عمر البشير ويسلط عليه حميدتي فيعتقله ويلقي به في السجن ‼️
في أبريل 2024 ، أعلن الناظر موسي هلال دعمه للقوات المسلحة في حربها ضد الدعم السريع، ثم ظهرت قوات مرتبطة به إلى جانب القوات المسلحة في مناطق أخرى من السودان.
🫵وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
إذا كانت تجربة الجنجويد قد قادت في النهاية إلى ولادة قوات الدعم السريع… فلماذا نعود مرة أخرى إلى البيئة نفسها؟!
ولماذا يتم الاعتماد على قوى قبلية ومسلحة خارج الجيش بدلاً من بناء جيش وطني واحد؟!
‼️ والأغرب من ذلك :
أن الحرب التي قيل إنها قد إندلعت بسبب وجود جيشين في السودان، قد جعلها الجنرال البرهان سبباً لإنتاج جيوشاً وميليشيات وقوى مسلحة أخرى‼️
🤔فما الذي تغير إذن في عقلية الجيش السوداني ؟!
هل تغيرت الاستراتيجية؟!
أم تغيرت فقط أسماء قادة القوات المسلحة ؟!
🧐 وهنا أصل بكم السؤال الذي أريد من كل سوداني أن يفكر فيه بهدوء:
هل كان سبب الحرب يتمثل في وجود قوات الدعم السريع ؟!
أم كان سبب الحرب هو وجود قوات الدعم السريع تحت قيادة محمد حمدان دقلو حميدتي؟!
ماهو مصير قوات الدعم السريع 🤔
أنا لا أدعو إلى إبادة قوات الدعم السريع كما يصرح بذلك البرهان وشركائه..
ولا أرى أن الحل هو في القضاء على عشرات الآلاف من الشباب والرجال السودانيين الذين كانوا قد انضموا إليها بموافقة البرهان وقادة الجيش..
الحل الذي أراه هو دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة السودانية، وفق ترتيبات مهنية وقانونية واضحة، ونزع صفة القوة المستقلة عنها.
فإذا كان الهدف هو بناء دولة وجيش وطني واحد…
فلماذا نرفض دمج الدعم السريع في الجيش، ثم نسمح في الوقت نفسه بدمج ميليشيات مالك عقار وجبريل ابراهيم وغيرهم الي الجيش الوطني ؟!
🤔 وهنا السؤال الأكثر إحراجاً:
إذا كانت قيادة الجيش صادقة فعلاً بشأن إنهاء ظاهرة «الجيوش الموازية»…
فلماذا تستمر في صناعة أو دعم قوات موازية جديدة؟!
ولماذا لا يكون مشروعها:
دمج الدعم السريع…
ودمج الحركات المسلحة…
وإنهاء كل المليشيات…
وتحويل كل من يريد حمل السلاح إلى جندي في مؤسسة وطنية واحدة هي القوات المسلحة السودانية ؟!
بدلاً من:
قوة لمواجهة هذه القوة…
ومليشيا لمواجهة تلك المليشيا…
وحركة لمواجهة حركة أخري…
وقبيلة لمواجهة قبيلة…
ثم نظل ندخل بإستمرار في حرب جديدة كلما تغيرت التحالفات والمصالح السياسية ؟!
💢 وهنا يجب أن نكون أكثر وعياً..
أنا لا أقول إن كل من يقاتل مع القوات المسلحة هو مليشيا مرتزقة.
ولا أقول إن كل من انضم إلى المقاومة الشعبية أو الحركات المسلحة يفعل ذلك لمصلحة سياسية خاصة او بحثاً عن الغنائم او الإنتقام..
فـ كثير من السودانيين قد إضطروا بسبب ضعف الجيش الي حمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم وأسرهم ومناطقهم..
ولكن الضرورة العسكرية شيء… وبناء دولة على تعدد الجيوش شيء آخر.
والفرق بينهما يجب ألا يضيع وسط الحرب.
🛑 ثم نأتي إلى السؤال الأكبر:
ألم يكن المال الذي أنفقه الجنرال البرهان على كل هذه القوات والحركات والكتائب والميليشيات كافياً لتجنيد وتوظيف عشرات الآلاف من الشباب السودانيين في القوات المسلحة نفسها؟!
إذا كان الشاب السوداني يحصل على راتب شهري ومخصصات عينية ومالية عندما ينضم إلى ميليشيا مسلحة داعمة للجيش …
فلماذا لا يحصل هذا الشاب السوداني على ذات الراتب والمخصصات نفسها ودعوته الي الإنضمام إلى الجيش السوداني؟!
لماذا لا نغري الشباب السوداني بالانضمام إلى مؤسسة الدولة بدلاً من إغرائهم بالانضمام إلى تشكيلات خارج المؤسسة العسكرية السودانية ؟!
🫵هذه ليست مسألة مالية فقط..
إنها مسألة إستراتجية ومنهج وعقيدة ‼️
أي دولة هذه التي يبنيها الجنرال البرهان وشركائه ؟!
🧐 وهنا أعود إلى التذكير بنقطة البداية..
نظام الإنقاذ كان قد صنع الجنجويد..
ثم تطورت التجربة إلى صناعة الدعم السريع.
🫵وبعد ثورة ديسمبر، حين كان يفترض علينا أن نتعلم من أخطأء تجربة نظام الإنقاذ والحركة ..
جرى الاستمرار في ذات المنهج بإنتاج القوى المسلحة خارج الجيش، سواء قبل الحرب أوبعدها.. ‼️
وهذا السلوك يجعلنا نتساءل:
هل تغيرت المدرسة فعلاً؟!
أم أن السودان ما زال يعيش داخل مدرسة نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية ، ولكن بأسماء ووجوه وتحالفات مختلفة؟!
💣 إن أخطر شيء يمكن أن يحدث للسودان ليس فقط أن ينتصر طرف عسكري على الطرف الآخر..
الأخطر أن تنتهي الحرب…
ثم نجد في السودان:
جيشاً…
ودعماً سريعاً…
وحركات مسلحة…
ومليشيات قبلية…
وكتائب أيديولوجية…
وقوات مقاومة…
وتشكيلات جديدة…
وكل واحدة منها تحتفظ بسلاحها وقيادتها ومصالحها وتتحكم في مساحة جغرافية او إثنية محددة ‼️💢
دولة تحكمها الميليشيات وليس الاحزاب السياسية.
فأي دولة ستكون هذه؟!
🛑 إن القضاء على الدعم السريع ـ إن حدث ـ لا يعني القضاء على مشكلة الجيوش الموازية في السودان..
بل قد تكون المفارقة أننا قد تخلصنا من قوة موازية…
ولكننا أبقينا علي الآلية والنظام الذي ينتج المزيد من القوى المسلحة الموازية للجيش.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية‼️
إنَّ السودان لا يحتاج إلى:
جيش أقوى من المليشيات فقط..
ولا يحتاج إلى مليشيات تقاتل بعضها البعض..
بل السودان يحتاج إلى دولة أقوى من كل الميليشيات.
دولة يكون فيها:
الجيش جيشاً للدولة…
لا جيشاً لحزب.
والسلاح سلاح الدولة…
لا سلاح القبيلة.
والقرار السياسي للشعب…
لا للجنرالات وقادة الحركات المسلحة.
والقوات المسلحة تحمي الدولة، لا تحكم الدولة.
🛑 السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الشعب السوداني:
إذا كانت الحرب قد اندلعت لأن السودان لم يحتمل وجود جيشين…
فهل سنخرج من هذه الحرب ونحن نبني جيشاً وطنياً واحداً؟!
أم سنخرج منها وقد صنعنا عدة جيوش أخرى موازية للجيش الوطني؟!
إذا كان هدفنا إنهاء ظاهرة الدعم السريع… فليكن الطريق هو الدمج وبناء المؤسسة الوطنية الواحدة.
وإذا كان هدفنا إنهاء ظاهرة الجيوش الموازية… فعلينا أن ننهيها كلها، لا أن نستبدل جيشاً موازياً بآخر.
إن السودان لن ينعم بالسلام ما دام حملة السلاح يجد طريقهم إلى سدة الحكم…
وما دامت كل أزمة سياسية قابلة لأن تنتج جيشاً جديداً…
فالمشكلة ليست في عدد الجيوش فقط‼️
المشكلة في العقلية التي ترى أن كل مشكلة سياسية… يمكن حلها عبر البندقية . ‼️
🫵وهذه هي الثقافة والعقلية التي يجب أن تنتهي.
🛑 السودان لا يحتاج إلى صناعة ميليشيا جديدة كلما تغيرت موازين السياسة..
السودان يحتاج إلى دولة واحدة…
وجيش وطني واحد…
وسلطة مدنية دستورية يجري الإقتراع عليها كل فترة
والشعب يملك وحده حق اختيار من يحكمه.
🫵🧐هذا
و إلا…
فإننا ربما سننهي هذه الحرب قريباً…
ولكننا لن نكون قد أنهينا أسباب الحروب العديدة القادمة‼️
🤔إلي أين يقودنا قادة الجيش السوداني ‼️



