ما يجري في بورتسودان اليوم ليس مجرد إدارة حرب، بل هو مشروع سياسي متكامل لإعادة إنتاج السلطة في شكل جديد، يتجاوز مرحلة الانتقال

مجاهد بشري
يمرّ السودان بمرحلة إعادة تشكيل عميقة لبنية السلطة، لا يمكن فهمها فقط من خلال خطوط النار في الميدان، بل من خلال الصراع على الشرعية، وعلى تعريف الدولة نفسها.
ما يجري في بورتسودان اليوم ليس مجرد إدارة حرب، بل هو مشروع سياسي متكامل لإعادة إنتاج السلطة في شكل جديد، يتجاوز مرحلة الانتقال التي بدأت بعد سقوط نظام عمر البشير، ويتجه نحو تثبيت حكم عسكري بواجهة سياسية مختلفة.
هذا المشروع، الذي يقوده عبد الفتاح البرهان، يواجه عقبة أساسية تتمثل في اتفاق السلام الموقع في جوبا، والذي أعاد توزيع السلطة داخل الدولة ومنح الحركات المسلحة موقعًا دستوريًا لا يمكن تجاوزه بسهولة.
اتفاق جوبا للسلام، الذي تم توقيعه في أكتوبر 2020، لم يكن مجرد اتفاق لإنهاء النزاعات المسلحة، بل كان إعادة هندسة للسلطة السياسية في السودان، حيث منح الحركات المسلحة نسبًا محددة في الحكومة ومجلس السيادة، وأدخلها كفاعل دستوري داخل بنية الدولة اتفاق جوبا للسلام، هذا الاتفاق عدّل الوثيقة الدستورية نفسها، وجعل أي محاولة لإعادة ترتيب السلطة دون المرور عبره بمثابة خرق قانوني وسياسي.
وهنا تكمن المفارقة: البرهان يستند إلى الوثيقة الدستورية ليبرر موقعه كرئيس لمجلس السيادة، رغم أنه هو نفسه قام بتقويضها عبر انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي حلّ الحكومة وفرض حالة الطوارئ، هذا التناقض ليس مجرد تفصيل قانوني، بل هو جوهر الصراع الحالي، حيث يتم استخدام الشرعية الدستورية كأداة سياسية انتقائية، وليس كمرجعية ثابتة.
في هذا السياق، تصبح كل التغييرات العسكرية والسياسية التي تجري في بورتسودان مفهومة كجزء من مشروع أكبر يهدف إلى إعادة إنتاج نموذج حكم قريب من نموذج عبد الفتاح السيسي، أي نظام عسكري بواجهة مدنية محدودة، يسمح بدمج القوى الإسلامية داخل الدولة بشكل تدريجي، لتخفيف الضغط الدولي، خاصة من الولايات المتحدة.
هذا التوجه يعكس محاولة واضحة للالتفاف على العقوبات والضغوط الخارجية خاصة تصنيف الإسلاميين “حاضنة البرهان|” كتنظيم إرهابي، عبر خلق سلطة تبدو مستقرة وقابلة للتعامل الدولي، لكنها في جوهرها تعيد إنتاج بنية النظام السابق، مع بعض التعديلات الشكلية.
غير أن هذا المشروع يصطدم مباشرة بالقوات المشتركة، التي تمثل نتاجًا لاتفاق جوبا، وبالتالي فإن وجودها داخل السلطة ليس مجرد وجود عسكري، بل هو وجود قانوني ودستوري.
هذه القوات، التي تضم حركات مثل جناح مني أركو مناوي وحركة جبريل إبراهيم، لن تقبل بسهولة التخلي عن المكاسب التي حصلت عليها عبر الاتفاق، خاصة في ظل إدراكها أن أي تراجع سيعني خروجها النهائي من معادلة السلطة.
هنا يظهر التناقض الحاد: الجيش يريد إعادة مركزية السلطة في يد البرهان وتقليص نفوذ هذه الحركات، بينما ترى هذه الحركات أن وجودها داخل السلطة هو الضمان الوحيد لبقائها.
هذا التناقض لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى البعد الأمني والعسكري، اتفاق جوبا نصّ على الترتيبات الأمنية، التي تهدف إلى دمج القوات المسلحة المختلفة داخل جيش وطني موحد، غير أن هذا البند ظل معطلاً منذ البداية، ليس بسبب ضعف التنفيذ فقط، بل بسبب رغبة متعمدة من البرهان في الإبقاء على هذه القوات ككيانات مستقلة يمكن استخدامها في لحظات معينة.
البرهان، منذ الفترة الانتقالية الأولى، اعتمد على هذه الأجسام المسلحة كأداة لتحقيق توازنات داخلية، ولضمان وجود قوة يمكن توظيفها ضد الحكومة المدنية أو ضد أي مسار سياسي قد يهدد موقعه، هذا الاستخدام الوظيفي للحركات المسلحة جعل من دمجها خطرًا على السلطة العسكرية، لأنه يعني فقدان أداة مهمة في إدارة الصراع.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها تناقضًا قاتلًا، فالقوى التي يتم الاحتفاظ بها كأدوات، تتحول مع الوقت إلى مراكز قوة مستقلة، خاصة إذا امتلكت مصادر تمويل خاصة أو قاعدة اجتماعية، وهذا ما حدث بالفعل مع القوات المشتركة، التي لم تعد مجرد قوة تابعة، بل أصبحت فاعلًا يمتلك القدرة على التأثير في مسار الحرب، وفي أي تسوية سياسية محتملة.
في الوقت ذاته، فإن استمرار وجودها كقوة مستقلة يمثل عائقًا أمام أي محاولة لانفراد البرهان والكيزان بالسلطة، وهو ما يدفع الجيش والكيزان إلى التفكير في كيفية التخلص منها أو إعادة تشكيلها.
في هذا الإطار، يمكن فهم محاولات الجيش إدخال قوى بديلة، مثل موسى هلال، أو استيعاب شخصيات منشقة مثل كيكل والنور القبة، كجزء من استراتيجية تهدف إلى خلق توازنات جديدة لكبح المشتركة.
هذه التحركات ليست عشوائية، بل تعكس محاولة لإعادة توزيع القوة داخل معسكر بورتسودان، بحيث لا تبقى القوات المشتركة الطرف الوحيد القادر على التأثير، غير أن هذه المقاربة تعيد إنتاج نفس المشكلة، لأن هذه القوى البديلة ليست بالضرورة أكثر قابلية للسيطرة، بل قد تتحول إلى مراكز قوة مستقلة، وربما إلى خصوم في المستقبل.
العامل الاقتصادي يضيف طبقة أخرى من التعقيد لهذا المشهد، السيطرة على الموارد، خاصة الذهب والتجارة، تمثل عنصرًا حاسمًا في الصراع، القوات المشتركة فقدت جزءًا من نفوذها في مناطق في المثلث و الحدود والصحراء، ما أدى إلى تراجع استقلالها المالي، وجعلها أكثر اعتمادًا على الجيش، هذا الاعتماد خلق حالة من “الارتهان”، حيث أصبحت هذه القوات مضطرة لمجاراة قرارات الجيش، حتى عندما تتعارض مع مصالحها، لكن هذا الارتهان ليس دائمًا، لأنه قائم على توازن هش، يمكن أن ينكسر في أي لحظة إذا تغيرت الظروف.
في المقابل، يسعى الجيش إلى استعادة السيطرة على هذه الموارد، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل لأنها تمنحه القدرة على التحكم في مسار الحرب. السيطرة على التمويل تعني السيطرة على القرار، وهو ما يجعل الصراع على الموارد جزءًا أساسيًا من الصراع بين الجيش والقوات المشتركة. هذا الصراع قد لا يظهر بشكل مباشر في البداية، لكنه يشكل الخلفية التي تتحرك فيها الأحداث.
إلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر يتمثل في إمكانية حدوث تسوية سياسية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، هناك مؤشرات على وجود تيارات داخل المعسكر الإسلامي تميل إلى البراغماتية، وترى أن التفاهم مع الدعم السريع قد يكون خيارًا أفضل من استمرار الحرب، خاصة إذا كان ذلك يؤدي إلى إقصاء القوى المدنية وإعادة ترتيب السلطة. هذا التوجه لا يعني وجود توافق كامل، لكنه يعكس إدراكًا بأن الحرب الحالية لا يمكن حسمها عسكريا، وأن استمرارها قد يؤدي إلى انهيار الدولة بالكامل.
في حال حدوث مثل هذه التسوية، فإن القوات المشتركة ستكون في موقع بالغ الهشاشة، فهي لا تنتمي إلى المشروع السياسي للإسلاميين، ولا تمثل حليفًا طبيعيًا للدعم السريع، ما يجعلها عرضة للتهميش أو حتى الاستهداف. هذا السيناريو يعزز فرضية أن الحرب بينها وبين الجيش ليست سوى مسألة توقيت، خاصة إذا قرر الجيش المضي قدمًا في إعادة ترتيب التحالفات الداخلية.
بداية هذا الصدام لن تكون نتيجة قرار مركزي واضح، بل ستنشأ من احتكاكات ميدانية تتطور تدريجيًا، قد تبدأ بمحاولة لنزع سلاح بعض الوحدات، أو بخلاف حول السيطرة على مورد اقتصادي، أو باعتقال أحد القيادات، هذه الأحداث، التي تبدو صغيرة في ظاهرها، يمكن أن تتحول إلى شرارة تشعل صراعًا أوسع، خاصة في ظل غياب الثقة بين الأطراف.
شكل الحرب القادمة لن يكون تقليديًا، بل سيأخذ طابع الحروب غير النظامية، التي تعتمد على الحركة السريعة، والتحالفات المتغيرة، واستخدام الجغرافيا لصالح العمليات العسكرية.
في هذا النوع من الحروب، لا توجد جبهات واضحة، ولا توجد خطوط تماس ثابتة، بل تتحرك القوى المسلحة بشكل مستمر، وتعيد تشكيل تحالفاتها وفقًا للظروف، هذا النمط من الصراع يجعل من الصعب تحقيق نصر حاسم، ويؤدي إلى إطالة أمد الحرب.
في النهاية، يمكن القول إن السودان يتجه نحو مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم تعد التحالفات التقليدية قائمة، ولم تعد الدولة قادرة على احتكار العنف بشكل كامل.
الحرب المؤجلة بين الجيش والقوات المشتركة هي تعبير عن هذا التحول، وهي ليست مجرد صراع بين طرفين، بل انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة نفسها، وحدود قدرتها على إدارة التنوع والصراع.
هذه الحرب، إذا اندلعت، لن تنتهي بسرعة، بل ستعيد تشكيل المشهد السياسي والعسكري في السودان، وربما تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتجاوز ما نشهده اليوم.
#لاللحرب #الحركة_الاسلامية_تنظيم_إرهابي



