الأعمدة

البلبوسي .. حين يهزم نفسه بنفسه ويظن أنه انتصر !

الشريف_الحامدابي يكتب :
في ندوة قوى ( إعلان المبادئ ) بواشنطن ، تقدّم أحد ( البلابسة ) نحو المنصّة ، طلب فرصة ، واستلم المايك .. جاء ليقدّم طرحه ، فلم يجد طرحاً يقدمه ، وجاء ليهزم خصومه بالحجّة والمنطق ، فانتهى به الأمر إلى تمجيدهم والثناء عليهم والشهادة لهم ! مداخلة لم تخدِم البلابسة ولا مشروعهم ، مداخلة صبّت كل نقاطها في صالح مشروع السلام ، ومع ذلك احتفى بها أنصاره كأنها فتحٌ مبين .. وهنا تكمن المفارقة ، ومن هنا يبدأ هذا المقال ..
📌 أولاً : اعترف بأن العقل السوداني لن ينتج أفضل من ثورة ديسمبر المجيدة ..
لم يجد البلبوسي في عقله ما يقوله عن الكيزان ولا عن الجيش ، فبدأ حديثه بتمجيد عمره كشاب مقارنةً بالحاضرين ، ثم انتقل مباشرةً إلى تعداد مزايا ثورة ديسمبر المجيدة ، تحدّث عن قدرتها على توحيد الوجدان السوداني ، وعن قدرتها على توحيد الشباب في فعل ثوريٍ امتد إلى كل أركان السودان .. لم يعلم البلبوسي أن هذه الكلمات دليل وإثبات على أن العقل السوداني لن ينتج أفضل من ثورة ديسمبر وأهدافها ومطالبها وشعاراتها .. لم يعلم أنه بهذه المقدمة هزم مشروع الحرب ، وهزم مشروع عودة الكيزان إلى السلطة ، وهزم مطامع الجيش الذي هتف باسمه في الاستمرار في سلطة غير شرعية .. لم يعلم ، لأنه تحدّث ليؤكِّد أن ديسمبر حاضرة ، وأن الحرب لم تستطع أن تجعل سودانياً واحداً يتحدث عن مشروع بديل لمشروعها ..
📌 ثانياً : شهد بأن حكومة الثورة هي الأفضل ..
تحوّل البلبوسي مباشرةً من تمجيد الثورة إلى تمجيد شخصية ( حمدوك ) ، في إشار واضحة إلى أن رئيس حكومة الثورة هو الشخصية المؤهّلة لقيادة الدولة ، فتغزّل في حكمته وصدقه وتفانيه وإخلاصه ، وقدّم رئيس تحالف ( صمود ) كشخصية تصلح لإنقاذ السودان .. وبذلك أثبت أن حمدوك يحظى بقبول داخليٍ وخارجي لا يحظى به أيٌّ من قادة الحرب .. لم يعلم البلبوسي أن مداخلته تصب في خانة تمجيد واحد من قادة السلام لا قادة الحرب ، واحد من الساعين إلى وقف الحرب وإنهائها لا الداعين إلى استمرارها .. وهنا تكمن قيمة الموقف الصحيح ، الموقف الذي لا يستطيع حتى خصومه أن يقدموا ما هو أفضل منه !
📌 ثالثاً : قدّم نفسه ( صمودياً كبيراً ) من حيث لا يدري ..
حين طالب البلبوسي حمدوك ، باعتباره رجلاً يحظى بإجماعٍ داخلي وخارجي ، وقائداً لتحالف سلام وثورة ، بأن يعود إلى السودان ليوقف الفقد والخراب ويواصل مشروعه ، نسف بذلك مخطط ( تفويض البرهان ) ، ونسف فكرة ( جمعة التفويض ) ، ونسف محاولات تسويق قائد الجيش عبر الحشود والملاعب والمنابر .. وأثبت أن طمع الكيزان في العودة إلى السلطة ، وطمع قائد الجيش في الاستمرار في سلطة الأمر الواقع ، لا يسندهما منطق ولا حجة ولا عقل .. وبطريقةٍ غير مباشرة ، هتف البلبوسي من قلب واشنطن : ( شكراً حمدوك ) ( حمدوك حمدوك .. يسلموا الجابوك ) !
📌 رابعاً : أراد أن يهاجم فلم يجد إلا هتافاً من هتافات الثورة ..
حاول البلبوسي في نهاية مداخلته أن يثبت لأنصاره أنه جاء ليهاجم قادة القوى المدنية ، فلم يجد ما يهاجمهم به سوى هتاف ( جيش واحد شعب واحد ) .. لم يعلم أن هذا الهتاف هو هتاف ثوار ديسمبر ، وواحد من مطالب الثورة ، وأن القوى المدنية المناهضة للحرب تعمل على إنزاله إلى أرض الواقع عبر وقف الحرب وإنهائها ، وتأسيس جيش واحد وطني وقومي ومهني ، يبتعد عن السياسة والاقتصاد ، ويعود إلى الثكنات ، ويلتزم بمهامه وواجباته .. هتاف ( جيش واحد شعب واحد ) ليس ضد مطالب الثورة ، ولا ضد مطالب القوى المدنية ، بل هو في قلبها .. والبلابسة ( بجيوشهم المتعدِّدة ) و ( مجموعاتهم المختلفة ) و ( خطابهم العنصري ) آخر من يحق له أن يرفع هذا الهتاف !
📌 خامساً : قدّم للندوة خدمةً كبيرةً جداً ..
ظهر البلبوسي كشخصية لا تشبه الحضور ، لا في نبرة الصوت ، ولا في الوقفة ، ولا في طريقة عرض الأفكار ، فخرج من القاعة نشازاً كما دخلها .. ثم جاء رد ( الدكتور بكري الجاك ) ، ومن بعده ( الدكتور حمدوك ) ، ليشرحا طبيعة تفكير دعاة الحرب ، والفرق بين التعامل المدني مع الآخر المختلف والتعامل العسكري معه ، وكيف يُواجَه خطاب الحرب بالهدوء والحجة لا بالصراخ والإقصاء .. فتحوَّلت المداخلة التي أرادها صاحبها هجوماً ، إلى درس عملي في الفرق بين مشروعين !
أما احتفاء أنصاره :
فلا أعرف سبباً منطقياً واحداً لاحتفاء البلابسة بهذا المقطع ، الذي لا يوجد فيه ما يصب في صالحهم .. احتفلوا بمداخلة ( مجّدت الثورة التي يعادونها ) ، واحتفلوا بمداخلة ( مجّدت حمدوك الذي يشيطنونه ) ، واحتفلوا بمداخلة ( رفعت هتافاً من هتافات خصومهم ) .. وهذا في حد ذاته دليل على أزمة مشروع لم يعد يملك ما يقوله ، فصار يحتفي بالصوت العالي ولو كان يهتف ضده ، ويصفّق للحضور ولو كان حضوراً عكسياً ..
مخطئٌ من ظن أن الانتصار يُقاس بالجرأة على الوقوف أمام المايك .. الانتصار يُقاس بما تقوله حين تمسكه ، وبما يبقى من كلامك بعد أن تتركه ..
فالبلبوسي هو البلبوسي ، سواء كان في ( الواقع ) أو في ( المواقع ) .. يقوم بنسف نفسه قبل أن يترك للآخرين شيئاً لينسفوه !

زر الذهاب إلى الأعلى